موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة22 يوليو 2022 23:16
للمشاركة:

جدة وطهران: قمة واحدة؟

على جانبي الخليج، وإن بعيدًا جدًا عن شواطئه، قمتان كبيرتان بصورتين تبدوان للوهلة الأولى بذرة مواجهة مقبلة في المنطقة. رئيس الولايات المتحدة الأميركية جو بايدن في ضيافة ولي عهد السعودية محمد بن سلمان، وفي حضور قادة دول مجلس التعاون الخليجي والعراق ومصر والأردن. وعلى الضفة الأخرى، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس التركي رجب طيب أردوغان يتوسطهما المضيف الإيراني الرئيس إبراهيم رئيسي. لولا السياق والتطورات التي تتسارع منذ كانون الثاني/ يناير 2021 لكانت الصورة صورة مواجهة، بل لدى بعض المتحمسين، صورة حرب رسمية. لكنها ليست كذلك.

في قمتي جدة وطهران يصح رسميًا القول، كل جمل بنية، وكل جمّال بنية، وما أكثر الجمال وما أكثر الجمّالين. بايدن يحمل هدفًا محددًا وهو الحصول على وعود برفع إنتاج النفط وخفض الأسعار كي يتمكن من تسييل هذا الأمر في الداخل الأميركي انخفاضًا في الأسعار، وبالتالي يمكن أيضًا لهذا الأمر أن يساعد حزبه الديمقراطي في الانتخابات النصفية. بايدن يريد أيضًا تأمين ما تيسر من استقرار في سوق الطاقة كي يساهم في صمود حلفائه في مواجهة بوتين في الحرب التي تستعر في أوكرانيا بعد الغزو الروسي.

هذه الحرب تحولت إلى حبل ملتف حول رقبة الرئيس الروسي الذي أصبح معزولًا عالميًا ومصنفًا لدى الدول الغربية كرئيس دولة مارقة. هو في طهران، في أول رحلة رسمية له خارج دول الاتحاد السوفيتي السابق، يقدم نفسه رئيسًا غير معزول محاطًا برئيسي دولتين إقليميتين على حدوده المائية. باختصار، وعلى طريقة صوره بالصدر العاري، أو راكبًا على الدب، يستعرض بوتين ويرفع منسوب التحدي إلى السقف من خلال مجيئه إلى الدولة الثانية المصنفة مارقة في القاموس الأميركي، أي إيران، ليقول لبايدن أنا هنا؛ وتزداد أهمية استعراضه بعودته إلى موسكو متمًا صفقة مع أردوغان تسمح بتصدير القمح الأوكراني، وبصفقة غازية مع إيران سيأتي ذكرها لاحقًا.

رغم المروق في التصنيف، لا تزال إيران في حالة حوار مع أميركا، والهدف منذ لحظة تنصيب جو بايدن رئيسًا لأميركا في كانون الثاني/ يناير 2021، استعادة الاتفاق النووي وضبط البرنامج النووي الإيراني تحت سقف الوكالة الدولية، ومجموعة الإجراءات التي من المفترض أن تمنع طهران من الجموح نحو القنبلة.

بين قمتي طهران وجدة مساحة مشتركة يمكن أن تساعد في جسر الهوة بين الطرفين للتوصل للاتفاق، لا سيما وأن جزءًا من أسباب تأخر الإعلان ارتبط أميركيًا بقلق الحلفاء والشركاء، وإيرانيًا باندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا. بالتالي هي فرصة ذهبية في حال رغبت طهران وواشنطن في طمأنة الحلفاء والأصدقاء. ولعل صفقة الأربعين مليار دولار التي حظيت بها غازبروم الروسية في إيران للاستثمار في الحقول الغازية خبر ليس بسيئ للمفاوضات النووية. مع ذلك لا تزال الموانع التي تمنع الاتفاق النووي على محدوديتها العددية، مؤثرة جدًا وتحتاج بدورها لجهد وسطاء مستعدين للعب دور الضمانة لا الوساطة فقط، وهو ما تسعى قطر حاليًا إليه، كما كانت سلطنة عمان في السابق.

وكما أن إيران وأميركا في حالة حوار، فإيران لديها حوارها الخاص مع السعودية والذي وصل جولته الخامسة في بغداد قبل أشهر قليلة، ويتجهز لدخول مرحلة جديدة، على حد قول وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان. الحوار الذي يرعاه رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، والذي بدأ أمنيًا، يقول عبد اللهيان إنه سيتجه قريبًا نحو السياسة، بينما تشير مصادر دبلوماسية متقاطعة إلى أن الظروف بدأت تنضج بشكل كبير للوصول إلى تبادل السفراء بين البلدين.

ولعل إعلان دولة الإمارات العربية المتحدة على لسان مستشار رئيسها عن إرسال سفير إلى طهران ومخالفة إنشاء تحالف ضد إيران مؤشر على أن الأمور أصبحت في مكان جديد. هذا المكان لا يقتصر على السعودية والإمارات فحسب، فالحوار الإيراني الأردني قطع شوطًا كبيرًا خلال الأشهر الماضية، كما أن الحوار المصري الإيراني أصبح على نار هادئة. هذا إلى جانب ما كشفته مصادر سياسية في بيروت لـ”جاده إيران” عن نقل رسائل بين حزب الله اللبناني والسعودية عبر وسيط قطري التقى بمسؤولين كبار في الحزب في 27 آذار/ مارس في إطار المساعي للتوصل لتهدئة في اليمن.

حتى اللحظة، لا شيء في القمتين يضعهما في مواجهة بعضهما البعض سوى بايدن وبوتين. ما تبقى قد يأخذنا إلى أن القوى الإقليمية مجتمعة، وإن اختلفت، تشاركت هدفًا وهو القول إنها أيضًا تستطيع السباحة من الخليج إلى المحيط لإنقاذ القوى العالمية المثقلة بأعباء الحرب والأزمات الناتجة عنها. ففي طهران أردوغان يفاوض بوتين على تصدير القمح الأوكراني ويتوسط لإتمام الصفقة، وفي جدة بايدن يطلب من بن سلمان زيادة إنتاج النفط وخفض الأسعار، ويبقى أن ننتظر بضعة أسابيع لمعرفة نتيجة هذه المساعي بعيدًا عن التقارير الإعلامية اللحظية. التهديد الوحيد لتقارب القمتين إقليميًا تبقى إسرائيل التي تبذل جهدًا استثنائيًا لصناعة واقعها الخاص في المنطقة، وهنا الخطر الكامن الذي قد يقلب الطاولة على الجميع.

جاده ايران واتساب
للمشاركة: