موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة11 مايو 2019 17:11
للمشاركة:

نهاية عداوة؛ أوباما، إيران، وانتصار الدبلوماسية- الجزء الثاني

جاده إيران- ترجمة/ محمود زراع

في الجزء الثاني من سلسلة الترجمة التي قدمها موقع “مشرق نيوز” لكتاب ” فقدان عدو، أوباما، إيران والانتصار الديبلوماسي” ننقل لكم تفاصيل المكالمة الهاتفية بين وزيري الخارجية الإيراني ونظيره الأميركي التي ناقشا فيها كيفية إطلاق سراح جنود البحرية الأميركية، الذين احتجزتهم إيران عام2016، كما سنتطرق لقصة الصورة التي أرسلها ظريف إلى كيري عبر البريد الإلكتروني، وأخيراً سننقل ما ورد عن مدى تأثير العقوبات الاقتصادية الأميركية على إيران.

نهاية عداوة؛ أوباما، إيران، وانتصار الدبلوماسية- الجزء الثاني 1

“ظريف – كيري” إقطع الاتصال…لا أنت في البداية !

قبل عرض تفاصيل الاتصال الهاتفي بين ظريف و كيري في خضم حادثة احتجاز الحرس الثوري للبحارة الأميركيين مطلع العام 2016 يشير الكتاب، لردود فعل المسؤولين الأميركيين، عند استقبالهم خبر احتجاز طهران لجنودهم فيكتب التالي “وصل خبر اعتقال إيران، جنود البحرية الأميركية في مياه الخليج لوزير الخارجية جون كيري، ووزير الدفاع الأمريكي آشتون كارتر، بالتزامن مع اجتماعهم بنظيريهم الفلبينيين في مقر وزارة الخارجية الأميركية. في بداية الأمر كانوا في حالة من الفزع و التساؤل حول تواجد الجنود في المياه الدولية أم فعلا اخترقوا المياه الإيرانية؟، وكيف خرجوا من المياه الدولية باتجاه إيران، ولماذا؟، وهل هذه الحادثة كانت محض صدفة أم أنها فعلة “الحرس الثوري الإيراني” لعرقلة توقيع الاتفاق النووي بين إيران و الغرب؟”.
وبعد الإجابة على هذه التساؤلات يقول الكاتب إن حكومة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما بدأت بالتحرك نحو الإفراج عن الجنود المحتجزين وفي هذا السياق، أجرت إحدى المؤسسات الحكومية الأميركية المختصة بالشؤون البحرية العسكرية، دراسة مفادها، التعرف على الوقت الذي من الممكن أن تتطلبه أزمة كهذه قبل أن تُحل، فأعطت الدراسة لهذه الأزمة أسبوعين أو ثلاثة أسابيع على الأقل، مع العمل الدبلوماسي الدؤوب والمكثف بين الطرفين.
من جهته رجح تريتا بارسي في هذا السياق استمرار المفاوضات إلى أجل غير مسمّى لولا وجود علاقة جيدة تجمع بين ظريف وكيري والتي نتجت عن المفاوضات النووية. وأورد بارسي تصريحات لكيري أكد فيها على فرضية استمرار المفاوضات حيث قال عن هذه العملية “لو وقعت هذه الحادثة قبل ثلاثة أعوام، لم نكن عندها سنعرف مع من سنتحدث حول حل هذه الأزمة”.
واستطراداً حول نفس الموضوع، يُفشي الكاتب تفاصيل المحادثة الهاتفية التي جرت بين ظريف وكيري، حين كان ظريف ينتظر اتصالا هاتفيا من كيري لا يرتبط بحادثة احتجاز جنود البحرية، كانت الساعة 21:30 بتوقيت طهران و 13:00 تماما بتوقيت واشنطن، رَّن الهاتف، رفع السماعة ظريف، وقال “لو لم تتصل أنت لكنت أنا المتصل”، وأوضح كيري مباشرة لظريف أن الجنود كانوا بطريقهم من البحرين إلى الكويت لكن بسبب عطل فني في المركبة البحرية، خرجوا عن مسيرهم و لم يقصدوا اختراق الحدود البحرية لإيران و أكد كيري كذلك على أمن وسلامة الجنود وأنها من أولويات الإدارة الاميركية وشدّد مرات عدة على إيجاد حل سريع للمسألة و أشار إلى النتيجة الإيجابية التي ستكون بمثابة نقطة عطف في العلاقة المعقدة بين الإدارتين وامكانية تجاوز الأزمات، أما في حال عدم التوصل إلى حل في أقرب وقت ممكن، سيؤدي ذلك الى هدم جميع الأمور بداية من تبادل السجناء إلى إلغاء تنفيذ الاتفاق النووي، المقرر تفعيله آنذاك.
أجاب ظريف على ذلك بلهجة حادة بقوله “أعلم جيداً ماذا سيحصل إن لم نتوصل إلى حل، لا حاجة للتهديد! لقد أخطأت بشكل كبير الآن! يجب عليك القول” لقد أخطأنا، نحن نعتذر!”. و يوضح الكاتب هنا أن كيري كان يقصد عدم السماح بانحدار الاتفاق النووي وذهاب الجهود التي بذلت فيه هباءً منثورا، أما ما قصده ظريف بحسب الكاتب هو أن الجنود لا يفيدوننا بشيء ولا نريد الاحتفاظ بهم، لكن لا تجبرونا أن نحتجزهم من خلال تهديدكم.
بعد انتهاء المكالمة قرر الطرفان معاودة الاتصال بعد ساعة، ليجري ظريف بعض الاتصالات لتأمين عودة جنود البحارة وليخفف كيري من حدة التصريحات السياسية الأميركية، بهدف قطع الطريق على تدهورالأوضاع أكثر. بدورها اعترفت وزارة الدفاع الأميركية بدخول جنود البحرية إلى المياه الإيرانية وأنهم في صحة جيدة ويعاملون بصورة حسنة. ويشير الكتاب إلى أن ما يلفت النظر في هذا الموضوع هو تجاوب المسؤولين الأميركيين مع ظريف، بعدم استخدامهم للغة التهديد حيث صرح أحد مسؤولي الوزارة للإعلام أن “الحكومة الإيرانية تعاملت مع الأزمة بشكل مهني و احترافي”.

الصورة التي أرسلها ظريف إلى كيري عبر البريد الإلكتروني

عاود ظريف وكيري الاتصال مرة أخرى بعد ساعة من انتهاء المكالمة الأولى، وتقدّم ظريف بتقرير كامل عن أوضاع الجنود المحتجزين و قال له الآن حل الليل في إيران ومن الأفضل أن نحررهم في صباح الغد. في أثناء المحادثة سمع ظريف من هاتفه الآخر، أحد ضباط الحرس الثوري يتحدث عن اقتراب قوات بحرية إضافة إلى حوامة حربية أميركية من الجزيرة التي تم احتجاز جنود البحارة الاميركية بها. وهدد بحدوث كارثة إذا تم اختراق الحدود الإيرانية حيث ستؤول الأمور إلى الدمار و الخراب. عندها قال ظريف لكيري لتهدأ الأوضاع “من فضلك، قل لقواتكم البحرية أن لا تقترب من جزيرة “فارسي”، نحن لا نسعى وراء المواجهة العسكرية، لكن في حال اقتربت قواتكم العسكرية من الجزيرة، سنواجه أزمة حقيقية”.
مباشرة قطع كيري الاتصال واتصل بالجنرال جوزيف دانفورد رئيس هيئة الأركان المشتركة وقال له “مع اقتراب قواتنا العسكرية للحدود الإيرانية، سنرجح كفة المواجهة العسكرية، والإيرانيين تصرفوا بشكل إيجابي إلى هذه اللحظة وسيتم تحرير الجنود غداً صباحاً، لذلك من الأفضل أن تتراجع قواتنا و نرى مدى صدقهم”. وافق دارفورد على تراجع القوات وبذلك تم اجتياز مواجهة عسكرية حتمية، كانت ستحدث في المنطقة.
ولإثبات صحة وسلامة الجنود المحتجزين، أرسل ظريف صورة للجنود وهم في قبضة قوات الحرس الثوري عبر البريد الإلكتروني إلى وزارة الخارجية الأميركية، أراد ظريف من كل هذا، أن يسيطر على الأوضاع على صعيد الجبهتين، أولا عدم إصدار أي بيان يحمل رسائل تهديد من قبل الإدارة الأميركية وعدم استبدال حادثة الاحتجاز إلى معضلة سياسية جديدة تضاف إلى تاريخ البلدين وأراد التأكد من عدم نقل الجنود الأميركيين إلى مدينة “بندري بوشهر” من قبل بعض كبار مسؤولي النظام الإيراني.
لأن هذا الأمر له منفعة خاصة لبعض الجهات الداخلية واستبداله من هوية عسكرية الى سياسية. وفي ذلك اليوم تم إجراء خمسة اتصالات بين ظريف وكيري للتوصل الى حل لهذه الأزمة.
في نهاية الأمر تم تحرير جنود البحرية في غضون 16 ساعة من اللحظة التي تم احتجازهم بها، وتم تجاوز احتمال المواجهة العسكرية و أيضاً تم حماية الاتفاق النووي بين إيران والغرب من السقوط وأخيراً تم استكمال عملية تبادل السجناء السياسيين بين البلدين ويعود الفضل إلى الدبلوماسية المباشرة بين البلدين التي حلت الموقف بأقل من يوم واحد.

مصالحة بين “الشيطان الأكبر” و “داعم الإرهاب”

تمّ التوقيع على الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة الدول” 5+1″ في صيف العام 2015 وتعقيبا على ذلك قال الكاتب: لم تستطع بعض القوى الإيرانية والأميركية التي تهدف للمواجهة العسكرية إفشال توقيع الاتفاق وتجاوز الأجهزة الدبلوماسية للبلدين”. وينقل الكتاب أحد تصريحات مسؤولي البيت الأبيض الذي لم يذكر اسمه آنذاك حيث قال كان من الممكن أن يتم استغلال احتجاز جنود البحرية الأميركية من قبل بعض مسؤولي النظام الإيراني واستخدامها كورقة رابحة لهم لإعادة التفاوض مرة أخرى حول الملف النووي واكتساب بعض المزايا من ذلك، لكن في نهاية المطاف، لم يطالبوا بأي امتياز من خلال هذه الأزمة.
و يتابع الكاتب “رغم أن الاتفاق النووي لم يُعرَّف للأميركيين على أنه بداية لعلاقة جيدة بين إيران وأميركا، لكن الواضح أن أوباما، أراد أن يفتح صفحةً جديدةً في العلاقات السياسية بين البلدين، وأورد الكاتب هنا تصريحاً لأحد مسؤولي البيت الأبيض علّق فيه على حادثة البحارة بالقول إن حادثة جنود البحرية، كانت بمثابة نقطة عطف في تاريخ علاقة البلدين، ومن الواضح أنها حَّسَنَتْ العلاقة بين الطرفين وأوجدت بعضا من الثقة لديهم وذلك كله بفضل المفاوضات العميقة التي جَرت في الشأن النووي.
كذلك علَّق الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما بقوله “بعد عشرات السنين من الخلافات التي حدثت بيننا و بين إيران والانقطاع الدبلوماسي المباشر في عهدة الرؤساء السابقين، لم تكن نتيجته جيدة و لم نتوصل إلى منافعنا من خلاله، وعندما أصبحت رئيسا لأميركا رأيت أنه من الأفضل أن نعيد التواصل مع النظام الإيراني بشكل مباشر وكان هو الحل الأنسب للحفاظ على الأمن القومي للبلاد، من خلال القوة و الثقة التي نمتلكها إضافة إلى المفاوضات ورأينا نتيجة ذلك من خلال التوصل إلى اتفاق نووي و تحرير جنود البحرية الأميركية بأقل من يوم واحد وتبادل عدد من السجناء السياسيين بين البلدين”.
و يطرح الكتاب سؤالا بين دفتيه لم يتم الإجابة عليه وهو هل يمكن للاتفاق النووي أن يكون قادراً على تحسين العلاقات الدبلوماسية بين البلدين و إقرار الصلح بينهما؟
و تطرق الكتاب إلى أسباب نجاح الدبلوماسية الإيرانية في هذا الشأن، مقراً بعدم جدوى العقوبات الاقتصادية الأميركية على إيران خلال السنوات الماضية واقتراب خيار ما بعد العقوبات و هو إعلان الحرب على إيران، وأخيرا عدم تراجع إيران عن تخصيب اليورانيوم، وهذا ما عزز موقف إيران من التوصل إلى الاتفاق النووي مع الاحتفاظ بتخصيبه، لكن بنسبة أقل من ذي قبل.

الجزء الأول

جاده ايران واتساب
للمشاركة: