موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة14 يونيو 2019 17:00
للمشاركة:

فضّ الاشتباك الأميركي – الإيراني.. مسقط أولاً

كما بات للتوتر بين الإيرانيين والأميركيين رموز عدة تتصل بملفات الشرق الأوسط، بات للوساطة بين الطرفين وجهود إطفاء النيران الكامنة بينهما رمز أيضاً. إنها سلطنة عمان التي لها ما لها حتى اليوم من علاقات متميّزة مع واشنطن وطهران. كيف صنعت السلطنة لنفسها هذا الموقع؟

عراقتشي في مسقط وبن علوي في طهران
أواخر أيار/ مايو الماضي زار مساعد وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية عباس عراقجي سلطنة عمان، ضمن جولة خليجية بحث فيها ملفات المنطقة، ولا شك أنّ التوتر المتزايد بين واشنطن وطهران، مع استمرار سياسة العقوبات الأميركية، كان على سلّم أولويات المناقشات.
قبل ذلك بأيام، حطّ وزير الخارجية العماني يوسف بن علوي في طهران، في طريقه إلى لندن. بين الزيارتين، كان إعلان رسمي من السلطنة أنها تلعب دوراً، مع أطراف أخرى، يهدف إلى تهدئة الأجواء بين أميركا وإيران، كما أشار بن علوي إلى انخراط بلاده في اتصالات مكثفة في هذا الخصوص، وأنه سمع من الإيرانيين كلاماً أكدوا فيه عدم رغبتهم بالحرب، وأكّد أن الطرفين يدركان مدى خطورة انفلات الأمور.
وعن جهود مسقط هذه، توقع الصحافي العماني سالم الجهوري أن يعمل بن علوي على إعادة طرفي النزاع إلى طاولة المفاوضات، في حديث له مع قناة الجزيرة، في حين اسبتعد أستاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة طهران حسن أحمديان أن يوافق الإيرانيون على العودة للتفاوض بناء على شروط وإملاءات أميركية جديدة. هذا في حين ربطت صحف إيرانية زيارة بن علوي إلى طهران باتصال أجراه وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو بالسلطان قابوس منتصف الشهر الماضي.
ومن الجدير ذكره أنّ الحراك العماني هذا أتى بعد فترة وجيزة من أحداث ساخنة في المنطقة، أهمها: انفجار في ناقلة نفط في منطقة الفجيرة الإماراتية، استهداف السفارة الأميركية في بغداد بصاروخ كاتيوشا وتوجه قوات بحرية أميركية إضافية إلى منطقة الخليج.
المحلل السياسي أنيس النقّاش من جهته رأى أنّ سقف أهداف المفاوضات ومساعي الوساطة اليوم هو “ألّا تتدحرج الأمور في المنطقة إلى الاصطدام العسكري”، مشيراً إلى أنّ الرد الإيراني على الرسالة التي حملها رئيس الوزراء الياباني شينزون آبي من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي تطرح فكرة شراء طوكيو النفط من طهران مقابل تقدّم في الموقف الإيراني، بقي بلا رد. وفي حديث خاص لـ”جاده ايران” رجّح النقّاش أن يقول الإيرانيون للعمانيين “إنّ نهج الوساطة سابقاً لم يفلح بإحداث خرق حقيقي في العلاقة مع الغرب ومع الأميركيين تحديداً، وبالتالي فإنّ هذا النهج لم يعد مشجعاً أبداً في المستقبل”.
وعن جو المفاوضات نفسه، لفت النقّاش إلى أنّ إيران تمكّنت من تحقيق بعض المكاسب مؤخراً، ولا سيما في العراق، حيث إنّ العراقيين عندما طُلب منهم أن يلعبوا دور الوسيط ردّوا بعدم إمكانية ذلك طالما أنه تم إجبارهم على أن يكونوا جزءاً من العقوبات المفروضة على إيران، ما أدى إلى إخراج العراق تقريباً من دوّامة العقوبات التي عمل الأميركيون ليشملوا كل من أمكنهم فيها.
وفي السياق علّق النقّاش على الاستهداف الأخير لناقلتي نفط في خليج عمان، ورأى أنّ التوتر السياسي الذي يسيطر على منطقة الخليج اليوم “يفتح الباب أمام المصطادين في الماء العكر، كما يشجع الأطراف المتخاصمة على اختبار نوايا بعضها من خلال هذه الحوادث”.

مفاوضات سرية مهدت طريق الاتفاق النووي
بحسب كتاب لمارك لاندلر، مراسل صحيفة نيويورك تايمز في البيت الأبيض، فإن بداية الوساطة العمانية بين واشنطن وطهران في عهد أوباما بدأت في أيار/ مايو 2009، وأدت إلى فتح قناة سرية بين الطرفين بعد تسلّم باراك أوباما الحكم بأربعة أشهر.
التقى حينذاك الدبلوماسي العماني سالم بن ناصر الإسماعيلي أحد كبار مستشاري وزارة الخارجية الأميركية دنيس روس، وفاجأ الأميركيين بعرض إيراني للتفاوض، مؤكداً أنه بإمكانه جلب الإيرانيين ليجلسوا على الطاولة، وأنه على استعداد لجعل مسقط مكاناً مثالياً لمفاوضات سرية.
الجهود العمانية واجهت تحديات صعبة، كالمظاهرات في إيران بعد الانتخابات الرئاسية عام 2009، ما جعل المسؤولين الأميركيين الميّالين للتفاوض يشعرون بالحرج حيال الاندفاع نحو هذا الخيار في تلك الظروف، كما تم في العام نفسه احتجاز ثلاثة أميركيين دخلوا الحدود الإيرانية من جهة منطقة كردستان العراقية، واتهمهم الإيرانيون بالجاسوسية، لكنّ الوساطة العمانية استطاعت أن ترجع المياه إلى مجاريها خاصة بعد أن نجحت بالإفراج عن الأميركيين الثلاثة فيالفترة الممتدة بين أيلول/ سبتمبر 2010ونهاية السنة نفسها.
هكذا، راح مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى يزورون مسقط، كدنيس روس في كانون الأول/ ديسمبر 2010، ووزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون في كانون الثاني/ يناير 2011، حيث أجرت الأخيرة محادثات في هذا الشأن مع السلطان قابوس، ثم رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ السيناتور جون كيري في أوائل العام نفسه أيضاً، ليعود فيلتقي لاحقاً الوسيط العماني في لندن وروما وواشنطن. ومن أهم الرسائل التي بعث بها كيري إلى الإيرانيين عبر الإسماعيلي، كان أنه بموجب الاتفاق المتوقع من قبل إدارة أوباما، ستتمكّن إيران من تخصيب اليورانيوم، وهو المطلب الإيراني الأساسي.
تلا ذلك المزيد من الاجتماعات السرية عبر القناة العمانية عام 2012 مع كبار مساعدي كلينتون ونائب الوزير بيل بيرنز ونائب رئيس هيئة الأركان المشتركة جيك سوليفان. عام2013، مع تعيين كيري وزيراً للخارجية ووصول حسن روحاني إلى رئاسة إيران، بدأ قطار التفاوض يتسارع، وفي نهاية هذا العام تم التوصل إلى اتفاق نووي مؤقت.
ينقل لاندلر عن سوليفان قوله إنه بالرغم من أن كلينتون كان في البداية متشكّكة تجاه القناة العمانية، إلا أنّ هذه القناة أثبتت فعاليتها، ويعقب على هذا الأمر قائلًا: “لولا هذه القناة، لكنّا على الأرجح أمضينا خريف عام 2013 في محاولة تحديد مع من نتكلّم وكيف”.

قابوس يستنجد بالشاه لمواجهة ثورة ظفار
ولعلّ من أبرز المنعطفات التي تدلّ على أهمية إيران بالنسبة لسلطنة عمان، ما حصل في ظفار ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، عندما اندلعت ما سُمّيت بثورة ظفار ذات التوجهات اليسارية. ومع تطوّر أوضاع الثورة وجد السلطان قابوس نفسه بحاجة لمساعدة خارجية، وكان أن اختار الشاه محمد رضا بهلوي حاكم إيران آنذاك لنجدته وإعادة سيطرته على كل البلاد.
في تشرين الأول/ أكتوبر عام 1971 زار قابوس إيران للمشاركة في الاحتفالات التي أقامها الشاه، وطالب بمساعدة عسكرية إيرانية لمواجهة الثوار، فأبدى الشاه مباشرة رغبته بالوقوف إلى جانب “قوات السلطان”.
وكان بهلوي في تلك الفترة يطمح ليحلّ مكان بريطانيا في المنطقة بعد انسحابها منها في السبعينات، كما كان يخشى أن يصبح مضيق هرمز الحيوي بالنسبة لتجارة النفط الإيرانية تحت خطر كبير، إن تمكّن الثوار اليساريون من تسلّم الحكم في سلطنة عمان.
في تموز/ يوليو أرسل السلطان قابوس وفداً رسمياً إلى إيران برئاسة ثويني بن شهاب، وتم التوصل إلى ترتيب التدخل العسكري الإيراني في الأراضي العمانية. وفي 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 1973، وصلت إلى السلطنة أولى طلائع القوات الإيرانية التي بلغت تقريباً ثلاثة آلاف عسكري، ما أدى لاحقاً إلى قمع الثورة نهائياً، وعلى إثر هذا التدخل شاع لقب جديد للشاه بأنه بات شرطيّ المنطقة.

جاده ايران واتساب
للمشاركة: