موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة13 يوليو 2019 09:02
للمشاركة:

مهدي كروبي وطريق التمرد الوعر

شخصيات إيرانية.. 360 ْ كما لم تعرفها من قبل

من أكثر الشخصيات الإيرانية جدلا وعنادا، شهدت حياته السياسية كثيرا من الرفض والتمرد على قوانين أساسية وشخصيات محورية في نظام الجمهورية الإسلامية. ولعل هذا ما جعل مهدي كروبي يعيش في مراحل مختلفة من حياته السياسية حالاتٍ من الانزواء والعزلة طوعا أو كرها.
ورغم النقد والهجوم الذي يتعرض له رجل الدين العجوز( من مواليد 1937) إلا أنه لا يزال معارضا شرسا ومعاندا لا يتوانى في التعبير عن مواقفه بين الفينة والأخرى.
وحتى كتابة هذه السطور تستمر حياة كروبي في إطار العزلة والابتعاد عن الأضواء بفعل الإقامة الجبرية المفروضة عليه منذ عام 2011 بعد أن كان في حقبة ما يعد مِن أبرز الشخصيات وأقربها إلى دائرة صناعة القرار في طهران.
فمن هو مهدي كروبي وما هي محطات حياته السياسية؟

ارث التمرد
ولد مهدي كروبي عام 1937 لأسرة دينيّة سياسية ترجع أصولها إلى القومية اللورية التي يقطن معظم ابنائها في محافظة لرستان جنوب غرب إيران. تعلم كروبي الفتى المعارف الدينية في كنف أبيه الشيخ أحمد كروبي – أحد المعارضين السياسيين والدينيين لحكم الشاه – والذي قضى قرابة ثلاثة عقود في السجون والمنافي. ورث كروبي الابن معظم التوجهات والطبائع التي كان يتسم بها أبوه فتعلم منه العلوم الدينية، وأصبح أحد المعارضين لحكم الشاه بالإضافة كما كان من ضمنها المثابرة والإصرار والعناد الذي لا يملّ حتى لو حمّله كثيرا من الأعباء والمتاعب.
كرّس مهدي كروبي المرحلة التعليمية الأولى من حياته للعلوم الدينية حيث توجه عام 1954 إلى الحوزة العلمية (المدرسة الدينية)؛ وبعد عشر سنوات من المكوث هناك دخل كلية الإلهيات التابعة لجامعة طهران وحاز على شهادة الليسانس في عام 1972.
تزوج كروبي عام 1962 من فاطمة كروبي ذات التوجه السياسي المعارض لنظام الشاه والبرلمانية الإصلاحية بعد الثورة، وأنجب منها أربعة أولاد من الذكور ينشطون حاليا في مجالات مختلفة.

في طريق الثورة
كان كروبي أحد تلامذة الإمام روح الله الخميني المرشد الروحي للمعارضة الإيرانية قبل الثورة، وكان ينشط كثيرا في نشر وتبيين توجيهات الخميني وإيصالها إلى الجماهير. وبعد نفي أستاذه خارج إيران عام 1964 تضاعفت جهود كروبي وزملائه، وقد ترتبت على فعالياته السياسية المعارضة لحكم الشاه مراتٌ عدةٌ من الاعتقال والتحقيق والاستجواب والنفي، وقضى في الفترة ما بين 1964 وحتى عام 1979 سنوات عديدة في سجون نظام الشاه. هرب إلى العراق عام 1966 بعد أن صدرت مذكرة اعتقال بحقه لكنه سرعان ما قرر العودة إلى إيران وقد استقبلته استخبارات الشاه بالاعتقال والنفي إلى مدينة كنبند قابوس في محافظة كلستان شمال إيران. وأثناء اتساع دائرة الاحتجاجات في عام 1978 و 1979 قاد كروبي الهيئات التنسيقية للثورة التي تنشط في مجال تنظيم التظاهرات وتأمين حاجات المتظاهرين والمعتصمين كالأطعمة والأدوية.

من الثورة إلى السلطة
بعد انتصار الثورة دخل كروبي البرلمان لتمثيل مدينة أليكودرز التابعة لمحافظة لرستان. وفي الدورة الثانية والثالثة للبرلمان انتخب كروبي نائبا عن مدينة طهران، فضلاً عن أنه عُيّن في فترة لاحقة ممثلاً للإمام الخميني في محافظة لرستان وعلى أساس ذلك تمتع بصلاحيات واسعة، وكان الشيخ مهدي كروبي عضوا في اللجنة المركزية لـ” جمعية علماء الدين المجاهدين” ذات النفوذ الواسع في إيران بُعيد انتصار الثورة والسنوات التي تلتها إلى أن حدث الخلاف بين أعضاء “جمعية علماء الدين المجاهدين”، والذي ترتب عليه انشقاق أيديولوجي تمخض عنه ميلاد جمعية أخرى حملت اسم ” مجمع علماء الدين المجاهدين”، حيث كان الشيخ مهدي كروبي أحد رموزها، وقد كانت الجمعية الجديدة ذات توجه يساري إسلامي ترفض النهج المتشدد في السياسة الداخلية والصِدام في السياسة الخارجية، ونالت هذه الجمعية الجديدة مباركة الإمام الخميني. ويمكن اعتبار هذه الحادثة هي أولى المحطات الخلاف التي صنعت ما يعرف الآن بالتيارين الأصولي والإصلاحي.
كانت أغلب السلطات الرئيسية بعد تأسيس مجمع علماء الدين المجاهدين في يد أنصار المجمع حيث كان رئيس الوزراء هو ميرحسين موسوي ورئيس مجلس الشورى مهدي كروبي ووزارة الداخلية بيد علي أكبر محتشمي (سفير إيران الأسبق في سورية وأحد مؤسسي حزب الله في لبنان) إلى جانب المراكز الحساسة الأخرى.
يملك كروبي في سجله السياسي عددا من المناصب الهامة كمستشارية القائد الأعلى للقوات المسلحة وعضو مجلس تشخيص مصلحة النظام، ونائب برلماني في الدورة الأولى والثانية ورئيسا للبرلمان من 1989 إلى 1992 ثم من 2000 إلى 2004م. كما كان مسؤولا للجنة الإغاثة والإمداد التي أمر الخميني بتأسيسها بعد انتصار الثورة وكذلك رئيسا لمؤسسة ” بنياد شهيد” لأكثر من عشر سنوات كما عيّنه الإمام الخميني ممثلا له في شؤون الحج لما يقارب الخمس سنوات.

انتخابات 2005، وبداية الصدام
شارك كروبي في الانتخابات الرئاسية لعام 2005 ونافس فيها كلا من علي أكبر هاشمي رفسنجاني ومحمود أحمدي نجاد، وحصل كروبي على ما نسبته 17.1 بالمئة بعد أحمدي نجاد (19.5 بالمئة) و هاشمي رفسنجاني (21 بالمئة). وبعد الإعلان الرسمي عن النتائج طعن كروبي بهذه النتائج، ووجه انتقادات إلى مجلس صيانة الدستور المؤسسة المشرفة على الانتخابات الرئاسية، كما انتقد نجل المرشد آية الله علي خامنئي، واتهمه بتقديم الدعم إلى أحد المرشحين( أحمدي نجاد) ووجه رسالة إلى المرشد وصفت بالحادة وغير المسبوقة.
وتبع هذا التصادم إعلان مهدي كروبي استقالته من جميع مناصبه الحكومية كمستشار للمرشد وعضوية مجمع تشخيص مصلحة النظام بالإضافة إلى منصب رئاسة ” مجمع علماء الدين المجاهدين” . وقام بعد ذلك بتشكيل حزب جديد حمل اسم “اعتماد ملي” وأصبح أمينه العام، وأصدر صحيفة الكترونية باسم الحزب تحمل عنوان “سحام نيوز” وهو اختصار لاسم الحزب وموقعه(سایت حزب اعتماد ملی)، لتكون لسان حاله. ولم يعترف بنتائج تلك الانتخابات التي أعطت الفوز لأحمدي نجاد، وظل يعبّر عن احتجاجه على ما سماه تزوير الانتخابات، وينتقد إدارة نجاد باستمرار.

انتخابات 2009
عاشت إيران منذ انتخاب أحمدي نجاد لفترة رئاسية أولى وحتى انتخابات عام 2009 حالة من التعبئة والاستعداد للانتخابات الرئاسية الجديدة؛ لهذا وعندما أجريت الانتخابات في يوم 12 يونيو 2009 شهدت صناديق الاقتراع أكبر نسبة مشاركة في تاريخ الانتخابات الإيرانية قدرت بـ 85%.
وقبل أن يتم الإعلان عن النتائج أعلن مير حسين موسوي نفسه فائزا بالانتخابات، مدعياً حدوث تزوير في عملية فرز الأصوات ما خلق مناخا محتقنا في الشارع الإيراني، وبعد الإعلان الرسمي عن النتائج وإعلان أحمدي نجاد رئيسا لولاية ثانية بعد حصوله على 62.5 % من الأصوات نزل أنصار التيار الإصلاحي بقيادة مير حسين موسوي ومهدي كروبي وأعلنا عدم اعترافهما بالنتائج الرسمية.
وقد عمّت بعض مدن إيران الكبرى مظاهرات مؤيدة للمرشحين الخاسرين كروبي ومير حسين موسوي عُرفت فيما بعد بـ”الثورة الخضراء” من قبل المناصرين للتيار الإصلاحي فيما وصفها أنصار التيار الأصولي بـ”الفتنة” ووسموا قادتها بقادة الفتنة وطالبوا بمعاقبتهم، وأعلنت إذاعة إيرانية رسمية عن مقتل 7 مدنيين على الأقل في طهران خلال مظاهرات يوم 16 يونيو 2009.
وطالب مهدي كروبي أثناء هذه الاحتجاجات بإبطال نتائج الانتخابات كما دعا في بيانات ورسائل إلى ضرورة رقابة مجلس قيادة الخبراء على أداء المرشد وتقييد صلاحياته، كما دعا إلى ضرورة تعيين نوع الحكومة من قبل الشعب، وهي مطالب لم يدعو لها أحد من قبله وتعد سابقة في إيران.
وفي رسالة وجهها إلى مجلس خبراء القيادة، طالب كروبي بضرورة أن يراقب المجلس أداء المرشد بدل المدح والثناء، قائلا ” أقول بصراحة إن هذه الطريقة في الحكم ستعود بالبلاد إلى حقبة ما قبل العهد الدستوري أي إلى حقبة القاجاريين”، کما وجه رسالة أخرى إلى المرشد نفسه وانتقده فيها بالقول ” ثلاثة عقود وأنتم تجلسون على هرم السلطة لكنم في الوقت نفسه تتحدثون وكأنكم معارضون”. وطالبه فيها بإجراء إصلاحات محورية في طريقة الحكم “قبل فوات الآوان” حسب تعبيره.

احتجاجات عام 2011 ودور كروبي فيها
بعد سنتين من انتخابات 2009 المثيرة للجدل عمّت الدول العربية احتجاجات وثورات تفاعلت شريحة كبيرة من الإيرانيين معها، اُعتبرت في حينها انتفاضات ضد الظلم والاستبداد، وأيدها كذلك قادة الحركة الإصلاحية في إيران وحاولوا استثمارها للعودة من جديد إلى الواجهة بعد أن تم إقصاؤهم على إثر أحداث 2009 و 2010.
وقد نجحوا في تنظيم تظاهرات دعما لثورات الربيع العربي، رُفعت فيها شعارات معارضة للنظام الإيراني سقط خلالها عدد من القتلى والجرحى، الأمر الذي طالب على إثره أعضاء في البرلمان الإيراني السلطات بإنزال عقوبة الإعدام بحق كروبي ومير حسين موسوي باعتبارهما عاملي فتنة وخراب، وفي بيان له وصف رئيس البرلمان آنذاك علي لاريجاني كروبي ومير حسين موسوي بالمفسدين في الأرض.

أعوام العزلة
في الأشهر الأولى من عام 2011 اعتقل الأمن الإيراني الشيخ مهدي كروبي بتهمة التحريض على العنف، وظل رهن الإقامة الجبرية بمنزل تابع للدولة حتى فبراير/شباط 2014 حين حددت إقامته بمنزله في منطقة جماران شمال طهران وسمح له بالتواصل مع أفراد عائلته كما كشف عن ذلك نجله حسين كروبي.
وحتى الآن يُمنع كروبي من التواصل مع الآخرين والظهور الإعلامي، بينما يطالب هو باستمرار بإجراء محاكمة علنية له ولكل قادة الحركة. ورغم وجود حديث عن موافقة المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني على قرار إنهاء الإقامة الجبرية إلا أن كروبي لا يزال يعيش تحت الإقامة الجبرية ولا يستطيع التنقل والحركة بحريّة. ويعاني كروبي من بعض المشاكل الصحية في الأمعاء والقلب، وقد نقل عدة مرات تحت رقابة أمنية إلى المستشفيات لإجراء الفحوصات والعلاج، ويحذر مراقبون من تدهور حالته الصحية لما قد يترتب على ذلك من تبعات وآثار سلبية على الصف الإيراني الداخلي.
ونقلت وكالة “إيلنا” الإخبارية مؤخرا عن محمد حسين، نجل مهدي كروبي، قوله “قالت قوات الأمن إن بإمكانها تركيب أقمار صناعية” مضيفا “لكنهم لم يتركوا إلا بضع محطات مفتوحة تشمل فقط قنوات إخبارية عدة ناطقة باللغة الفارسية”.
وبحسب نجل كروبي، فإن والده لا يملك هاتفًا محمولاً ولكن سمح لوالدته باقتناء واحد في المنزل. وقال “يجب ألا يتخيل البعض أن عائلات أولئك الموضوعين قيد الإقامة الجبرية سيتحمسون بعد ثماني سنوات حيال هذه الخطوة الصغيرة”. وأضاف “لدينا اعتراضات ونعتبر هذه الإقامة الجبرية مخالفة للقانون”.

جاده ايران واتساب
للمشاركة: