موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة8 أبريل 2019 02:00
للمشاركة:

شخصيات إيرانية: علي أكبر صالحي… العصاميّ النوويّ

شخصيات إيرانية... 360 درجة كما لم تعرفها من قبل

جاده إيران- عُرَیب أبو صلیّح

يبدو علي أكبر صالحي من أهل الملفات الحسّاسة في إيران. ولعلّ ما ميّز تجربته هو عدم اقتصارها على حقبة رئاسةٍ إصلاحيّة أو محافظة. متنقّلًا بين شعاب الملف النووي الشائكة، خلال فترات حكم محمد خاتمي وأحمدي نجاد وحسن روحاني، وقبل ذلك، متدرّجًا صعودًا في سيرةٍ علميّة ودبلوماسيّةٍ، أسّس صالحي لسيرةٍ تضعه في مصاف الشخصيات الإيرانيّة البارزة في إيران بعد الثورة، فمن هو؟

شخصيات إيرانية: علي أكبر صالحي... العصاميّ النوويّ 1

العراق… المولد والنشأة

كان له ثلاثون عامًا حين انتصرت الثورة. يدخل هذا العام في عقده الثامن. حياة بدأها في قرية عشق أباد بكربلاء، حيث ولد علي أكبر صالحي لأسرة دينيّة محافظة. عاش طفولة بغداديّة حيث انتقل والده إلى العاصمة العراقية بسبب تجارته. تلقّى صالحي تعليمه الابتدائي في مدرسة إيرانية، إلا أنّ الدراسة لم تعجبه إذ رأى فيها تقييدا لحريته، وألحّ على والده برغبته في العمل. يقول صالحي في مذكراته إنّه “كان يجلس أمام دكان والده ليبيع السجائر للمارة، وهو في عمر السادسة”. هناك في أحياء بغداد تعلم صالحي اللغة العربية من اللعب مع الأطفال. أحبّها وأحبّ العراق، إلا أنّ هذه العلاقة لم تطل، فقد تزامنت زيارة لعائلته كان من المفترض أن تكون مؤقتة إلى طهران، مع الانقلاب العسكري الذي قاده عبد الكريم قاسم ضد حكم الملك فيصل في العراق عام1958 فتوتّرت الأوضاع، وقرّرت العائلة الاستقرار في مسقط رأسها بطهران، لتنتهي بذلك حكاية صالحي مع العراق كبلد للإقامة، إلا أنها لم تنتهي إلى الأبد، فالعديد من الزيارات واللقاءات الدبلوماسية كانت تنتظره بعد عدة سنوات فقط!

شخصيات إيرانية: علي أكبر صالحي... العصاميّ النوويّ 2

المسيرة العلمية والأكاديمية

استكمل صالحي تعليمه الثانوي في طهران وأتقن الفارسية هناك، إلا أنّه كان محبطاً من المناهج التعليمية وطريقة التدريس، فأرسله والده إلى دمشق التي انتقل منها إلى بيروت للدراسة الجامعيّة، فحصل على درجتي البكالوريوس عام 1968، والماجستير عام1971 من قسم الفيزياء في الجامعة الأميركية ببيروت، التي غادر منها إلى بوسطن في الولايات المتحدة، بغرض الحصول على شهادة الدكتوراه في الهندسة النووية من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، حيث قدّم عام1976 أطروحته في إدارة الوقود النووي. يكشف صالحي في مذكراته تفاصيل من تلك المرحلة: “لقد أكملت أطروحة الدكتوراه بتمويل من وزارة الطاقة الأميركية (..) كانت أطروحتي جزءًا صغيرًا من كتاب كتبه أستاذي لاحقًا. كان هذا الأستاذ رائعًا لدرجة أنه وضع اسمي على المقدمة وكتب في كتابه، على سبيل المثال، يمكننا استخدام نظرية صالحي”. وبعد نيله شهادة الدكتوراه انخرط في المجال الأكاديميّ، أستاذًا لهندسة الطاقة النووية في كبريات الجامعات التقنية في العالم وإيران، ليبدأ بعدها رحلته الأكثر إثارة للجدل في النشاط الذريّ والسلك الدبلوماسي معاً. ففي الفترة التي كان يشغل فيها صالحي منصب رئيس جامعة شريف للتكنولوجيا بطهران، لعب دوراً هاماً في عمل مركز بحوث الفيزياء الذي أقامته وزارة الدفاع الإيرانية شمالي طهران عام 1989، بهدف إنشاء برنامج نووي سريّ للغاية، وبشكل منفصل تماماً عن عمل هيئة الطاقة الذرية، حيث سعى المركز للحصول على مواد نووية ومقالات وكتب مرتبطة بإحداث عملية التفجير النووي، فلجأت إدارة المركز بدورها إلى الأكاديميين في جامعة شريف للتكنولوجيا للقيام بهذه المهمة بمراسلة الجامعات والمعاهد الغربية وتقديم طلبات الشراء. سعى قسم الفيزياء في الجامعة للحصول على هذه المعدات وأوراق البحوث كجزء من عمله الأكاديمي الطبيعي، وكان لصالحي جهدٌ وافر في هذه العملية أنكره لاحقًا.

شخصيات إيرانية: علي أكبر صالحي... العصاميّ النوويّ 3

من التمثيل النووي إلى وزارة الخارجية

تجربة لافتة، دفعت الرئيس الأسبق محمد خاتمي إلى تعيين صالحي ممثلًا دائمًا لإيران لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية عام 1997، حيث وَقع الأخير عام 2003على البروتوكول الإضافي لمعاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية نيابةً عن إيران، وهذا البروتوكول بدوره مثّل الأداة الدولية الرئيسية للإشراف على القطاع النووي، وأتاح لفرق الوكالة القيام بعمليات تفتيش للمنشآت العاملة في إيران، فضلا عن مراكز الأبحاث والمصانع التي تنتج مواد قد تستخدم في البرنامج النووي. أثار ذلك التوقيع سخط التيار المحافظ في إيران حينها، وإثر ذلك أعفى وزير الخارجية كمال خرازي آنذاك صالحي من مهامه، عارضاً عليه في المقابل منصب السفير الإيراني لدى إحدى الدول الأوروبية، لكن صالحي بدوره قابل ذلك العرض بالرفض، مبرراً السبب بعدم موافقة زوجته على الإقامة في بلد أوروبي.

شخصيات إيرانية: علي أكبر صالحي... العصاميّ النوويّ 4

لم يكن هذا آخر عهد صالحي في العمل العام وعالم الشهرة. ففي عام 2007 وفي اسطنبول تم انتخابه ليكون نائباً للأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي أكمل الدين إحسان أوغلو، حيث كان ذلك المنصب أعلى منصبِ تشغله الجمهورية الإسلامية في المنظمة آنذاك. كان صالحي سعيداً بمنصبه ووصفه “بالرحمة الإلهية العظيمة”، لكنّه تركه عام 2009، ليعود ممثلًا لإيران في الهيئة الدولية للطاقة الذرية، واستمر في ذلك حتى كانون الأول – ديسمبر2010، حيث أعفى الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد ولأسباب غير معروفة، منوشهر متكي من مسؤولياته كوزير للخارجية، ورشح علي أكبر صالحي خلفاً له، ووافق البرلمان على ترشيح صالحي لهذا المنصب بأغلبية 146 صوتًا.

شخصيات إيرانية: علي أكبر صالحي... العصاميّ النوويّ 5

مفاوضات عُمان السرية

في تلك اللحظة بدأت السياسة الخارجية الإيرانية مرحلة جديدة، وصفها صالحي نفسه بـ”النووية”. فقد لعب عالم الذرّة والسياسي المحنك دوراً رئيسياً في قيادة المسار التقني للمفاوضات الأميركية الإيرانية حول الملف النووي الإيراني في سلطنة عُمان، والتي بدأت بشكل سري عام 2011 بعد أن تلقى وفد دبلوماسي إيراني في السلطنة رسالة من أحد مستشاري السلطان قابوس بن سعيد، تتضمّن رغبة الولايات المتحدة بإجراء مفاوضات ثنائية حول الملف النووي مع إيران. صالحي، المخوّل بالتعامل مع الملف لم يأخذ الرسالة على محمل الجد، لعدم ثقته بالمصدر، ولم تكن قنوات التفاوض لتفتح آنذاك لولا استعانته بالمدير المنتدب لشبكة الناقلات الإيرانية الوطنية (NITC) محمد صوري، الذي تواصل مباشرة مع مستشار السلطان العُماني، وقام بعدد من الجولات المكوكية بين إيران وسلطنة عُمان في فترة قصيرة. حينها تعامل صالحي مع الطلب برسمية، وكتب بخط يده على قطعة من الورق أربعة مطالب إيرانية، كان أبرزها الاعتراف الأميركي بحقّ إيران في تخصيب اليورانيوم، إضافة إلى إجراءات حقيقية لرفع العقوبات الاقتصادية عن إيران، وأضاف أنه “على الأميركيين التصريح باستعدادهم لقبول المطالب الإيرانية، لنعلن بدورنا استعدادنا بالقبول، فمذكرة مكتوبة بخط اليد من قبل أحد المدراء، أو تقرير شفوي منقول على لسان مسؤول عُماني لا يعتبر من وجهة نظرنا قبولاً رسمياً”. بعد خطوة صالحي جاء الرد برسالة موجهة من السلطان العُماني قابوس بن سعيد إلى المرشد الأعلى علي خامنئي، تولّى صالحي ايصالها إلى مكتب المرشد، دون إطلاع الرئيس الإيراني آنذاك محمود أحمدي نجاد على تفاصيل تلك المراسلات وما رافقها من أحداث. نجح صالحي بإقناع المرشد الأعلى بمنح الإذن بإجراء مفاوضات ثنائية مع الولايات المتحدة، بعد أن كان الأخير متحفظاً على خطوة من هذا النوع، لقناعته بأن أميركا تنكث العهود وتتهرّب دوماً من مسؤولياتها. صالحي تحدث للمرشد قائلاً: “إذا توصلنا إلى نتيجة جراء هذه المفاوضات فذلك أمر جيد، وإن لم نتوصل إلى نتيجة فسوف نبقى في ذات الموقف الحالي، ولكننا سنؤكد حينها بأن إيران اتخذت جميع التدابير اللازمة لحل الأمور سلميًّا، والجميع سيعرف أيضاً بأننا كنا مستعدين للمفاوضات، وأن الأميركيّين هم الذين رفضوها”. منح المرشد الأعلى الإذن بالمفاوضات الثنائيّة، ولكن بدون تفويض مطلق، ضمن شروط محددة للانخراط المباشر بالمفاوضات مع الولايات المتحدة، حيث عُقد الاجتماع الأول في السابع من يوليو أغسطس عام 2012 في سلطنة عُمان بعد مباحثات سرية، أدّى صالحي خلالها دوراً مهماً في الجانب التقني، وما يتعلق بعملية تخصيب اليورانيوم ومفاعل آراك للماء الثقيل. ورغم انتهاء مهامه كوزير خارجية عام 2013 بعد انتخاب حسن روحاني رئيساً للجمهورية، إلا أن صالحي انضمّ إلى فريق المفاوضات النووية بصفته رئيساً لهيئة الطاقة النووية الإيرانية، التي عينه روحاني على رأسها، ليكون جنباً إلى جنب مع وزير الخارجية محمد جواد ظريف في تلك المفاوضات، حيث لم تثنه ظروفه الصحية وعملياته الجراحية عن متابعة جهوده كمسؤول عن الشق التقني من المفاوضات، وهذا ما أدى ببعض المختصين وعلى رأسهم وزير الطاقة الأمريكي إرنست مونيز إلى الإشادة بدوره، حيث صرّح في إحدى لقاءاته بالقول إن “وجود السيد صالحي في القطاع الفني من هذه المحادثات، كان مهمًا للغاية وساعد في تقصير مدة المحادثات”.

شخصيات إيرانية: علي أكبر صالحي... العصاميّ النوويّ 6

ما زال صالحي حتى اليوم يشغل منصب رئيس هيئة الطاقة الذرية الإيرانية، لكنّه حتى الآن لا يُحسب على أيٍ من أجنحة وتيارات النظام المختلفة، وعلى سبيل الفخر بعدم وجود فضل لأحد عليه فيما وصل إليه من مناصب يقول صالحي “لم أدخل في أي صراع سياسي أو حزبي، وليس لي أحد إلا الله، ولست صهراً لأحد، ولا يوجد في بيتي عروس تنتسب لعائلة ما”.

1949 الولادة في كربلاء العراقية

1976 الدكتوراه في الهندسة النووية من الولايات المتحدة الأمريكية

1997 ممثل إيران في الهيئة الدولية للطاقة الذرية

2007 نائباً للأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي

2010 وزيراً للخارجية الإيرانية

2013 رئيس هيئة الطاقة النووية الإيرانية

جاده ايران واتساب
للمشاركة: