موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة29 مايو 2022 19:13
للمشاركة:

“سلام فرمانده”.. نشید للإمام المهدي أم استعراض قوة أمام الخصوم؟

نشید بسیط للأطفال یمکن سماعه هذه الأيام في جمیع أنحاء ایران. إنه "سلام فرمانده" (تحیه أيها القائد)، نشید ذات طابع سیاسي يطرح اسئلة جدلية في مجتمع یعاني من تعدد أنظمة القیم والفجوات التي تلقي بظلالها علی جمیع القضایا الاجتماعیة.

منذ أواخر آذار/ مارس الماضي، أعدّت المؤسسات الدینیة والثقافیة نشیداً یرمز لعلاقة الجیل الجدید بالإمام المهدي (الإمام الثاني عشر عند الشيعة)، الذي يُتنظر لإقامة العدل علی الأرض.

وتجري کلمات النشید علی لسان طفل صغیر یدعو المهدي للظهور قائلا: “تعال یا روحي یا عشقي .. سأكون من أنصارك ولا داعي للقلق بشأن جنود”.

وبعد أسابيع، تم إعداد مقاطع جديدة بمشارکة المنشد مهدي بني‌ هاشمي، الذي قرأ بدوره نص النشید ومن خلفه عدد من الأطفال المتفاعلين معه. وتم تصویر المقاطع في أماكن رمزية، منها “مسجد جمکران” الذي یعتقد بعض الشیعة بأنه بُني بأمر من المهدي نفسه قبل أن يغيب عن الناس، وفي “تخت جمشید” عاصمة الامبراطوریة الأخمينية التي تقع في مدینة شیراز وتمثل تاریخ ما قبل الإسلام في إيران.

وسرعان ما انتشر النشید علی امتداد البلاد، ليلقى ترحیباً واسعاً من الأسر والأطفال الإيرانيين تحديدا ممن لهم خلفية عقائدية، حیث شهدت الکثیر من الساحات والملاعب في مدن مختلفة من إيران خلال الأسابيع الماضیة اجتماعات عائلیة حاشدة (في مقدمتها مدرّجات ملعب آزادي التي تتسع لنحو 100 الف شخص) لأداء النشید، بما يشبه الحفلات العامة.

ورغم أنّ أغلبية هذه الاجتماعات تتشکل من الشرائح المتدينة في المجتمع الإيراني، لکن یمكن ملاحظة مشاركة مواطنین أقل التزاماً دينياً. کما لا یمکن إنكار دور الجهات والمؤسسات الحکومیة في توسیع نطاق النشید علی الصعيد الوطني، حیث استخدمت الدولة مراکزها العامة، کالمدارس والمساجد وقواعد الباسیج للدعوة والتعبئة وتوفیر الظروف اللازمة من أجل حضور المواطنین في هذه الاحتفالات.

ووصف قائد الحرس الثوري اللواء حسين سلامي “سلام فرمانده” بأنه نشید من السماء، مشدداً علی ضرورة مواصلة إنتاج مثل هذه المقاطع مستقبلاً. کما اعتبر وزیر الثقافة الإيراني محمد مهدي إسماعيلي أنّ النشيد یظهر مدی حب واشتیاق الأطفال الإيرانيين للإمام المهدي.

وفعلاً تدلّ المؤشرات ذات الصلة على أنّ النخبة الخاتمة في البلاد ترى النشيد وما نتج عنه من الردود الاجتماعیة إنجازاً کبیراً له، بعد أن کان یتهم خلال السنوات الماضیة بالعجز عن إقامة علاقات قائمة علی الخطاب الدیني مع الجیل الجدید، أو ما يُعرف بجیل الانستغرام.

لکن هذا لیس کل ما جری بشأن “سلام فرمانده”، كما أنّ ردود الأفعال لم تکن فقط إيجابية.

وبناءً علی الانقسامات السیاسیة والاجتماعیة التي تشکّلت أو اشتدت خلال السنوات الماضیة داخل المجتمع الإيراني، تحوّل النشید أيضاً إلى مصدر جدید للاصطفافات والفجوات. وعلى عكس الترحیب الواسع جداً من قبل الجمهور المؤيد للنظام، وجه المنتمون إلى تیارات المعارضة أو الإصلاحية انتقادات حادة للنشید وطریقة استخدامه من قبل الدولة.

فقد وصف عالم الاجتماع الإيراني حسین قاضیان هذه الحفلات بالمحاولة الإيديولوجية من قبل النظام التي يهدف من خلالها إلى إعادة احياء ظروف الثمانینات عندما کان یتمتع بقاعدة جماهیریة أقوى بعد الثورة الإسلامية. وحذّر قاضيان من أن يكون النشید جزءاً من مخطط أكبر لخلق بیئة منفصلة عن العالم داخل إيران، بعد انقطاع شبکة الانترنت بالکامل.

واعتبر آخرون أنّ حشد مئات الالاف من العائلات لأداء النشید في الساحات والأماكن العامة تأتي فی إطار مناورة النظام أمام الاحتجاجات، بینما یعاني من تراجع قاعدته الشعبیة بعد إجراء أول انتخابات في تاریخ الثورة بمشارکة شعبیة لم تتجاوز 48%.

وبخلاف ما یُدّعى إنّ النشید یرتبط بالمفاهیم الدینیة فقط ولا توجد فیها إشارات سیاسیة، يؤكد المنتقدون أنّ هناك أجزاء من کلماته یمکن تفسیرها سیاسیاً:

“تحیة یا أيها القائد

تحیة من الجیل الغیور الذي خلف

السید علي (خامنئی) قد دعا أبناءه من موالید العقد الأخير

أعدك بأنني سأبقى مدافعاً عن النظام

یا ليتك تنظر إليّ مثلما نظرت إلى الحاج قاسم السلیماني”

احتفالات في طهران والحداد فی آبادان

وفي سياق متصل، أثارت إقامة تجمعات عدیدة في العاصمة طهران ومناطق أخرى من البلاد لأداء النشید بالتوازي مع احياء أهالي المدن الجنوبیة وتحدیداً آبادان العزاء علی خلفیة انهیار مبنی متروبل – انتقادات واسعة.

وكانت مدينة آبادان قد شهدت خلال الأيام الماضیة أوضاعاً مأساوية خلال محاولات فرق الإمداد لانتشال الجثث من تحت الأنقاض، ليرتفع عدد الضحایا إلى نحو 30 شخصاً، بینما أفادت التقاریر غیر الرسمیة بأنّ الضحايا تعدوا ال50.

ورداً علی إقامة التجمعات في طهران، هتف عدد من المحتجین في مدینة آبادان بشعار: “تحیة یا أيها القائد. مدینتنا بقیت تحت الأنقاض”.

وزادت الاحتجاجات بعد تأخير الحكومة إعلان الحداد علی الحادث لأكثر من خمسة أيام لأسباب بقيت غير معروفة.

وعبّر المحلل الإيراني عباس عبدي عن انتقاده عبر تغریدة جاء فيها: “کان علیکم أن تغيّروا موعد إقامة هذه الاحتفالات احتراماً لعزاء شعبکم علی الأقل”.

لکن في المقابل، توکد وسائل الإعلام المقربة من الحکومة أنّ مراسم أداء النشید لم تکن احتفالات، وانما هي مراسم لمناجاة الإمام المهدي، وبالتالي لاتنافي عزاء أهالي “آبادان”، على حد تعبيرها.

جاده ايران واتساب
للمشاركة: