موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة7 يونيو 2019 11:27
للمشاركة:

أخطاء المداحين الإيرانيين ومعالجات الدولة… من يسبق من؟

أعادت حادثة الإهانة التي تعرض لها عدّد من رموز المذهب السني مؤخراً على لسان المداح الإيراني أحمد قدمي، الإضاءة مجدداً على قضية التجاوزات التي يرتكبها المداحون الإيرانيّون بين فترةٍ وأخرى، كما فتحت المجال للبحث عن أثر معالجات تلك الظاهرة التي تُسارع الأجهزة القضائية للشروع فيها بأوامر من رأس الهرم السياسي في إيران. وبرغم الفتاوى التي تحرم بشكل واضح سب رموز أهل السنة، وأبرزها فتوى المرشد الإيراني آية الله علي خامنئي، إلا أن فئة من المداحين ، وآخرهم قدمي، لا زالت تخالف هذه الحدود الفقهية والقانونية. وما عزز من تداعيات الحادثة التي جرت مؤخراً، أنها جرت على شاشة القناة الخامسة في هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيراني، وفي ذكرى ولادة الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب.

جلسة المدّيح التي أساء فيها المدّاح أحمد قدمي لرموز أهل السنة

إهانة التلفزيون الحكومي “لرموز لأهل السنة”، كانت الجملة الأبرز في الرسالة التي بعثها نواب السنة في مجلس الشورى الإيراني إلى المرشد علي خامنئي، ، معتبرين أنها “تتعارض مع توصيات المرشد، وتؤجج الرأي العام السنّي وتثير قلقه”. تدخل المرشد خامنئي كان سريعًا، حيث وجه بمعاقبة المسؤولين عن البث المباشر في القناة الخامسة، فكان قرار إقالة مديرها ومدير البرنامج ومعدته، وقبل ذلك ولعلّه الأهم، اعتقال السلطات الأمنية للمدّاح قدمي.

كثيرًا ما أشاد المرشد خامنئي بدور مداحي أهل البيت. آخر هذه الإشادات كانت خلال لقاءه عددًا منهم في ذكرى ولادة السيدة فاطمة الزهراء في 26 شباط/ فبراير الماضي. آية الله خامنئي وصفهم في ذلك اللقاء بأنهم “ذخرًا للمضي بأهداف الإسلام والثورة”، كما أكد لهم على التأثير الكبير لمضامين القصائد التي يلقيها المداحون، لكنه شدد في ذلك الوقت على أن تلك المضامين “يجب أن تكون اسلامية وقرآنية ومتوافقة مع الفكر العميق والرؤية المشرقة، في ظل استخدام الأساليب الفنية التي تقع في إطار أهداف الثورة الإسلامية.”

لقاء المرشد علي خامنئي بالمدّاحين في ذكرى ولادة السيدة فاطمة الزهراء

إشادة خامنئي بدور المداحين لم تجعله يتجاهل تجاوزات بعضهم ضد رموز أهل السنة، وهذا ما برز بتوجيهه الجهات المختصة بالتعامل سريعاً مع تلك المخالفات، بما يتطابق مع فتواه الصادرة عام 2010 والتي حسم فيها بتحريمه لأهانة رموز أهل السنة من صحابة وأمهات مؤمنين جدلاً واسعاً أثاره رجل الدين الشيعي ياسر الحبيب عندما أساء في حينه لأم المؤمنين السيدة عائشة. يجدر الإشارة هنا إلى أن هذه الفتوى جاءت استكمالاً لبيان أصدره المرشد عام 2009 حمّل نفس المضمون.

إهانة رموز أهل السنة في بعض المدائح، لا تلقى ترحيباً رسميًا أو شعبيًا في إيران. هاجمها عدد من فقهاء المذهب الشيعي، ومن  أبرزهم حجة الإسلام هادي قابل الذي انتقد على خلفية حادثة إهانة سابقة، ظاهرة السب واللعن، وأوضح من خلال مقاربة سياسية أن “تلك الإهانات مصدرها مخلفات الاستعمار. المستعمرون يسعون لتحريض المتعصّبين على الإساءة لرموز المذاهب الأخرى. اللعن والسب مذمومان في الفقه الشيعي”. كما أن قابل لم يغفل الإشارة إلى أن ما وصفه بالتحريض “يسهم في شرذمة المجتمع الإسلامي، وهو خدمةً للمشروع الصهيوني وحلفائه في المنطقة،” وفق رأيه.

الباحث في الفكر السياسي الشيعي محمد الصياد، يرى في تصريحات لـ”جاده إيران” أن “تلك الإهانات لن تتوقّف، وستطفو على السطح الطائفي والأيديولوجي في إيران كل فترة، لأنها نتاج مؤسسات تعليمية وثقافية تغذيها الدولة منذ الثورة، فالدولة نفسها تمنع تنقل الرموز السنية، في المدن الداخلية، وتمنع حرية بناء المساجد، وتمنع السنة من المناصب الهامة” وفق قوله.  الصياد يدرج ذلك ضمن إطار شرعية الدولة المذهبية، ويضيف “مهما أفتى خامنئي أو الخميني من قبله بحرمة الإساءة  إلى الرموز السنية، تبقى ولاية الفقيه نفسها كنظرية مغذية وملهمة للمتشددين بأن يهينوا الرموز السنية”، ما يجعل تلك الفتاوى من وجهة نظر الصياد “سياسية لا دينية حوزوية  في المقام الأول، إذ كان بإمكان الدولة أن تمنع هذا الأمر قانوناً كمنع إهانة الخمينيّ، أو أيٍّ من رموز الثورة الإيرانية من رجال الدين، أو أن تدرجه في الدستور، كما أدرجت المواد الخاصة بهوية الدولة.”

من جهته يرى مدير مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط هيثم مزاحم أن “بناء جيل جديد عماده التسامح واحترام رموز أهل السنة مرتبط بقيام المرشد الإيراني والحكومة في طهران بدعوة الحوزة بما تحتويه من علماء دين ومؤرخين لإجراء مراجعات نقدية لكتب الحديث والتاريخ، بهدف الخروج من ظاهرة شيطنة رموز أهل السنة، وجعل النظرة إليهم متوازنة ومحترمة وغير قائمة على السب واللعن. مزاحم وفي تصريحاته لـ”جاده إيران” نبّه “لضرورة المحافظة على النقد التاريخي لدور أي صحابي، باعتبار أن لا عصمة لأحد منهم بما فيهم زوجات النبي”، وشدد مزاحم في ذات الوقت على أن “احترام الصحابي لا يعني عدم نقد دوره السياسي أو المسلكي، كونه غير معصوم”، لكنه لفت لأهمية أن يكون هذا النقد بعيداً عن توجيه اللعن والإهانة للصحابي المُنْتَقد، على حد وصفه.

مزاحم وفي سياق حديثه، لم يغفل عن الإشارة لدور الطرف الآخر في تأجيج التوتر المذهبي، حيث أضاف “في المقابل، عندما تعتمد بعض الدول السُنية مقاربة تكفيرية للشيعة وتسميهم بالروافض بناءً على عقيدة سلفية وفتاوى وهابية تبيح سفك دماءهم وسبي نساءهم وهدم مقاماتهم، وتقوم بعض الجماعات كداعش والقاعدة وأخواتهما بتنفيذ هذه الفتاوى كما رأينا في العراق وسوريا وباكستان وأفغانستان ولبنان والكويت، سيسصبح من الصعب عدم توقع التشدد المذهبي في الجهة المقابلة من قبيل رد الفعل وشد العصب وتعبئة الجماهير”، حسب رأيه الذي لا يتوقع أستاذ القانوني الدولي علي فضل الله حدوثه، وإنّما يصنف ما حدث في إطار “التجاوزات التي لا تعتبر ظاهرة”، وإنما ما يستحق أن يُطلق عليه ظاهرة بحسب ما قاله لـ”جاده إيران” هي “آلية الدولة الإيرانية في معالجة هذه الحادثة والتعامل معها”، وأكدّ فضل الله أن “الجمهورية الإسلامية قامت منذ اليوم الأول على خطاب وحدوي في مختلف مفاصلها”، معتبراً أن “هذا الخطاب الوحدوي للجمهورية الإسلامية يظهر في إصرارها منذ التأسيس على عدم الإساءة أو التطاول على الآخرين، إلى جانب ترحيبها بأي مشروع وحدوي”. فضل الله الذي ذكر بفرادة التنوع العرقي والديني والمذهبي في إيران لفت أيضاً إلى أن “طهران لا تبني خياراتها السياسية على الاعتبارات الدينية أو المذهبية”، ولو كانت كذلك وفق رأيه “لأسمت نفسها الجمهورية الإسلامية الشيعية، بدلاً من اسم الجمهورية الإسلامية الذي تتبناه لنفسها”. ومع إقرار فضل الله بأن “النموذج الإيراني يعتريه بعض أوجه القصور”، لكنه لم يهمل الإشارة إلى أن “النموذج الإسلامي بشقيه الديني والدولتي في إيران نجح في تقديم نموذج جيد في الحكم، برغم العداوات والحملات الخارجية التي تعرض لها هذا النظام منذ يومه الأول”.

الإجابة عن سؤال محوري مفاده “هل ستنتهي التجاوزات؟” ما زالت مُبهمة، رغم أن غالبية التجاوزات مازالت فردية، وتصدر عن عدد قليل من المداحين في مناسبات واحتفالات متفرقة، وليست صادرة عن تيارات أو جماعات معينة، أي أنها لا تنقل موقف أطراف محددة، فضلا عن أنها لا تعكس رأي النظام السياسي في إيران.

.

جاده ايران واتساب
للمشاركة: