موقع متخصص في الشؤون الإيرانية

قراءة في كتاب فقدان عدو؛ أوباما، إيران، وانتصار الديبلوماسية- الجزء الثالث

للمشاركة:

جاده إيران- محمد علي

في الجزء الثالث من ترجمة “جاده إيران” للسلسلة التي قدمها موقع “مشرق نيوز” لكتاب “فقدان عدو، اوباما، إيران، والانتصار الديبلوماسي” لرئيس المجلس الوطني للإيرانيين في أميركا تريتا بارسي، الذي تناول فيه جزءاً من الفصل التاسع من الكتاب المعنون بـ “العرب الذين قرّبوا إيران وأميركا”. بارسي كشف في تلك الزاوية عن تشكيل قناة سرية بمساعي من سلطان سلطنة عمان قابوس بن سعيد، ورئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي آنذاك جون كيري، لأجل التفاوض مباشرة بين وفود طهران وواشنطن.

“العرب الذين قرّبوا إيران وأمريكا”

في 31 تموز/ يوليو 2009 قرر كلٌ من جشوا فيدال، وسارة شورد، وشين باير الأميركيين الذي كانوا يدرسون ويعملون في سوريا، أن يتوجهوا إلى العراق، وأن يتنزهوا سيراً على الأقدام في جبال منطقة كردستان، فقد سمعوا عن شلالات أحمد آوه الشهيرة، والمسارات العالية في كردستان، وكانوا يخططون أن يقضوا عطلة نهاية الأسبوع للاستراحة من عناء العمل اليومي. لكنّ المصطافين هؤلاء لم يعلموا أنّ عودتهم لمنازلهم من هذه العطلة ستطول لعامين.
وحينما صعدوا إلى الجبل، أوقفتهم مجموعة من الحرس المدججين بالأسلحة، حيث لم يعرف الأميركيون أن هؤلاء الحرس هم حرس الحدود الإيرانية، ولم يكونوا على دراية بعبورهم الحدود الإيرانية من كردستان العراق، ما أدى إلى القبض عليهم، واتهامهم بالتجسس. وعلى الرغم من ذلك، وعلى أثر هذه القضية، وُلدت المفاوضات بين طهران وواشنطن، التي أسفرت في النهاية عن حل المشكلة النووية.
ومن حيث أنَّه لا توجد سفارة أميركية في طهران، ولا علاقات دبلوماسية معها، اضطرت واشنطن أن تطلب العون من حلفاءئها القادرين على خوض وساطة مع طهران.
ولبّى العمانيون هذا الطلب، فهم كانوا قلقين من أن تندلع حرباً في المنطقة، على إثر التوترات حول الملف النووي الإيراني، وكانوا يرغبون في استغلال علاقاتهم الجيدة مع الطرفين لإنهاء هذا النزاع، وبرزت الفرصة للعمانيين من خلال القبض على هؤلاء المتنزهين كي يثبتوا للأميركيين أنهم يتمتعون بالشيء الذي كان يسعى وراءه الرئيس الأميركي آنذاك باراك أوباما؛ قناة موثوقة مع المرشد الأعلى لإيران علي خامنئي.
وخلال أشهر، كان يذهب ويجيء سالم بن ناصر الإسماعيلي المبعوث الشخصي للسلطان قابوس، بين طهران وواشنطن، متوسطاً لإبرام اتفاق لتبادل السجناء بين البلدين، ما أدى إلى الإفراج عن الثلاثة المعتقلين في إيران مقابل إفراج واشنطن عن ثلاثة إيرانيين. ودفعت حكومة عمان نيابة عن أميركا 1.5 مليون دولار غرامة لإيران، وحملهم الاسماعيلي على طائرته الشخصية إلى مسقط، حيث من المقرر أن يلتقي الأميركيون الثلاثة بعائلاتهم. وفي اليوم التالي اتصل أوباما بالسلطان قابوس ليشكره على مساعيه.
وكشف غاري سيمور مسؤولُ عدم الانتشار النووي في حكومة باراك أوباما، أنّ تبادل السجناء كان اختباراً أشار إلى أنهم (العمانيون) يستطيعون تحقيق بوعودهم.
لكن السؤال الرئيسي كان: هل تستطيع عمان الذهاب بعيداً وتبدأ في حوار مباشر بين إيران والولايات المتحدة حول الملف النووي، وتخلق قناةً امتنع الإيرانيون عن فتحها منذ إعمال العقوبات في 2010؟
كانت سلطانة عمان أفضل دولة للقيام بوساطة بين طهران وواشنطن لأسباب مختلفة. كما وتشير سياسات السلطان قابوس منذ تمرد ظفار إلى الآن بجلاء إلى أنّه لم ينسى مطلقاً مساعدات إيران له أثناء ذلك التمرّد، ما جذب إليه احترام وثقة مرشد إيران علي خامنئي. ومنذ الحرب العراقية – الإيرانية كانت مسقط تقترح على الأميركيين المساعدة على تحسين العلاقات مع إيران، وتم طرح هذا الأمر ثانية في 2009، حينما اقترح وزير الخارجية العماني أن تستضيف بلاده وتنظم أية جلسة ترغب واشنطن في إجرائها مع طهران شرطة الحفاظ على سريتها.

إصرار أوباما على التواصل مع خامنئي
كان الرئيس الأميركي يرى أنه من غير الممكن تحقيق تقدم ملموس دبلوماسياً مع إيران من دون وجود قناة مباشرة مع المرشد الأعلى الإيراني. ولم تكن أميركا ترغب في منح امتيازات معقولة، ولا تنتظر أن تتمكن إيران من تقديم امتيازات هي الأخرى، ما لم يتواصل الطرفان مباشرة عبر قناة تصل إلى خامنئي. وعلى الرغم من أن المفاوضات مع 5+1 تلقّت تصريحاً رسمياً من المرشد، إلا أنَّ الإيرانيين لم يكونوا مستعدين لإقرار اتصال مباشر مع الأميركيين.
قامت استراتيجية إيران في البداية على الامتناع عن التفاوض مباشرة في الوقت الذي يبدو فيه أنَّ أميركا تسعى إلى دفع طهران نحو منح امتيازات عبر التهديد العسكري من وراء الطاولة. أما الاستراتيجية الثانية فكانت الامتناع عن المفاوضات المباشرة حتى تعترف أميركا صراحةً بحق إيران بتخصيب اليورانيوم على أراضيها.
وحسب الأفراد الذين اشتركوا في المفاوضات المختلفة، ساورت إدارة أوباما الوساوس فيما يتعلق باتصالها مع مسقط، والتي فتحت بالتأكيد قناة مع طهران مصرّحاً بها من المرشد. حتى أنَّ واشنطن قدّمت لمسقط قائمة من أسماء بعض المسؤولين الإيرانيين الذين تعتقد أنهم يستطيعون أخذ تصريح من المرشد لإجراء المفاوضات.
وخلال هذه السنوات أرسل أوباما العديد من الرسائل إلى خامنئي، أعرب خلاله عن رغبته في حل الخلافات عبر المفاوضات المباشرة.
لم تكن عمان هي القناة الوحيدة، وإنما طلب أوباما عام 2012 من إيران من خلال رئيس الوزراء التركي آنذاك رجب طيب أردوغان أن تستغل الفرصة الدبلوماسية القائمة.
وأدت هذه الرسائل والخطابات إلى أن يعلن وزير الخارجية الإيراني آنذاك علي أكبر صالحي إنّ “أميركا تستعرض عضلاتها على الملأ العام، لكنها تترجانا من خلف الكواليس أن نجلس ونتحدث”.

رجل الظل
لم تكن الرغبة للتفاوض كافية لأجل إطلاق قناة دبلوماسية، حيث يجب أن يكون هناك اعتقاد راسخ في أنّ الدبلوماسية يمكنها أن تأتي بنتيجة، وربما الأهم من ذلك، الرغبة في قبول المخاطر السياسية في القيام بمثل هذه الخطوة الحساسة.
ولحسن الحظ كان لأوباما صديق في مجلس الشيوخ الأميركي، هو جون كيري رئيس لجنة العلاقات الخارجية في هذا المجلس، يعتقد أن علاقات واشنطن وطهران يمكن ويجب أن تتحسن.
وكان يعمل كيري لكثير من الأسباب أثناء ترأسه لتلك اللجنة (حينما كانت تتولى هيلاري كيلنتون حقيبة الخارجية) وزيراً للخارجية في الظل، إذ كان من الأفراد المقربين والموثوقين من أوباما، وكان يتقدم في هذا المسار عبر بذل أقصى وقته وطاقته لحل أصعب التحديات الدبلوماسية.
بدأ دور كيري أثناء المفاوضات للإفراج عن الأميركيين المحتجزين في إيران، ثم شرع هو وسالم الإسماعيلي ممثل السلطان قابوس في مفاوضات حول رؤية قناة أوسع مع إيران لحل القضية النووية. العمانيون بذلوا جهوداً لضمان الإفراج عن الأميركيين كحجر أساس لإيجاد قناة أكثر مباشرة وإحكاماً، والتي تستطيع حل القضية النووية.
ويقول أحد العاملين السابقين بمجلس الشيوخ الأميركي إن كيري سافر لأول مرة إلى عمان في ديسمبر 2011، والتقى هناك بالسلطان، كي يقيّم الاحتمالات. وعُقدت هذه الجلسة، والتي تمت بتنسيق مع البيت الأبيض، بسريّة مطلقة.

حق التخصيب لإيران: نعم أم لا
استشعر العمانيون أنَّ كيري هو الشخص المناسب لإقرار تواصل مع إيران؛ فهو متواضع وكان يستمع جيداً، والأهم من ذلك، أنه يتحدث باحترام؛ الموضوع الذي كان الإيرانيون متحسسين للغاية منه. كما كان لدى كيري معلومات دقيقة عن تاريخ العلاقات بين البلدين المليء بالتوتر، وكان يدرك جذور استياء طهران (وعدواتها) مع واشنطن.
هذه السمات التي كانت لدى كيري واعتقد العمانيون أنها ستساعد في موافقة إيران على التفاوض مباشرة مع واشنطن، هي ذاتها السمات التي كانت ترهب الآخرين في واشنطن من أن تؤدي إلى خلق تصور خاطئ لدى إيران حول الموقف الواقعي لأميركا في المفاوضات.
هذا وقد حذّر كيري كلاً من كلينتون وأوباما من خطورة اختبار قناة التواصل مع إيران، كما اعتبر في نفس الوقت رفض هذه القناة خطيراً أيضاً. فبرأيه إذا فوّتت واشنطن فرصة الخيار الدبلوماسي، وتوصل السلطان قابوس إلى نتيجة مفتدها أنَّ الولايات المتحدة ليست جدية في متابعتها الحل الدبلوماسي مع إيران، فسيكشف عن خبر تجاهل الأميركيين للدبلوماسية، وسيؤدي ذلك إلى إضعاف تحالف العقوبات ضد إيران، مما قد يؤدي بدورن إلى تغيير الرؤى العالمية لطهران.
وبعد أسابيع عدة منح أوباما الضوء الأخضر لهذه القناة، وأصبح البيت الأبيض مسؤولا رسمياً وقائماً على هذه الدبلوماسية الجديدة الخفية وغير الرسمية في الوقت ذاته.

الجزء الاول

الجزء الثاني

جاده ايران واتساب
للمشاركة: