موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة6 سبتمبر 2022 17:30
للمشاركة:

عباس معروفي يرحل تاركا شهرزاد تسرد الحكايا

(أخبرتني الملائكة أنّك أكثر الناس حظًا في هذه المدينة، وأنّ الحياة مليئة بالأمل والجمال. أريد أن أظلّ على قيد الحياة، وأن أُبقي شهرزاد في داخلي يقظة، وأن أكتب قصة وأنقذ أطفال الناس. بالأمس، فردت سرملينا جناحيها، عانقتها. مرّرَتْ يديها الصغيرتين على وجهي: "عباس! متى ستكون بخير"؟ قلت: "في وقت قريب جدًا").

عباس معروفي في كتاباته عن صراعه مع مرض السرطان الذي غيّبه عن عالمنا قبل أيام.

في بداية أيلول/ سبتمبر، عشية حلول الخريف، قبل أيام، رحل عن عالمنا عباس معروفي، الروائي والشاعر والكاتب المسرحي والناشر الصحافي الإيراني المعاصر، في ألمانيا عن عمر يناهز 65 عاماً، بعد أعوامٍ قضاها مصارعًا مرض السرطان الذي أثقل عليه، إلى أن وافته المنية في البلد الذي يعيش فيه منذ عام 1996، بعد أن ضاقت به السبل في إيران وقررت السلطات إغلاق مجلّته الأدبية التي كان يترأس تحريرها وينشرها في طهران باسم “كردون”.

يُعتبر معروفي أحد الأسماء البارزة على الساحة الأدبية الإيرانية محليًا وعالميًا، خصوصا عندما يتم الحديث عن السرد الأدبي الإيراني، وقد كرّست روايته “سمفونية الموتى/ سمفونى مردگان) اسمه كأحد الروائيين الكبار، ولا تزال هذه الرواية تُطبع وتُقرأ بالزخم ذاته حتى الآن، بعد أن تم نشرها للمرة الأولى عام 1989 بالتزامن مع خروج إيران للتو من الحرب مع العراق التي أرهقتها لمدة ثماني سنوات.

حياة صاخبة

في العام 1957، وُلد معروفي في طهران العاصمة، وقد شهد في صباه وشبابه التغييرات الكبرى في إيران، حيث كانت البلاد وكأنها تغلي. وشاءت الأقدار أن يُعاصر ظروفًا اكتنفت نشأته فطُبعت في قلمه وكتاباته، وهو الذي أنهى تحصيله العلمي في كلية الفنون الجميلة في العاصمة الإيرانية في تخصص الأدب الدرامي، بعد أن كان قد حاز قبل ذلك على إجازة في الرياضيات والفيزياء.

كان لتجربته كمدير للعروض المسرحية و”أوركسترا طهران السيمفونية” عام 1987 ولمدة ثلاث سنوات، دور في صقل رهافته تجاه الحياة التي انعكست بشكل قاسٍ في “سيمفونية الموتى”، حيث أشرف خلال سنوات فقط على أكثر من 500 حفلة موسيقية لفنّانين إيرانيين.

يعتبر معروفي أنّ هوشنك كلشيري أستاذه، حيث اعتنى به وبكتاباته في بداياته، وهو ما ظلّ وفيّا له. وعلى الرغم من أنّ آثار معروفي في السرد ليست كثيرةً، إلا أنها تركت بصمته الخاصة. وفي خضمّ حياته عمل كمحرّرٍ للمجلة الأدبية “كردون” التي كانت مصدر إزعاج للسلطات الحاكمة، حيث كانت المقالات الناقدة للنافذين في السلطة وممارساتهم سببًا ليتم إغلاق المجلّة وإصدار عقوبة الإعدام بحقه، والتي تم تخفيفها بعد ذلك لستة أشهر مع 20 جلدة، فضلاً عن توقيف أعضاء المجلّة ومنع نشر أعمال معروفي، مما دفعه إلى المنفى.

في برلين التي التجأ إليها بعد رحلة عبر خلالها من باكستان، أسس معروفي “دار هدايت للفنون والآداب” التي تُعنى بالآداب الفارسية، والتي تُعَدُّ أكبر مكتبة إيرانية في أوروبا، إلى جانب تأسيسه دار نشر باسم “كردون”، نشرت ما يناهز 300 كتاب، حيث ركزت على شؤون المغتربين والمنفيين من الكُتّاب الإيرانيين ومن حُظرت أعمالهم.

السيمفونية الباقية

على الرغم من أنّ عباس معروفي قدّم خلال حياته مسرحيات ومجموعات قصصية ومقالات، وعمل كناشط ثقافي وناشر وروائي، إلا أنه يكاد يُجمع ويُتَّفق من قبل الجميع، مختصّين وقرّاء، أنّ روايته “سيمفونية الموتى” هي أثره الباقي والخالد.

نشر معروفي هذه الرواية عام 1989، وتُرجمت إلى لغات عدة، كان آخرها العربية، حيث نشرتها دار المتوسط في إيطاليا عام 2018 بترجمة المغربي أحمد الموسى.

وتمتدّ الرواية على مدى 40 عاماً من الزمن، وتتناول قصة عائلة عقب الحرب العالمية الثانية، حيث يجد النقّاد بينها وبين رائعة ويليام فوكنر “من الصخب والعنف” ذائعة الصيت رابطاً وتشابهاً.

هذا الانطباع ظلّ شكلياً قبل أن يلجأ جواد إسحاقيان لعقد دراسة مقارنة بين الروايتين، ليتيح للقرّاء قراءة واعية لا يبخس معها حق معروفي وإبداعه الذي اختطّ به أسلوبًا خاصًا، وإن كان قد اتّكأ على موازيات سردية، كالتي تتقاطع مع رواية فوكنر وربما مع غيرها.

ويقول الصحافي خالد المخضّب في قراءته للرواية إنها توثق معاناة المثقف الإيراني في مرحلة ما قبل الحرب العالمية الثانية، ودخول الروس والبريطانيين إلى إيران وما تلا ذلك من أحداث رافقت الحراك السياسي والاجتماعي بعد الحرب، والتي تجلّى منها صراع بين أجيال وأفكار متضادة في مجتمع تكبّله معوّقات كثيرة، أولها العادات الاجتماعية الموروثة، وتحكّم الغرب بمقوّماته، كالصناعة، متمثلة بالمعامل التي أقامها البريطانيون.

وتستند الرواية إلى الزمن وتغييراته الاجتماعية والسياسية، وما ترافقها من تأثيرات على شخوصه، إلا أنّ الأهم ليس الزمن، كما أنه ليس الزمن هنا مؤثرًا كبيرًا على الشخصيات، فهو يتحدث عن أفراد من المجتمع لديهم سيكولوجيا خارجة عن تأثيرات الأوضاع المحيطة، حيث يتناول النفس البشرية، وربما لأجل ذلك نجده قد يبدأ روايته بآيات قرآنية تحكي قصة قابيل وهابيل في موازاة أحد خطوط الرواية بين الإخوة الذين يأخذ أحدهما دور هابيل الضحية وأحدهما دور قابيل الجاني.

اقتباس من الرواية: “عندما يجب الإنسان شخصاً يكون بمفرده، لأنه لا يستطيع أن يُخبر أحدًا غير ذلك الشخص بما يشعر به، وإذا كان هذا الشخص هو من يشجعك على الصمت، فستكون وحدتك وعزلتك كاملة”.

جاده ايران واتساب
للمشاركة: