موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة6 يوليو 2019 11:30
للمشاركة:

محمد حسيني بهشتي.. رجل من الثورة الإيرانية وعماد دستورها

شخصيات إيرانية.. 360 ْ كما لم تعرفها من قبل

محمد حسيني بهشتي، أحد السياسيين البارزين في تاريخ إيران الحديث، بل ويصنفه البعض كثاني أقوى الشخصيات المؤثرة في الثورة الإسلامية (1979) بعد قائدها الإمام الخميني.
لعب أدواراً محورية في تثبيت النظام بعد انتصار الثورة وفي إنشاء دستوره، فاعتُبر مهندسه الجديد، ووصفه الخميني بأنه أمّة بذاته.
توقفت مسيرته مبكرا في عهد النظام السياسي الجديد الذي حلّ بعد سقوط الشاه، إذ اغتيل -ومعه اثنان وسبعون من قادة الثورة وأنصارها- في تفجير دمّر مقر الحزب الجمهوري الإسلامي، الذي كان بهشتي من أبرز مؤسسيه.

النشأة الحوزوية والأكاديمية
وُلد السيد محمد بن فضل الله حسيني بهشتي في مدينة أصفهان الإيرانية عام 1928 من عائلة متدينة.
كان والده رجل دين، وساهم ذلك بدفعه منذ الطفولة إلى الاهتمام بالعلوم والمعارف الدينية، فبدأ دراسته بتعلّم القرآن في سن الرابعة في أحد الكتاتيب.
بعد المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، ترك بهشتي الدراسة الأكاديمية في سن الرابعة عشر عام 1942، ليلتحق بمدرسة الصدر في أصفهان لدراسة العلوم الإسلامية.
بعد أربع سنوات ونيف تعلم خلالها الأدب العربي والمنطق والفقه والأصول، انتقل بهشتي إلى مدينة قم لمواصلة دراسته الحوزوية، وخلال سنواته الخمس هناك، تتلمذ على يد شخصيات شيعية بارزة كانت تنشط في قم، من قبيل محمد يزدي، وحضر دروس روح الله الخميني وحسين بروجردي ومحمّد تقي خونساري ومحمد حجت كوهكمري.
نشاطه الحوزوي الديني في قم لم يمنع الشاب حسيني بهشتي من العودة للدراسة الأكاديمية، فقرّر عام 1948 إكمال المرحلة الإعدادية، ليدخل عام 1951 في طهران لكُليّة (المعقول والمنقول)، كما كانت تُسمى كلية الشريعة والعلوم الإسلامية آنذاك، فحصل على شهادة البكالوريوس منها.
ثم تابع بهشتي دراسته الجامعية حتى أنهى المراحل العليا وحصل على شهادة الدكتوراة في الفلسفة عام 1959.
تزوج بهشتي عام 1952 وأنجب 4 أبناء، هم محمد رضا، علي رضا، ملوك السادات ومحبوب السادات. درس هؤلاء خارج إيران وانشغلوا في المجالات العلمية والتدريس بعيداً عن كل ما يتعلّق بالسياسة.

النشاط السياسي والديني
تعود بدايات النشاط السياسي لبهشتي إلى مرحلة تأميم صناعة النفط في إيران عام 1951، وما ترتب عليها من أحداث وتوترات بين رئيس الوزراء الأسبق محمد مصدق وداعمه الأساسي المرجع الديني البارز أبو القاسم كاشاني من جهة، وبين الشاه وحلفائه الدوليين من جهة أخرى.
وبعد تصاعد الأزمة بين الطرفين راح بهشتي يدافع عن قرارات مصدق وحكومته الوطنية من خلال إلقاء الخطابات والمحاضرات والمشاركة في سائر النشاطات التوعوية.
فَشلُ مشروع مصدق، أجبر بهشتي على العودة إلى قم، بعد أن أدرك حقيقة قلّة عدد الكوادر المناسبة لقيادة الحراك ضد الشاه البهلوي كما يقول هو نفسه في مذكراته، ففضّل الانتقال إلى قم وممارسة النشاطات الثقافية، وإعداد الكوادر والشخصيات المناسبة.
ولتحقيق هذه الغاية، تم تأسيس مدرسة باسم “الدين والمعرفة”، أدارها بهشتي بنفسه من عام 1954 إلى عام 1963، ما جعله يمكث معظم هذه السنوات في قم ويتبحر في العلوم الدينية، واستمر على هذا النحو إلى أن اغتالت جماعة ثورية ذات ميول إسلامية وهي جمعية الهيئة المؤتلفة عام 1965 رئيس وزراء الشاه آنذاك حسن علي منصور لاتهامها إياه بالتعامل مع الغرب، ما دفع استخبارات الشاه إلى شن حملات واسعة ضد المعارضين والتضييق على النشطاء، وقد كان اسم بهشتي في قائمة المتهمين الملاحقين من قبل الحكومة.
في ظل تلك الأجواء، قرر بهشتي الخروج من إيران نزولاً عند رغبة عدد من المراجع والشخصيات الهامة التي نصحته بالابتعاد للتخلّص من الملاحقة الأمنية، فانتقل الرجل إلى ألمانيا عام 1965 حيث تولى إدارة المركز الإسلامي في هامبورغ.
أسس بهشتي هناك مجمع الناطقين بالفارسية في الجمعية الإسلامية للطلبة الجامعيين في أوروبا، كما أعطى مجموعة من الدروس الفكرية والفقهية، إضافة لعقد مؤتمرات تعليمية وثقافية في المحافل الجامعية وفي الكنائس في ألمانيا منذ سنة 1965 وحتى سنة 1970.
وعن فترة وجوده في ألمانيا يقول بهشتي في مذكراته “بقيت في هامبورغ خمسة أعوام، زرت خلالها بيت الله الحرام، وسافرت إلى سوريا ولبنان أيضاً، وتفقدت النشاطات الإسلاميّة في تركيا، كما اتصلت بالأخ العزيز السيد موسى الصدر، وسافرت إلى العراق وزرت مرقد الإمام علي في النجف عام 1969”.
بعد تلك المرحلة، عاد بهشتي إلى طهران، فاستقبلته استخبارات الشاه واعتقلته مباشرة، وبعد سلسلة تحقيقات وجلسات استجواب، تم إطلاق سراحه، لكنه مُنع من ممارسة أعماله السابقة، مما اضطره للانشغال بالأعمال الحرة والتأليف والكتابة، إلى أن بدأ الحراكُ والنشاطُ الثوري عام 1976 يزداد شيئا فشيئاً.
انخرط بهشتي وآخرون من المقربين إليه في الفعاليات الثورية، وفي خضم أحداث الثورة وبعد انتقال الخميني من النجف إلى باريس، سافر بهشتي إلى العاصمة الفرنسية لينضم إلى الخميني وبعض مساعديه كمرتضى مطهري، هاشمي رفسنجاني، محمد جواد باهنر، محمود طالقاني ومهدي بازرغان وغيرهم.

بهشتي ودستور ما بعد الثورة
بعد خلع الشاه محمد رضا بهلوي وانتصار الثورة الإسلامية، بقي بهشتي عضواً في مجلس الثورة، ثم انتُخب عضواً في مجلس الخبراء، وبعدها ترأس مجلس صيانة الدستور ومجلس خبراء القيادة، فضلاً عن قيادته الحزب الجمهوري الإسلامي، الذي تأسس بعد أسبوعين من انتصار الثورة بناء على طلب الإمام الخميني.
عام 1980 عيّنه الخميني رئيساً للسلطة القضائية، وفي 1981 وبعد عزل أبو الحسن بني صدر من رئاسة الجمهورية، عقد الخميني المجلس الرئاسي المؤقت برئاسة بهشتي.
كان بهشتي أحد أهم الشخصيات التي عملت على كتابة الدستور الإيراني بعد الثورة الإسلامية بصفته واحد من المنظرين الكبار آنذاك، ممن كانوا محل ثقة واسعة لدى الخميني.
عمل الرجل قبل وضع الدستور بشكل نهائي على تعريف وتحديد الكثير من المفاهيم الفكرية والفقهية الإسلامية، كمفهوم الجمهورية والإسلامية والحرية والولاية.
ويعد دستور إيران الحالي في كثير من مواده وبنوده متأثراً بشكل أو بآخر بأفكار ومعتقدات بهشتي وآرائه السياسية.

الاغتيال
اغتيل محمد بهشتي في 28 حزيران/ يونيو 1981 إثر انفجار وقع في المقر الرئيسي للحزب الجمهوري الإسلامي، في طهران، أثناء انعقاد اجتماع لقادة الحزب، ما أدى لمقتل اثنين وسبعين مسؤولاً آخرين من الحزب، منهم أربعة وزراء (الصحة، النقل، الاتصالات والطاقة)، وسبعة عشر عضواً في البرلمان، والعديد من المسؤولين الحكوميين الآخرين.
كان لخبر اغتيال بهشتي ورفاقه صدى واسع داخل وخارج إيران، واعتبر مسؤولو طهران اغتياله خسارة كبيرة للأمة الإسلامية، وقال عنه الخميني إنه “كان وسيبقى شوكة في عيون أعداء الإسلام”.

أفكار بهشتي ومعتقداته
يُعرف عن بهشتي تمتعه بنظرة شمولية واسعة تجاه المفاهيم الإسلامية والسياسية.
لم يكن يتقيّد بتعريف محدد حول القضايا التي قد تكون محل خلاف بين رجال الدين والساسة، وكان من المتأثرين بأفكار علي شريعتي على وجه الخصوص، لا سيّما انفتاحه الكبير على باقي الأفكار والرؤى ونظرته التجديدية للإسلام.
ألّف كتاباً قيّماً عن شريعتي ومكانته بعنوان “الدكتور علي شريعتي باحث على طريق التكامل”، اجتهد فيه في الدفاع عن فكر الفيلسوف الإيراني الشهير وحاول أن يرد على منتقديه وخصومه، متحدثاً عن دوره في حركة الجامعيين خارج البلاد، واصفاً إياه بالومضة في تاريخ الثورة والإسلام، وبأنه كان يتحرك نحو الأصالة الإسلامية.
ترك بهشتي عدداً كبيرا من الكتب والبحوث منها:
الأسس النظرية للدستور
الحق والباطل في القرآن الكريم
الدكتور علي شريعتي باحث على طريق التكامل
الصحة وتنظيم الأسرة في المنظور القرآني
النظام المصرفي وقوانين الإسلام المالية
الحكومة في الإسلام
صوت الإسلام في أوروبا
الإسلام والأيديولوجيات المعاصرة

جاده ايران واتساب
للمشاركة: