موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة10 يوليو 2019 14:56
للمشاركة:

رواية “إرث من الرماد” لإنقلاب السي آي إيه على محمد مصدق- الجزء الأول

إنه انقلاب عام 1953، الذي أطاح برئيس الوزراء المنتخب ديمقراطيا محمد مصدق، واعاد الشاه حاكماً على إيران بعد أن كادت عائلة بهلوي تذهب بعيداً عن العرش.
الكاتب الأميركي تيم واينر، في كتابه عن تاريخ “السي آي إي” بعنوان “إرث من الرماد”، يروي القصة الكاملة للانقلاب بتخطيط ودعم أميركيين ومساعدة بريطانية كبيرة، ويرى أنّ ما حصل في إيران آنذاك “حلقة من الحلقات النادرة جداً لنجاح نشاط وكالة الاستخبارات الأميركية CIA في آسيا”.

كانون الثاني/ يناير 1953، قبل أيام قليلة على الاحتفال الرسمي بتولّي دوايت أيزنهاور منصبه في البيت الأبيض، استدعى المسؤول الرفيع في السي آي إي والتر بيديل كيم روزفلت إلى مقرّ الوكالة وسأله: “متى سيبدأ العمل بعمليّتنا اللعينة؟”.
كان رزوفلت، وهو رئيس عمليات السي آي إي في الشرق الأدنى قبل ذلك بشهرين، وفي أوائل تشرين الثاني/ نوفمبر 1952، قد ذهب إلى طهران لإخراج أصدقائه في الاستخبارات البريطانية من الورطة.
في تلك الفترة، كان رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدّق قد كشف محاولة بريطانية للإطاحة به، بحسب تعبير واينر، فطرد طاقم السفارة البريطانية، بمن فيهم الجواسيس. وصل روزفلت للمحافظة على شبكة من العملاء الإيرانيين عملوا لصالح لندن، وتمويلهم، وكانوا سعداء بقبول السخاء الأميركي، ثم عاد إلى بريطانيا لإطلاع زملائه هناك على ما قام به.
علم الرجل الأميركي أنّ رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل يريد من السي آي إي مساعدته على القيام بانقلاب في إيران، فقبل ذلك بأربعين عاماً، دفع نفظ إيران تشرشل إلى السلطة والمجد، وها إنّ الرجل نفسه يريد استعادة كل ذلك مرة أخرى.
كان تشرشل عشية الحرب العالمية الأولى، بوصفه لورداً أول في الأميرالية البريطانية، قد حوّل سفن البحرية الملكية من العمل على حرق الفحم إلى العمل على حرق النفط. حقق مكسباً ضخماً بشراء بلاده 51% من شركة النفط الأنغلو – فارسية التي سبق أن عثرت على أول حقول النفط الإيرانية قبل ذلك بخمس سنوات. انتزع البريطانيون إذاً حصة الأسد، ليصبح النفط شريان حياة وزارة المال البريطانية.
وبينما أصبحت بريطانيا تتحكم بالبحار، أخذ الجنود البريطانيون والروس والأتراك يتقدمون إلى شمال إيران، مدمّرين زراعة البلاد، وناشرين المجاعة التي أدت إلى موت نحو مليوني شخص. ثم برز، من ركام هذه الفوضى، قائد من الكوزاك، هو رضا خان، استولى على السلطة، ونودي به من الخارج عام 1925 شاهاً على إيران. وكان سياسي وطني يُدعى محمد مصدّق، واحداً من الأعضاء الأربعة في البرلمان الإيراني الذين عارضوه.
سرعان ما اكتشف البرلمان أنّ عملاق النفط البريطاني، شركة النفط الأنغلو – فارسية، يغش حكومته بالمليارات. وبلغ الحقد على البريطانيين والخوف من السوفيات في تلك الفترة درجة عالية في إيران في الثلاثينيات، بحيث إنّ النازيين حققوا اختراقات عميقة هناك، دفعت بتشرشل وستالين إلى اجتياح إيران في آب/ أغسطس 1941. تم نفي رضا خان، وأقاما مكانه ابنه محمد رضا شاه بهلوي البالغ 21 سنة من العمر.
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، طالب مصدّق البرلمان بإعادة التفاوض على الامتياز النفطي البريطاني، فشركة النفط الأنغلو – فارسية تسيطر على أكبر مخزون معروف في العالم. ومعمل التكرير التابع لها في عبدان، هو الأكبر في العالم. وبينما كان مدراء الشركة وتقنيوها يستمتعون في النوادي الخاصة وأحواض السباحة، عاش عمال النفط الإيرانيون في الأكواخ من دون مياه ولا كهرباء ولا شبكة صرفٍ صحي.
ولّد هذا الواقع دعماً لحزب توده الشيوعي الإيراني الذي أعلن انتماء نحو 2500 شخص إليه في ذلك الوقت. أخذ البريطانيون مدخولاً يوازي ضعفي حصة الإيرانيين من النفط. وها إن إيران تطالب بالقسمة على أساس النصف، رفض البريطانيون، وحاولوا التأثير على الرأي العام من خلال رشوة سياسيين ومحرري صحف ومدير الراديو الرسمي وآخرين.
حذر رئيس الاستخبارات البريطانية في إيران، كريستوفر مونتاغ وودهاوس، مواطنيه من أنهم يتصرّفون بطريقة ستؤدي إلى كارثة، وهو ما تحقق فعلاً في نيسان/ أبريل 1951 عندما صوّت النواب الإيرانيون على تأميم الإنتاج النفطي الإيراني. أصبح مصدّق بعد ذلك بأيام رئيساً لوزراء إيران.
راحت السفن الحربية البريطانية في نهاية حزيران/ يونيو تتحرّك قبالة شواطئ إيران. وفي تموز/ يوليو أفاد السفير الأميركي هنري غرادي بأنّ البريطانيين في عملٍ من “الجنون المطبق” يحاولون الإطاحة بمصدّق.
شدد البريطانيون في أيلول/ سبتمبر من المقاطعة الدولية لنفط إيران، في إعلان حرب اقتصادية تهدف إلى تدمير مصدّق. ثم عاد تشرشل إلى السلطة رئيساً للوزراء. كان في السادسة والسبعين، ومصدّق في التاسعة والستين.
وضع القادة البريطانيون خططاً لاستيلاء 70 ألف جندي على حقول النفط وعلى مصفاة عبدان. رفع مصدّق قضيّته إلى الأمم المتحدة والبيت الأبيض، بينما كان يحذّر ترومان في السرّ من أنّ هجوماً بريطانياً قد يشعل حرباً عالمية ثالثة. أبلغ ترومان تشرشل بصراحة مطلقة، بان ثمن الدعم العسكري البريطاني في الحرب الكورية هو المساندة الأميركية لموقفه من إيران. لكنّهما بلغا صيف 1952 حائطاً مسدوداً.

جاده ايران واتساب
للمشاركة: