موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة8 يونيو 2019 21:09
للمشاركة:

نسرين ستوده… المحامية السجينة

“عزيزي نيما، لا أعرف ماذا أخبرك عن السجن والاعتقال، إنه صعبٌ على طفلٍ بريء مثلك أن يستوعب معنى المحاكمة والظلم والرقابة والقمع ونقيضها الحرية والعدالة والمساواة، وكيف أشرح أنّ العودة إلى المنزل ليست مسألة اختيارية، وأنني لست حرة، وليس لي الحق برؤيتك ولو لساعة واحدة”. كانت تلك الكلمات رسالةً خطّتها المحامية الحقوقية الإيرانية نسرين ستوده على مناديل ورقية في سجن “إيفين”، وسرّبتها إلى طفلها في الخارج، لتوثّق من خلالها ظروف اعتقالها وشوقها إلى عائلتها.

نسرين ستودة تحتضن ابنها نيما

دراسة الحقوق
في أسرة محافظةٍ من أصول كردية، ولدت نسرين ستوده عام 1963 بمحافظة كيلان الشمالية. بدأ اهتمامها بالأدب والفكر منذ سنواتها الأولى. اهتمام دفعها إلى السعي لدراسة الفلسفة في مرحلتها الجامعية الأولى، لكنّه لم يكن كافيا، لأنّها لم تكن من بين المقبولين لهذا الاختصاص، وتمّت إحالتها إلى كلية الحقوق في جامعة شهيد بهشتي بطهران. هناك، اجتازت ستوده امتحان الكفاءة في تخصّص القانون عام 1995، ثمّ قضت بعد ذلك ثمانيةَ أعوام للحصول على شهادةالمحاماة في مجال حقوق الأطفال. خلال هذه الفترة تزوجت من رضا خندان الذي تشيد به باستمرار وتصفه بـ”الرجل المُتحَضِر، الذي دائماً ما يساندها في مواصلة نضالها”.

انطلاقة تقليدية وعلاقة مستقرة مع النظام
على خلاف القضايا التي تبنّتها ستوده، واعتقلت بسببها، كانت انطلاقتها في مزاولة المحاماة هادئة وتقليدية، حيث باشرت مهامها في المكتب القانوني لوزارة الإسكان، ثم انتقلت بعد عامين إلى بنك تجارت كمستشارة قانونية ضمن الفريق القانوني للبنك التابع للدولة، وساهمت حينذاك في العمل على حل أزمة الرهائن الشهيرة بين إيران وأميركا. إلا أنّ نشاطها في مجال الحريات العامة، كان قد جاء عقب رفض رئيس تحرير جريدة درياشه (البحيرة) نشرعدّة مقالات وتقارير لها، تنتقد فيها واقع حقوق المرأة والطفل في إيران، وهو الحدث الذي كان بمثابة نقطة التحول في مسيرتها وعلاقتها بالدولة.
استمرّت ستوده بالدفاع عن قضايا المرأة والطفل والحريات العامة. اعتقلت مرارًا على خلفية قضايا كان أشهرها دفاعها عن الناشطين والصحفيين أمثال عيسى سرخيز، وحشمت تبرزادي. لاحقت ستوده، أيضًا، قضايا إساءة معاملة الأطفال وإعدام القُصَّر، إلا أنّ القسم الأكبر من نشاطها كان من نصيب المستجيبات لحملة الصحافية الإيرانية المقيمة في أميركا معصومة نجاد، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التي تقوم فكرتها على التحرّر الرمزيّ من الحجاب، عبر ارتداء حجاب أبيض كل أربعاء في ما أسماه أنصار هذا التحرّك بـ “الأربعاء الأبيض”. لاقت تلك الحملة استجابة محدودة من النساء الإيرانيّات، أتبعَها تعاملٌ وصفه المشاركون في الحملة بالتعسفي من قبل الأجهزة الأمنية، وذلك لاعتبارها مخالفةَ للقانون الإيراني الذي يفرض على المرأةالإيرانية والأجنبية ارتداء الحجاب والملابس الفضفاضة. ستوده تولّت الدفاع عن النساء اللواتي قبضَ عليهنّ بسبب تلك القضية، فكان لذلك تأثير سلبي على علاقتها بالدولة.

حملة الأربعاء الأبيض

الاعتقال الأول… مفاجأة قاسية
في نهاية آب أغسطس 2010 وبينما كانت ستوده تشارك في اجتماع بمقر “جمعية المحاميات المحترفات”، داهمت دورية من رجال الأمن المقر لتنفيذ مذكرة استدعاء لستوده. اعتقلت في زنزانة انفرادية، وتم اتهامها بعدد من التهم كـ “التواطؤ ضد الأمن القومي”، و”الدعاية ضدّ الدولة”، و”عضوية مركز الدفاع عن حقوق الإنسان” الذي أسسته المحامية شيرين عبادي الحائزة على جائزة نوبل للسلام. تهم ستوده جاءت نتيجة دفاعها عن المعارضين، الذين اعتقلوا خلال احتجاجات عام 2009 ضد إعادة انتخاب الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد لولاية ثانية. وفي كانون الثاني يناير 2011، أصدرت المحكمة الثورية على ستوده حكماً بالسجن لمدة 11 عاماً، وحظراً من ممارسة مهنة المحاماة لمدة 20 عاماً، ومُنعت السفر خارج البلاد. فترة الاعتقال تلك تخللها إضراب متكرر عن الطعام نفذته ستوده ، واستمر في إحدى المرات 49 يومًا، احتجاجاً على منع ابنتها من السفر عام 2012.
حظيت قضية ستوده بتفاعلٍ دولي كبير، شمل انتقادات وجهتها للسلطات الإيرانية منظمات دولية حقوقية، كمنظمة العفو الدولية، ومنظمة (Human Rights watch)، والاتحاد الدولي لحقوق الإنسان، والبرلمان الأوروبي، إضافة إلى بعض وسائل الإعلام الغربية. دفعت تلك الضغوط محكمة الاستئناف الثورية إلى تخفيض حكم ستوده في 14 أيلول / سبتمبر2011، إلى 6 سنوات، ومدّة حظر ممارستها للمحاماة إلى 10 سنوات. في أيلول / سبتمبر2013 تم الإفراج عن ستوده بشكل مفاجئ وبدون تقديم أي توضيح، لكن كثيرين ربطوا الإفراج بتوقيته، حيث جاء الإفراج المبكروالمفاجئ عن ستوده وبعض الناشطين، قبل يوم من مغادرة الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

تكريم وجوائز دولية
في تشرين الأول / أكتوبر 2012 منح البرلمان الأوروبي جائزة ساخاروف للفكر للإيرانيين المعارضين، المخرج جعفر بناهي والمحامية نسرين ستوده “لنشاطهم في الدفاع عن الحقوق والحريات في إيران”. إلا أنّ ستوده لم تتمكن من استلام الجائزة بسبب منعها من السفر، فتسلمتها المحامية شيرين عبادي نيابة عنها. ستوده نالت في نيسان / أبريل 2011جائزة “باربرا جولد سميث” لحرية الكتابة من مركز القلم الأميركي (Pen American Center) للدفاع عن حرية التعبير.

الاعتقال مجدداً
عاودت السلطات الإيرانية اعتقال نسرين ستوده في 13 حزيران / يونيو 2018، بشكل مفاجئ، وتم نقلها إلى النيابة العامة في سجن إيفين، قبل أن يتم إبلاغ عائلتها في أيلول / سبتمبر بالحُكم على ابنتهم بالسجن خمس سنوات “غيابيا” بتهمة التجسس. وبالتزامن مع صعود إبراهيم رئيسي إلى سدّة السلطة القضائية في إيران مطلع أذار / مارس من العام الجاري، أدانت المحكمة الثورية ستوده بسبع تهم، وحكمت عليها بالسجن 33 عامًا، إضافة إلى 148 جلدة، ليصل مجموع سنوات حُكمِها إلى 38 عاما.
زوج نسرين ستوده رضا خاندان، كتب بعد صدور الحكم بحق زوجته على صفحته في فيسبوك: “إن الحكم بالسجن لعقود من الزمن والجلد 148 جلدة قاسٍ للغاية، حتى بالنسبة لإيران التي لها باع في إصدار الأحكام الصارمة ضد المعارضين”. تجددت المطالبات الدولية لإيران بالإفراج السريع عن ستوده. فيليب لوثر، مدير البحوث وأنشطة كسب التأييد للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية قال: “الأمر مُروّع للغاية أن تواجه نسرين ستوده نحو أربعة عقود فيالسجن، و148 جلدة بسبب عملها السلمي في مجال حقوق الإنسان… يجب إطلاق سراحها فوراً ومن دون قيد أو شرط”.

موقف المنظمات الدولية من اعتقال نسرين ستوده

قضية جدلية
وفي تعليق على القضية يرى الصحفي الإيراني سياوش فلاح بور أنّ “مسألة الحجاب في إيران، ومنذ عدة أعوام أخذت منحىً اجتماعياً، ولاسيما عند بعض الفئات ضمن المجتمع الإيراني. كان يمكن حلّ الأزمة بأساليب اجتماعية، إلا أن هناك من أراد تحويل المسألة الاجتماعية إلى قضية أمنية، لتحقيق غايات ومآرب سياسية” وفق تعبيره. فلاح بور اضاف في تصريحاته لـ “جاده إيران” أنّ حركة بنات شارع انقلاب التي انتهت بالإفراج عن المعتقلات بعد مدة قصيرة من اعتقالهن، “تم استغلالها سياسيا بهروب المعتقلات المُفرَج عنهن إلى الدول الغربية، ودعمهن الصريح للعقوبات على إيران، وحتى الخيار العسكري ضد البلاد، بدعوى غياب حقوق الإنسان”. فلاح بور أوضح، أن “كل من شارك بشكل مباشر أو غير مباشر في تلك الحملة، ساهم في تقويض الأمن الداخلي وخدمة المصالح الخارجية، ومنهم المحامية ستوده”ّ وفق رأيه. هكذا، تقضي ستوده محكوميتها في انتظار قرارٍ بالإفراج لا ظروف واضحةً له حتى اليوم، لتبقى قضيتها واحدة من القضايا الجدليّة في إيران وخارجها.

جاده ايران واتساب
للمشاركة: