موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة21 يناير 2023 12:13
للمشاركة:

بي بي سي الفارسية.. انعكاس تاريخي لعلاقة إيران وبريطانيا

يُصعب اختزال تاريخ العلاقات بين إيران وبريطانيا بحدث أو شخص أو كيان أو تاريخ. فعلى سبيل المثال، تُظهر حديقة قلهك تجليات قِدَمِ تناقض هذا الارتباط. فهذا المجمع الذي يضم سفارة المملكة المتحدة في طهران، تزعم لندن أن الملك القاجاري ناصر الدين شاه قد أهداها إياه، قبل أن تبدأ الجمهورية الإسلامية بالمطالبة به في السنوات الماضية. بعيدًا عن شوارع طهران وشخصيات البلدين، يُمكن مشاهدة صورة الصلة بين الإنجليز والإيرانيين، بوجه آخر: الشبكة البريطانية للإرسال BBC.

يعود دور الـBBC في إيران إلى فترة الحرب العالمية الثانية، وتحديدًا إلى كانون الأول/ ديسمبر 1940، حيث أنشأت الشبكة الراديو الفارسي الخاص بها. يومها، كان الشاه رضا بهلوي يعمل على تنفيذ تصوّره لبلاده المستحدثة والمتطورة. هذا المشروع كان بحاجة لدعم غربي، فلجأ ملك إيران إلى ألمانيا النازية، بعيدًا عن البريطانيين والاتحاد السوفيتي، ما أثار غضب المملكة المتحدة واتهمته بدعم النازية.

دخل الغزو الأنجلو-سوفيتي في 16 أيلول/ سبتمبر 1941 إلى إيران، وخلع الشاه رضا من منصبه، ونُصّب ابنه محمد رضا البالغ من العمر 22 عامًا مكانه، ومن هنا، بدأ دور المملكة المتحدة يتعاظم في البلاد.

الـBBC والانقلاب على مصدق

بعد الحرب العالمية الثانية، اتخذت معظم الدول تدابير فعالة تجاه الديمقراطية وتأميم ممتلكاتها الخاصة. في إيران، طالب القوميون أيضًا بمراجعة اتفاقية الامتياز لشركة النفط الأنجلو إيرانية (AIOC)، التي تأسست عام 1908، من أجل الحصول على الظروف المناسبة للعمال الإيرانيين.

ومع وصول محمد مصدق إلى رئاسة الحكومة، أممت شركة النفط في آذار/ مارس 1951، ما تسبب بأضرار مادية ضخمة لبريطانيا، وقوّض سيطرتها في البلاد. نتيجة لذلك، اتفقت وكالة المخابرات الأميركية المركزية مع بريطانيا على عزل رئيس الوزراء مصدق.

هذه الخطة، حاولت الابتعاد عن المساس مباشرة بمصدّق نظرًا لشعبيته في الشارع الإيراني، ولجأت بدل ذلك إلى تشويه صورته في الصحف الأميركية والبريطانية والإيرانية.

من ناحية أخرى، وبعد طلب من الشاه، قامت الـBBC فارسي، بصفتها آلة الدعاية البريطانية، بعملية سرية، لتكون بداية هندسة الانقلاب ضد حكومة مصدق. وهكذا، أرسل السفير البريطاني في طهران السير فرانسيس شيبرد، برقية مطولة حول “توجيه الدعاية الفارسية” للشبكة من أجل إقناع الإيرانيين بقبول الانقلاب ومنع ردود الفعل الشعبية الشديدة.

في هذه الرسالة، جرى التركيز على أن تأميم قطاع النفط خطوة ضرورية، وتوجّهت نحو تشويه سمعة الحكومة وسوء أدائها الاقتصادي وتسببها بانهيار القطاع، وتقرّب البلاد من الشيوعية. ورغم النفي المتكرر، اعترفت الشبكة في 19 آذار/ مارس 2010 بدورها في الدعاية ضد مصدق.

الـBBC وتغيّر اللهجة ضد الشاه

في تشرين الأول/ أكتوبر 1971، نظم الشاه احتفالًا مرور 2500 عام من عمر الإمبراطورية الفارسية، لتقديم حضارة إيران القديمة إلى العالم، وتأكيد قوة ومجد النظام الملكي الإيراني. سُمح لمراسلي بي بي سي وورلد سيرفيس وريتشارد أوبنهايمر، بتغطية الحدث، وكانا من أول الحاضرين.

لكن عقب الاحتفال، بدأت العلاقة بين الشبكة والشاه تتغير. فأصدر النظام الملكي قرارًا بطردهما، بعد تقارير منتقدة له. واستمرت الـBBC بتنفيذ هذا النوع من التقارير، لتتحول إلى منبر للمعارضة، ومصدرًا لأخبار للإيرانيين في الداخل، ما أعطاها ثقلًا موازنًا لإعلام البلاد.

اشتد غضب الشاه في كانون الثاني/ يناير 1978، حينما أصدرت الشبكة تقريرًا حول تعذيب أكثر من 3 آلاف سجين في إيران. وإلى جانب إرسال وفود رفيعة المستوى إلى لندن، أعرب السفير الإيراني في لندن بارويز رادجي، عن استياء شاه من “لهجة” الشبكة تجاه الأحداث. ومع ذلك، أكدت الحكومة البريطانية على استقلالية الإعلام في المملكة.

ووفق المدير العام السابق للشبكة جيرارد مينسل، فإن ذكر اسم روح الله الخميني على BBC أغضب الشاه. وأضاف: “كان علينا نقل كلماته كجزء من الصورة العامة لإيران. وعندما أصبح مقر نوفل لوشاتو أهم مركز إخباري في العالم، لأن آية الله الخميني أقام هناك، بادرت الشبكة إلى نقل رسائله الثورية”.

BBC والثورة الإسلامية

حطّ روح الله الخميني في مطار طهران في شباط/ فبراير 1979، معلنًا قيام الجمهورية الإسلامية، ودخول البلاد في تاريخ جديد من العلاقات مع دول العالم. وفي الفترة التي أعقبت وصوله إلى السلطة، أغلقت السفارة البريطانية في البلاد حتى عام 1988، وطرد جميع مراسلي الشبكة.

في عام 1989، بعد عام من إعادة افتتاح السفارة البريطانية في طهران، أصدر آية الله الخميني فتوى أمرت المسلمين في جميع أنحاء العالم بضرورة قتل الكاتب البريطاني سلمان رشدي، كاتب رواية “الآيات الشيطانية”. وعادت العلاقات إلى نقطة الصفر، وأغلقت السفارة مجددًا، حتى عام 1990، واقتصرت العلاقات على مستوى قائم بالأعمال. وفي ذلك العام أيضًا، رحّلت بريطانيا 9 دبلوماسيين إيرانيين بعد احتجاز 4 مواطنين إيرانيين في لبنان، وردت الجمهورية الإسلامية بإغلاق مكاتب الـBBC.

استمرت العلاقة بين الطرفين بالتأرجح مع مرور السنوات. وفي 14 كانون الثاني/ يناير 2009، وقبل أشهر من الانتخابات الرئاسية، أعلنت الـBBC إنشاء فرعها التلفزيوني الفارسي، بميزانية سنوية قدرها 15 مليون جنيه إسترليني. وبعد وقت قصير، وبعد الأحداث التي تلت هذه الانتخابات، تصدّرت إيران عناوين القناة الجديدة.

تلّقت هذه القناة الكثير من الانتقادات من قبل مسؤولي النظام لتغطيتها المظاهرات، حتى أن القائد الأعلى علي خامنئي وصفها بأنها “الأكثر شرًا”، بينما اتهم بريطانيا بتدبير أعمال الشغب في الشوارع.

بعد طرد الصحافيين من إيران، طوّرت الشبكة علاقاتها مع الشارع الإيراني، لتطلق مرحلة جديدة من “صحافة المواطن”. في هذه المرحلة، وقعت مهمة الإبلاغ عن الأخبار على عاتق ملايين المتظاهرين الإيرانيين الشباب المسلحين بهواتف ذكية.

وفقًا لتقارير الشبكة، تم تلقي 1000 بريد إلكتروني يوميًا و10 مقاطع فيديو في الدقيقة من أشخاص يرغبون في المشاركة في برامج تفاعلية. وأشار ريتشارد سامبروك، رئيس قسم الأخبار العالمية في الشبكة، إلى أن “محتوى الجمهور كان له فائدة مزدوجة لأنه يعطي علاقة مباشرة بين الخدمة والشعب الإيراني، ويمنحهم مستوى من المشاركة”.

وتبقى بصمة القناة الأبرز خلال المظاهرات، هي صورة الشابة ندى آغا سلطان، التي أصيبت برصاصة وماتت أمام الكاميرا، وأصبحت رمزًا للحركة الخضراء في إيران وللشتات الإيراني.

وهذه الأيام، تستمر شبكة الـBBC بلعب الدور نفسه عبر قناتها الناطقة بالفارسية، أو عبر الموقع الإلكتروني الذي أنشأ عام 2001، لتكون صورة واضحة عن طبيعة العلاقات بين النظام في إيران، وسياسة المملكة المتحدة الخارجية.

المصادر:

  • https://dergipark.org.tr/tr/download/article-file/657495
  • https://eprints.soas.ac.uk/15701/1/The-BBC-Persian-Service-and-the-Islamic-Revolution-of-1979.pdf

جاده ايران واتساب
للمشاركة: