موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة30 مايو 2019 23:54
للمشاركة:

في الذكرى الثلاثين لتوليه قيادة إيران، كيف أصبح خامنئي مرشدا للجمهورية الإسلامية؟

أمام تلفازه الصغير في منزله في منطقة جماران شمالي طهران، جلس قائد الثورة الإسلامية في إيران ومؤسس جمهوريتها، آية الله روح الله الموسوي الخميني، يشاهد وقائع زيارة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى كوريا الشمالية بكثير إهتمام . كان المشهد منذ الوصول إلى لحظة المغادرة محل تركيز الخميني، الذي ما فتئ يسعى لطمأنة نفسه وقد أزفت ثمانيناته على الإنقضاء. كانت السكينة التي يرجوها أملا في أن هناك من يصلح لتُسلم إليه الراية بعد الإستسلام للأجل.

في التاسعة والثمانين من عمره كان الخميني لايزال مقاتلا، صحيح أن “كأس السم” الذي تجرعه بوقف إطلاق النار مع العراق في العام 1988 أرهقه بشكل كبير، وزاد من إرهاقه الطلاق الذي وقع بينه وبين خليفته السابق، صديق عمره، آية الله حسين منتظري، إلا أنه لم يستسلم لرفاهية الرحيل وهو في القمة. بذل المستطاع ليكون إنتقال القيادة هادئا بينما هو يرقد بسلام.

في بيونغ يانغ، عاصمة كوريا الشمالية، كان الرئيس الإيراني حينذاك علي خامنئي (50 عاما) يتنقل بين نشاط وآخر، دون علم منه أن زيارته هذه تحظى بمتابعة خاصة من قائده وأستاذه في طهران. ينقل نجل الخميني، أحمد، عن والده الراحل قوله في لحظات المشاهدة “حقا يستحق السيد خامنئي تولي القيادة.” كانت الزيارة تلك قبل أيام فقط من رحيل الخميني، تحديدا في منتصف آيار مايو 1989. لم يلبث الولي الفقيه الأول أياما معدودات ورحل.

لا ترقى عبارة زعيم لما كان يمثله الخميني لشعبه ولثورته في آن، ربما لذلك إختصر أتباعه صفته بكلمة إمام، والإمامة عند المسلمين، لا سيما منهم الشيعة مرتبة لا ينالها كثر لما تحمله من قيم معنوية وسطوة قيادية وغيرها من أوصاف لا يمكن حصرها بسهولة. لعل ما لا يعرفه كثيرون أن اللقب أطلقه رئيس الجمهورية الحالي حسن روحاني على آية الله الخميني في العام 1977 بعد وفاة نجل الخميني، مصطفى، خلال مرحلة النفي في مدينة النجف في العراق. كانت أصابع الإتهام في الوفاة الغامضة قد توجهت إلى جهاز الإستخبارات الإيرانية (ساواك). يقول روحاني إنه في ذلك الوقت كان ممنوعا من القاء الخطب على المنابر، لكن رجل الدين الثوري الراحل مرتضى مطهري هاتفه وطلب منه إلقاء كلمة في مسجد آرك القريب من بازار طهران لما للمناسبة من أهمية كبرى. يتابع روحاني أنه خلال تفكيره في مضمون الخطاب قرر أن يربط بين النبي إبراهيم الخليل وبين الخميني، تضحية كلاهما بولده، والضغط الذي يتعرض له وهكذا في نهاية الكلمة إستخدم الآية الكريمة “إني جاعلك للناس إماما” ليقترح على الجمع الحاضر إطلاق لقب الإمام على آية الله الخميني، ليصبح الإسم المتعارف عليه منذ ذلك الوقت “الإمام الخميني”.

كان هذا قبل إثني عشر عاما من يوم تاريخي آخر، الثالث من حزيران يونيو 1989 يوم وفاة الخميني، اللحظة التي كان ينتظرها كثر في الخارج ويتحسب لها كثر في الداخل. كانت الكلمات ثقيلة على لسان المذيع في التلفزة الإيرانية محمد رضا حياتي وهو يقرأ النعي الرسمي تعكس حجم البوابة التي تنتظر إيران بأسرها للمرور منها  من زمن إلى زمن. كان التحدي كبيرا، فالجمهورية تبلغ عقدا من العمر فقط، معظمه قضته في الحروب والأزمات. في العادة موت المؤسسين تحد بحجم التأسيس، فكيف إذا كان في زمن كذاك الزمن.

إسودت طهران، والحزن أثمل ملايين الإيرانيين ممن شعروا باليتم وملؤوا الشوارع لوداع الرجل الذي على يده سقطت ملكية عمرها أكثر من ألفي وخمسمائة عام. كان الحزن مزيجا من خوف وأسى. أسى على الفقد الذي لا يعوض بالنسبة للأنصار الميتمين، وخوف من أن لا يعوض حقا. قلة فقط، ربما أقل من عدد أصابع اليدين، تمردت على الإنهيار وقررت أن اليوم التالي يستحق أن يشهد إنتخاب خليفة للراحل الكبير. لكن من ذا الذي يريد ان يكون خليفة للخميني؟

في بدايات العام 1989 طلب الخميني تشكيل لجنة لتعديل الدستور ولم يطل الأمر كثيرا وبعد إجازة رأس السنة الإيرانية وفي 24 من نيسان/ أبريل جرى الإعلان عن اللجنة وأعضائها ال 25 ومن بينهم رئيس الجمهورية خامنئي، ورئيس مجلس الشورى هاشمي رفسنجاني، ورئيس مجلس خبراء القيادة آية الله علي مشكيني. أرسل مشكيني للإمام سؤالا يطلب منه فيه إبداء رأيه في مسألة التعديلات المتعلقة بالولي الفقيه. رد الخميني برسالة جاء فيها:

لقد سألتموني عن رأيي فيما يتعلق بالتعديلات الدستورية، بإمكانكم أيها السادة أن تتصرفوا كما ترون مناسبا. لا اريد التدخل. لكن فيما يتعلق بالقيادة، لا يمكن أن نترك نظامنا الإسلامي بدون إشراف. علينا إنتخاب شخص يمكنه أن يدافع عن دورنا الإسلامي الرائد وسط السياسة العالمية.

من البداية كنت أؤمن وأصررت على أن لا ضرورة لشرط المرجعية. العالم التقي المجتهد المنتخب من مجلس الخبراء هو ما نحتاجه. وطالما أن الشعب هو من إنتخب مجلس الخبراء، والمجلس صادق على شخص ما كقائد، لن يكون هناك داع للنقاش.”

مهد الخميني لإنتقال سلس للقیادة، في الوقت الذي كانت في وسائل الإعلام العالمية، لا سيما منها الغربية، تضج بالتوقعات والتحليلات والسيناريوهات، بعض منها حمل مناح سلبية لجهة مستقبل الثورة ومصير الجمهورية ووحدة الدولة وبعضها الآخر إستعرض الأسماء المتوقعة للخلافة بناء على معطيات تحليلية لا على معلومات.

“عندما كان الحديث مع الإمام الخميني عن عزل آية الله (حسين) منتظري جديا، قلنا للإمام: ما الذي سيحصل بعدك، فلا قائد لنا” يستذكر الراحل أكبر هاشمي رفسنجاني في مقابلة صحفية قبل سنوات، “أجاب الإمام: السيد خامنئي موجود”.

كان الحدث جللا على الجميع، لكنه كان أصعب ما يكون على رجلين، رئيس الجمهورية حينها السيد علي خامنئي، ورئيس مجلس الشورى الراحل اكبر هاشمي رفسنجاني. لم يكن لدى مجلس الخبراء تجربة سابقة بمثل هذه الظروف، يصح القول إن المجلس دُشّن للمرة الأولى فكان الأعضاء كالضائعين أمام هول المصاب وصعوبة الإختيار.

في مجلس الخبراء إختلف الأعضاء بين طرحين، واحد يدعو لإختيار مجلس قيادة يكون فيه كل من رئيس مجلس الخبراء مشكيني، والسيد عبد الكريم موسوي أردبيلي ورئيس الجمهورية خامنئي، وطرح آخر يدعو لإنتخاب ولي فقيه واحد. الغلبة كانت لأصحاب نظرية الولي الفقيه الواحد، وعندها طرح على المجلس إسمان، آية الله كلبيكاني، والرئيس خامنئي. تصدى هاشمي رفسنجاني للحظة المفصلية وقال ما في جعبته، كذلك فعل أحمد نجل الخميني وأقرب مساعديه، أصبحت المهمة أسهل على الخبراء، هكذا اختير رئيس الجمهورية مرشدا أعلى للجمهورية الإسلامية.

يقول رفسنجاني في هذا المورد “كانت مجموعة من رابطة المدرسين في الحوزة، ولعل عددهم كان 13 شخصا، يحاولون المجيء بآية الله كلبيكاني، وهذا الرأي حصل على ثلاثة عشر صوتا، فيما كانت مجموعة تميل إلى آية الله خامنئي”، يضيف رفسنجاني “طرحنا الإثنين وفاز آية الله خامنئي من بينهما بأغلبية الأصوات، فيما حصل آية الله كلبيكاني على أصوات قليلة،” ويختم “أجرينا الإقتراع مرتين لإنتخاب آية الله خامنئي، ففي البداية إنتخبناه مؤقتا إستنادا لحكم الإمام (حول إسقاط شرط المرجعية) وعندما جرى الإستفتاء على الدستور الجديد قمنا بالإقتراع من جديد على أساس ما جرى تعديله.”

جاده ايران واتساب
للمشاركة: