موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة20 يونيو 2022 21:17
للمشاركة:

ممر “شمال- جنوب”.. هل تصلح الجغرافیا ما أفسدته السیاسة؟

"ممر إستراتیجي سیغیّر المعادلات لصالح طهران"؛ هكذا تتحدث وسائل الإعلام الإیرانیة عن دور "ممر شمال- جنوب" في مستقبل بلادها.

انطلقت فكرة إنشاء وتوسیع هذا الممر خلال مؤتمر عام 2002 في مدینة سانت بطرسبرغ الروسیة بمشاركة وزراء النقل للدول الثلاث التي تشكل الجسم الرئیسي للمر، أي روسیا وإیران والهند.

وقد خاضت الهند خلال العقدین الماضیین سباقًا مصیریًا مع الصین لتلبیة الجزء الأكبر من حاجات الأسواق عبر العالم. وفي هذا السیاق، یبرز دور الممرات التجاریة الخاصة التي تجعل صادرات السلع إلی مختلف أنحاء العالم أقل كلفة وأقصر وقتًا. كما یُعتبر ممر “شمال- جنوب” الطریق التجاري الرئیسي في نصف الكرة الشمالي ویربط موانئ الهند بوصفها قاعدة إنتاجیة ضخمة في شرق العالم وآسیا الوسطى وثم روسیا ومن هناك نحو أوروبا.

وحسب الدراسات، سیقلل استخدام هذا الممر المسافة الزمنیة لتصدیر البضائع من جنوب آسیا إلی شمال أوروبا نحو 40% كما أنه یخفض كلفة الصادرات بنسبة ما تقرب 30%.

وتعد إیران المفتاح الرئیسي لهذا الممر، حیث لا یمكن تفعیل المشروع إلا من خلال مشاركة تامة عبر طهران. ویكمن دور إیران الرئیسي بالممر في موقعها الجغرافي الخاص جدًا، ما یسمح لها بأن تكون نقطة التقاء جمیع الممرات البریة والبحرية في قلب منطقة الشرق الأوسط. فهي تملك أطول الحدود البحریة في الجنوب وتمتد من بحر عمان إلی الخلیج، حیث یمكن الوصول إلیها من خلال مینائي عباس (ما یعرف بالشهید رجائي خلال السنوات الأخیرة) وتشابهار (الذي تتواصل عملیة بنائه).

ويمكن وصف إیران ببوابة الهند للاتصال بآسیا الوسطی وروسیا وحتی منطقة القوقاز، بالنظر إلی حدودها البریة مع تركمنستان وأرمنیا وأذربیجان، إلی جانب الحدود البحریة مع كازاخستان وروسیا. والاتفاق مع إیران كأكبر دولة في المنطقة تملك أراض شاسعة للغایة تتمتع بالأمن والاستقرار، ما یوفر فرصة خاصة لروسیا والهند لإنشاء الممر التجاري الواصل بينهما مباشرة ومن دون الخوض في محاولات واسعة لاستخدام دول عدیدة أخرى بمساحات أقل تعاني بعضها من أزمات داخلیة ما تعقد إنشاء الممر التجاري.

ومن منظور آخر، تتمتع طهران بامتیازات سیاسیة أخرى تشجع موسكو ونیودلهي أكثر للمضي قدمًا في التعامل معها. فهي من جهة تمثل محطة تنافسیة أمام باكستان التي تمكنت من جذب الاستثمارات الصینیة الضخمة خلال السنوات الماضیة لمبادرة الحزام والطریق، وبالتالي تتجاوز أبعاد التعامل الهندي الإیراني من مجرد مشروع الممر التجاري، حیث یمكن ملاحظتها في إطار التنافس الهندي الباكستاني-الصیني أیضًا.

كما أن التقارب الإیراني الروسي في أكثر من ملف یجعل مشروع الممر مدخلًا لتحول مستوی العلاقات بین الطرفین إلی تحالف لم یعد یقتصر علی ملفات أمنیة وحسب، بل بات یشمل الاقتصاد والتجارة. وتتعزز فرص طهران وموسكو في هذا المجال بینما تعاني الدولتان من العقوبات الغربیة التي تضیق الخناق علی اقتصادهما.

بالمقابل، ستربح إیران کثیرًا إذا تم تفعیل المشروع علی نطاق واسع. وبحسب تقریر صحيفة “همشهري” الصادرة عن بلدية طهران، سیوفر تفعیل ممر “شمال- جنوب” بالكامل عائدات تتجاوز ملیارات الدولارات للاقتصاد الایراني، وقد تزید عائدات طهران من صادرات النفط علی المدى البعید، خاصة وأنها تواجه عقوبات قاسیة تهدف إلى تصفیر أو تقلیل صادراتها النفطیة. من جهة أخری یؤدي تفعیل الممر إلی تنمیة البنیة التحتیة للنقل في إیران والتي تحتاج تمویلًا أجنبیًا منذ سنوات. وعلاوة علی كل ذلك، سیؤمن المشروع تغطیة أمنیة اضافیة للبلاد، حیث يربط مصالح دولتان كبیرتان بالأمن والاستقرار في إیران أكثر من أي وقت مضى.

ورغم جمیع الفرص المذکورة، یواجه تنفیذ المشروع في إیران تحدیات وعراقیل أهمها العقوبات الأميركیة التي تمنع الدول والشركات العالمية الكبرى من الاستثمار في إیران أو التعامل معها بأي شكل من الأشكال.

وبحسب موقع “تجارت نیوز” الإیراني، تسببت العقوبات الأميركیة في تأخر إیران عن دول أخری في المنطقة منها باكستان أو تركیا في سباق توسیع البنیة التحتیة الضروریة للنقل على نطاق واسع، حیث لم تكتمل بعد شبكة إیران للخطوط الحدیدیة بالإضافة إلى عدم تقدم مشروع میناء تشابهار وفق التوقعات المرجوة.

وتشیر وكالة “إرنا” الحكومیة إلی هذه التحدیات في تقریر جاء فیه: “لم یحرز مشروع میناء تشابهار تقدمًا ملحوظًا بسبب عدم تعهد الهند بالتزاماتها، وعلیه تبحث إیران عن شركاء جدد لإكمال المشروع الذي یفتح آفاقًا جدیدة أمام الاقتصاد الإیراني”.

وإذا نجحت المحاولات الإیرانیة لإكمال ما تبقى من المشاریع وجذب الاستثمارات، یمكن القول إنها ستتجاوز أخيرًا العقوبات الأميركیة وتبدأ فصلًا جدیدًا بالكامل في تاریخ علاقاتها التجاریة مع العالم.

جاده ايران واتساب
للمشاركة: