موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة20 فبراير 2019 09:43
للمشاركة:

لو أن السعودية تفتح حربًا على إيران من باكستان.. ما هي أوراق طهران للمواجهة؟

كتب فريق العمل في ساسة بوست عن زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى باكستان وعلاقتها بالمواجهة الإيرانية السعودية:

مجيء زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى باكستان، في أعقاب زيارة أخرى لولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد آل نهيان لإسلام آباد، متزامنًا مع اتهامات إيرانية صريحة لجماعات إرهابية في باكستان، مدعومة من الدول الخليجية استهدفت عناصر الحرس الثوري في 13 فبراير (شباط ) الجاري، يؤشر على تحول ما في علاقة إيران مع حليفتها السابقة باكستان التي حافظت السنوات السابقة على الحياد بين علاقاتها مع الخليج وجارتها إيران.
هذا التحول الذي يؤشر له الارتضاء الباكستاني تجاه استثمار قدراتها العسكرية من جانب خصوم إيران، وتنحيتها عن الحياد في علاقتها مع طهران، يفتح الباب أمام تساؤلات مفتوحة حول ماهية أوراق طهران المُحتمل توظيفها في علاقاتها مع باكستان في ظل تجاهل الأخيرة للاتهامات الإيرانية، واستمرارها في سياساتها، واحتمالات التصعيد الإيراني الممكنة تجاه جارتها، التي تشترك معها في حدودها الجغرافية.

ما هي أوراق طهران للمواجهة؟

لا يبدو الوضع الاقتصادي السيئ لباكستان، من حيث نفاد الاحتياطات الأجنبية، والعجز المتزايد في الموازنة، ذا أهمية كبرى لإيران في استخدامه ورقة ضغط فاعلة على إسلام آباد؛ بعدما تعهدت الرياض بتقديم دعم مالي سخي لتجاوز أزمتها المالية؛ في حين تبرز أوراق أخرى أكثر أهمية وفاعلية.

على رأس هذه الأوراق؛ تُشكل الحدود الجغرافية التي تشترك فيها طهران مع إسلام آباد عامل تفوق رئيسي لصالح إيران؛ قد تستخدمه نحو تصعيد حدودي تجاه باكستان في منطقتي سستان ولوخستان الحدوديتين في جنوب غرب إيران، ووقع ذلك أكثر من مرة، أبرزها في أكتوبر (تشرين الأول) 2014، حين قام الجانب الإيراني بإطلاق ست قذائف هاون سقطت داخل الأراضي الباكستانية بعمق ثلاثة كيلومترات لكن من دون وقوع إصابات. وتكرر تصريحات مسؤوليها في السنوات السابقة بالتلويح بالقيام بعمل عسكري داخل الأراضي الباكستانية، فضلاً عن احتجاز قوات إيرانية سكان قرية حدودية تتبع جغرافيًا باكستان رهائن لساعات بذريعة البحث عن مطلوبين من إيران.

ويتمثل العامل الثاني في نقاط التفوق الإيراني؛ هو تطور علاقاتها مع الهند، الخصم الرئيسي لباكستان، فقد شكل نمو العلاقات بينهما مؤخرًا عاملًا أساسيًا في إثارة القلق الباكستاني؛ عبرت عنه بزيارات مستمرة من مسؤوليها لطهران من أجل التحاور معهم في هذه القضية.

ويُعزز من هذا القلق الباكستاني الرغبة الهندية في فتح آفاق للعلاقات مع طهران، كباب لحجز موطئ قدم في أفغانستان؛ وقد اتضح ذلك في المشروع الضخم المُشترك بينهما وهو ميناء تشابهار (چاه بهار)، الذي يقع في جنوب شرق إيران، وتُعد الهند شريكًا رئيسيًا لطهران في هذا المشروع، الذي يُمثل نقطة حيوية لسعي الهند لتخطِّي باكستان، وفتح منفذ أمام دولة أفغانستان.

وتأكيدًا على هذا التطور الكبير؛ فقد منحت إيران الهند حق إدارة جزء من ميناء تشابهار (چاه بهار)، الواقع في محافظة سيستان وبلوشستان لمدة عام ونصف العام، حسب ما أعلن عنه وزير الطرق وإعمار المدن الإيراني عباس أخوندي، خلال زيارته لنيودلهي نهاية العام الماضي.

وحسب ورقة بحثية منشور للباحثة فاطمة الصمادي، المختصة بالشأن الإيراني بمركز الجزيرة للأبحاث، فإن «الهند تسعى لعلاقات قوية مع إيران؛ خاصة على الصعيد الاقتصادي؛ لكنها تُحجم عن السماح لباكستان أن تكون شريكة في هذا التعاون، والميناء سيكون مدخلاً للهند لمنطقة آسيا الوسطى وأفغانستان الغنية بالموارد».

وأكدت على«أن هذا الميناء لن يصبَّ بناؤه -الذي تراه الهند ضرورة استراتيجية خاصة أنه مدخلها لآسيا الوسطى وأفغانستان- في مصلحة باكستان؛ إذ لا ترغب في تنامي نفوذ الهند في أفغانستان، ولم تسمح بإرسال بضائع هندية عبر أراضيها لأفغانستان، وبدأت منذ فترة وجيزة فقط في السماح بعبور كمٍّ محدود فقط من الصادرات الأفغانية إلى الهند».

الورقة الهامة كذلك لإيران في نزاعها الدائر هو نسبة عدد سكان باكستان الشيعة، حيث يُقدرون بحوالي خُمس سكانها (30 إلى 40 مليون نسمة)، وهو ما يضعها في المركز الثاني في عدد السكان الشيعة في العالم خارج إيران؛ ليُشكل هؤلاء قوة ضغط مُحتملة على السلطات الباكستانية؛ قد تؤدي لتأجيج صراع طائفي في الداخل؛ يُشكل بدوره عاملًا مُهددًا للاستقرار التي تعيشه إسلام آباد.

ويُضاعف من أهمية هذا العامل النفوذ الكبير لإيران على المواطنين الشيعة في باكستان؛ وهو ما يمكن استنتاجه من أكثر من واقعة أبرزها الانتشار الواسع للمراكز الثقافية الإيرانية في باكستان، والتي تحوَّلت نشاطاتها بعد الثورة الإسلامية من تعليم اللغة الفارسية إلى نشاطات دينية، فضلًا عن واقعة رفض الشيعة الباكستانيين قرار حكومة ضياء الحقِّ بتأدية الزكاة على الباكستانيين؛ إذ رفض الشيعة هذا الأمر بواعز من إيران، والتزامًا بتعاليم الخميني في ذلك الأمر.

وقد استند البرلمان الباكستاني للعامل السابق في رفض طلب سعودي للمساعدة العسكرية في اليمن، في ظل دعم الرأي العام لهذا القرار؛ فقد تخوف البرلمان من أن يؤدي الموافقة على إرسال قوات باكستانية ودخولها في حرب تجاه أنصار الله الحوثيين، لدخول البلاد في دوامة من الصراع الطائفي.

يظل التصعيد من جانب طهران أحد الاحتمالات القائمة حال استمرار سياسة عدم التجاوب عبر الوسائل السابقة دون تدخل عسكري بشكل مُباشر؛ في ظل اتباع طهران سياسة قائمة على الوصول لنقاط مشتركة مع المجتمع الدولي، ومحاولات كسبه.

وبحسب إفادة فرح الزمان شوقي الصحافية المتخصصة في الشأن الإيراني لـ«ساسة بوست»، فإن «طهران لن تضحي بالجار الباكستاني وستحاول قدر الإمكان تجنب التصعيد معه حتى بوجود تقارب بين إسلام أباد والرياض، التزامًا بالسياسة الخارجية الإيرانية المتبعة في الوقت الراهن».

وعن تفسيرها للتصريحات الإيرانية التصعيدية تجاه باكستان، أجابت فرح، قائلة: «السبب الأول لأنها موجهة للداخل ولا سيما في ظل تكرار الخسارات التي تقع بين صفوف العسكريين، خاصة الشباب ممن يذهبون للخدمة الإلزامية في المنطقة الحدودية، والسبب الثاني يتعلق بباكستان نفسها، الملزمة بتطبيق اتفاقيات أمنية وقعتها مع طهران لتطهير الحدود».

وتؤكد فرح الزمان وجهة نظرها بأن: «الحديث اليوم عن أن من نفذ وخطط للعملية يحمل الجنسية الباكستانية، قد يزيد من ذات الضغط على باكستان، المعنية بعلاقات اقتصادية أيضًا مع طهران، هذه ورقة هامة بيد طهران وتعرف أن إسلام أباد ليست بصدد فتح جبهة توتر على الجانب الحدودي».

وتميل فرح لوجهة النظر هذه ارتباطًا برغبة إيران بفتح جبهات ثانية ما سيزيد ملفات الضغط السياسية عليها، بما يفيد أن أي توتر مع باكستان يعني ملف جديد ضد إيران أمام المجتمع الدولي؛ لذلك ستحاول إيران قدر المستطاع عدم التوجه نحو هذا الخيار.

ويدعم وجهة نظر فرح التجاوب الباكستاني مع تهديدات إيران، إذ أكد وزير الخارجية الباكستاني شاه محمود قريشي، اليوم إن بلاده مستعدة لتنفيذ أية عملية ضد أي مجموعة تهدد أمن بلد جار لها، وعبر عن أسفه لوقوع الحادث الإرهابي في زاهدان، قائلًا: «إيران جارة لنا ولن نسمح أبدًا بخلق مشاكل لها، ولا ننوي أن نكون عاملًا مقلقًا لها»، بحسب وكالة أنباء «تسنيم» الإيرانية.

كيف تسعى السعودية لتحويل باكستان لذراع عسكري لها؟

سعت الرياض منذ ترقي محمد بن سلمان سياسيًا، واستحواذه على سلطات واسعة، جعلته المسؤول العسكري الأول في البلاد، في استثمار النفوذ العسكري للجيش الباكستاني، وتحويله لتابع يخوض عنها معاركها العسكرية مع خصومها الإقليميين، وبالأخص مع إيران أو الكيانات الموالية له في اليمن، فضلًا عن التوجه بشكل أساسي من جانب الرياض للاستثمار في مشروعها النووي.

تجسد هذا التحول في العلاقة من خلال التجاوب الباكستاني الكبير في القبول بالانخراط بقواته في حروب بالوكالة عن السعودية؛ وهي المسألة التي لم تكن حاضرة، على الرغم من قوة العلاقة في السابق، والتزام الأخيرة بمسألة التوازن في العلاقة مع السعودية بالتوازي مع استمرار مصالحها مع طهران.

ويكفي النظر والتدقيق في موقف باكستان الرافض لإرسال جنوده للمُشاركة في حرب اليمن عام 2015؛ التزاماً بسياساتها المحايدة وتجنب الصدام مع شيعة باكستان الذين يشكلون 20% من السكان، وحرصًا على استمرار العلاقات مع إيران التي تدعم الحوثيين في اليمن، قبل أن يمضي في علاقاته مع الرياض بشكل جعله أشبه بذراع عسكرية للرياض في مهام متعددة، مضطرًا للتخلي عن بعض من سياسة الحياد، تحت تأثير أزماته المالية، وشدة حاجته للقروض السعودية.

على إثر سياساتها الجديدة، شاركت باكستان في مناورات أجريت في شمالي السعودية مع 20 دولة عربية وإسلامية في مارس (آذار) عام 2016، كما تم تعيين الجنرال راحيل شريف رئيس الأركان الباكستاني السابق قائدا للتحالف العسكري الإسلامي لمكافحة الإرهاب، إلى جانب إرسالها، في فبراير عام 2018، نحو 1400 جندي لحماية الحدود السعودية.

وقد شكل البعد الآخر في مسعى المملكة لتوظيف قدرات باكستان العسكرية لصالحها، في الاستفادة من مشروعها الأخير النووي عبر المساهمة المالية فيه، إذ تُعد باكستان هي المورد المُحتمل لنقل قنبلة نووية أو رؤوس نووية تحملها صواريخ بالستية إلى الرياض خصوصًا في ظل التقارير التي تتحدث عن اتفاق نهائي بين جانبين في هذا الأمر، واتخاذ الرياض خطوات جدية فيه؛ باعتباره إجراءً وقائيًا تجاه أي هجمة إيرانية، مستخدمة فيها السلاح النووي.

وقد تزامن ذلك مع التصريحات التي أطلقها ولي العهد السعودي في مارس (آذار) الماضي -خلال زيارته للولايات المتحدة-: «إن المملكة ستطور وتمتلك سلاحًا نوويًا إذا امتلكت إيران قنبلة نووية»، موضحًا في حوار مع برنامج «60 دقيقة» على شبكة «سي بي إس» الأمريكية إن السعودية «لا تريد الحصول على الأسلحة النووية، لكن دون شك إذا طورت إيران قنبلة نووية، فسوف نتبعها في أسرع وقت ممكن».

وقد عزز من صحة ذلك ما صرح به الرئيس السابق للمخابرات العسكرية الإسرائيلية عاموس يادلين أمام مؤتمر في السويد عام 2013، عندما قال إنه في حال حصلت إيران على القنبلة النووية «فإن السعوديين لن ينتظروا شهرًا واحدًا، لقد دفعوا ثمن القنبلة بالفعل، سيتوجهون إلى باكستان للحصول على ما يريدونه»، على حد قوله.

تحت عنوان «المملكة النووية.. الطموحات الذرية للمملكة العربية السعودية»، دعم الباحثان أولي هاينونن وسايمون هندرسون، في ورقة بحثية منشورة في معهد واشنطن للأبحاث، خيار السعودية للاستثمار في البرنامج النووي الباكستاني، في ظل صعوبات كبيرة تواجهها في هذا المجال، إذ أكد الباحثان: أن الاستراتيجية التي حظيت بالقدر الأكبر من النقاش العام بالنسبة للسعوديين هي الحصول على أسلحة نووية من باكستان، كما أوضحوا إلى أنه: «في حال قامت إسلام آباد بنقل رؤوس نووية للسعودية، فإن الأخيرة ستكون قادرة على ضرب أهداف إيرانية».

جاده ايران واتساب
للمشاركة: