موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة3 يوليو 2022 18:33
للمشاركة:

إيران تحاول إحياء مشروع “ساعت”.. هل تنجح وساطة طهران بين أنقرة ودمشق؟

تزامنًا مع بحثها عن تحالفات اقتصادية في آسيا الوسطى، تطمح إيران منذ عهد الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد لإنشاء تكتل اقتصادي يضم سوريا وإيران والعراق وتركيا، ليتحول، وفق ما هو مخطط، إلى قوة إقليمية ستلعب دورًا محددًا في الاقتصاد العالمي.

عرفت الفكرة حينها في أروقة إیران الاقتصادیة بمشروع “ساعت”، أي مختصر الحروف الأولی للدول المشاركة. وكان یهدف المخطط إلی استثمارات ضخمة في البنیة التحتیة للنقل في الدول المذكورة، تجعل منها ممرًا إستراتیجیًا بین آسیا وأوروبا لنقل السلع أو الطاقة، إضافة إلى تبادلات اقتصادیة داخلیة فیما بینها، لتنشط الأسواق المحلیة اعتمادًا علی القدرات والفرص الموجودة في كل منها.

وكان یبرز في المشروع دور تركیا وإیران، باعتبارهما محركتان رئیسیتان لانطلاق الحركة الاقتصادیة، بینما اعتبر العراق وسوريا بلدان يملكان أراضٍ خصبة للاستثمارات حسب موقعهما الجیوسیاسي. لكن القدر اتخذ مسارًا مختلفًا، وأفسدت السیاسة ما كان یطمح إليه الاقتصاد. فتحولت سوریا إلی ساحة للحرب بالوكالة بین إیران وتركیا، مما أثر سلبًا علی الوضع في العراق، حیث وصلت موجة الاضطرابات والإرهاب إلیه بعد بضع سنوات من اندلاع الحرب في سوریا.

ويمكن اعتبار أن الحلم بات ضائعًا، نظرًا لما جری في المنطقة خلال العقد الماضي، لكن عیون طهران لا تزال مشخّصة إلیه، حیث تستغل أي فرصة لإعادة انتباه القیادات في الدول نفسها إلى ذلك المسار، من خلال محاولات لخفض التصعید أو تشجیعها للحوار والاستفادة من المصالح الاقتصادیة التي تختفي خلف الصراعات.

عبد اللهيان في سوريا

وتحدث وزیر الخارجیة الإیراني حسین أمیر عبد اللهیان في آخر زیارة له إلی دمشق عن محاولات بلاده لإیجاد حل سیاسي بین تركیا وسوریا، داعیًا الطرفين إلی الابتعاد عن أي مواجهة عسكریة ستزعزع الاستقرار في المنطقة.

وجرت الزیارة بعد نحو أسبوع من لقاء الوزیر الإیراني مع نظیره التركي مولود تشاووش أوغلو في أنقرة، أكد خلاله علی تفهم إیران لمخاوف تركیا على أمن حدودها، ما انعكس علی نطاق واسع في وسائل الإعلام الإقلیمیة. كما أنه أشار ضمن لقائه مع نظیره السوري فیصل المقداد إلی “الحوار الأمني” باعتباره نقطة انطلاق للاتصالات المباشرة بین البلدین، ومدخلًا نحو الحوار السیاسي.

لكن ورغم كل ذلك، لم یخفِ عبد اللهیان انحیازه نحو شرعیة النظام في سوريا، حیث أعلن دعم طهران المستمر لأهم حلیف إقلیمي لها في السلم والحرب، واستعدادها للوقوف إلی جانب دمشق “أمام الإرهاب وإسرائيل”.

وفي خطوة ذات دلالات رمزیة، وصلت ناقلة نفط إیرانیة الی میناء بانیاس مساء السبت، بالتزامن مع زیارة عبد اللهیان، ضمن مشروع تفعيل الخط الائتماني بين البلدین الحلیفین في ظل أزمة الطاقة التي تعاني منها سوریا.

محاولات سابقة

وهذه ليست المرة الأولى التي تحاول فيها إیران الوساطة بین تركیا وسوریا، معلنة استعدادها لنقل الرسائل بین الجانبین بهدف خفض التصعید. فعلی سبیل المثال اتخذ وزیر الخارجیة السابق محمد جواد ظریف المواقف نفسها خلال زیارة له إلی دمشق عام 2019، عندما أعلن عرضه للقاء بين الرئیس التركي رجب طیب أردوغان والسوري بشار الأسد، مؤكدًا أن طهران ترغب في تحسین العلاقات بین البلدین.

وفي إطار محاولة فهم الأسباب التي تدفع طهران بقوة نحو الوساطة بین البلدین بعد سنوات من المواجهة مع تركیا، یمكن ملاحظة عاملین، أحدهما سیاسي والآخر اقتصادي. فمن جهة، تنظر إیران إلی تركیا باعتبارها عاملًا موازنًا أمام الزحف العربي والخلیجي نحو سوریا، والذي لاقى ترحیبًا حارًا من قبل القیادة في دمشق، حیث یوفر تحسین العلاقات بین تركیا وسوریا مساحة جدیدة لطهران من أجل المناورة أمام العروض الخلیجیة، والتي قد تشمل احتواء الدور الإیراني مقابل مساعدات اقتصادیة.

من جهة أخری، تری إیران أن الانفراج في العلاقات السوریة والتركیة قد تقلل من حدة الضغوط الاقتصادیة التي یعاني منها الاقتصاد السوري، بعد عقد من الأزمات الأمنیة، حیث سیکون بإمكان أنقرة أن توفر لجارها العربي قنوات جدیدة للالتفاف علی العقوبات الأميركیة.

في هذا السياق، حذّر الدبلوماسي السابق والخبیر السیاسي فریدون مجلسي، في حوار مع موقع “دبلوماسي” الإیراني، من تضخیم دور بلاده للوساطة بین الطرفین، قائلًا: “المبدأ الأساسي للوساطة هو الحیاد تجاه مصالح الطرفین في النزاع”.

والجدير ذكره، أنه رغم المیل الإیراني الواضح لحل الخلافات بین سوریا وتركیا وعودة علاقاتهما إلی ما قبل 2011، لكنها تقف في نهایة المطاف إلی جانب الحكومة السوریة، حیث قدمت لها دعمًا إستراتیجیًا أمام القوی الإقلیمیة و الدولیة الأخری، منها تركیا؛ وبالتالي، لن تثق أنقرة في الوساطة الإیرانیة باعتبارها أداة للوصول إلى حل شامل في الملف السوري يضمن مصالحها، بغض النظر عن ترحيب تركيا الرسمي بعودة الاتصالات مع دمشق عبر هذه القنوات.

جاده ايران واتساب
للمشاركة: