موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة16 مايو 2022 23:55
للمشاركة:

بين المصالح والخلافات.. هل تعود العلاقات بين إيران والإمارات إلى مسارها البراغماتي؟

شكّلت وفاة رئيس دولة الإمارات الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، مناسبة لزيارة قام بها وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان إلى أبو ظبي الأحد 16 أيار/ مايو 2022، التقى خلالها الرئيس الجديد محمد بن زايد، في زيارة جاءت متأخرة نسبيًا ومنخفضة المستوى مقارنة بباقي دول المنطقة.

في غضون ذلك، تساءلت وسائل إعلام إيرانية حول مصير “البراغماتية” في العلاقات بين طهران وأبو ظبي، والتعاون القائم على أساس المصالح، بعد وصول الشيخ محمد بن زايد، المعروف وفق تلك الوسائل بمواقفه العدائية تجاه إيران.

دبي الصديقة وأبو ظبي العدوة

لطالما نظرت العقلية السياسية في إیران إلی دبي بوصفها قاعدة خلفیة لطهران في الخلیج، یمكن الاسثتمار فیها سیاسیًا واقتصادیًا وحتی أمنیا، بینما اعتبرت أبو ظبي تهدیدًا یجب احتواءه عبر استخدام أدوات مختلفة تتأرجح بین الدبلوماسیة والعسكریة.

وتعود جذور هذه النظرة إلی التسعینیات، عندما اقتنعت الحكومات الإیرانیة آنذاك أن دبي لن تكون قاعدة لأعداء إیران بسبب ترکیز اقتصادها علی التجارة، وهي تحتاج أن تعیش وتزدهر في بیئة هادئة بعیدة عن الاضطرابات، بینما تعتمد أبو ظبي علی بیع الطاقة کمصدر أساسي للتنمیة، وبالتالي يُمكن أن تتحول إلى تهدید للمصالح الإیرانیة في الخلیج.

وبناء علیه، عملت إیران علی تعزیز العلاقات الاقتصادیه والسیاسیة مع الأول من خلال استثمارات ضخمة على حساب الأخیرة. ولا یزال یعتمد الكثیر من السیاسیین والإستراتجیین في إیران النظرة نفسها تجاه الثنائي دبي – أبو ظبي.

وعلی سبیل المثال، وصف وزیر الخارجیة السابق محمد جواد ظریف ولي العهد في أبو ظبي الشیخ محمد بن زاید بأنه أحد الأضلاع الأربعة لمجموعة تحاول جر أميركا إلی مواجهة دامیة مع إیران (إلی جانب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، والرئيس الإسرائيلي بنیامین نتانیاهو ومسؤول الأمن القومي الأميركي جون بولتون)، بینما کانت تجمعه علاقات جیدة مع أمیر دبي الشیخ محمد بن راشد في نفس الوقت.

وفعلًا، تعمقت الفجوة في نظر الإیرانیین بعد المواقف المتناقضة من قبل دبي وأبو ظبي تجاه الاتفاق النووي، حیث أعلن أمیر دبي الشیخ محمد بن راشد دعمه الكامل للاتفاق، ورحب بتخلص “شریكه التجاري الكبیر” من وطأه العقوبات الأميركیة، بینما وقفت أبوظبي في صف معارضي الاتفاق، مستثمرة حسب موقع “لوبلوغ” ملیارات الدولارات عند اللوبیات الأميركیة من أجل إسقاطه.

مصالح أم معارضة عقائدیة؟

لا شك أن أبو ظبي في عهد سطوة محمد بن زاید علی القرار الخارجي للإمارات، والتي اشتدت بعد الرکود العالمي عام 2009 والذي أدى إلى إضعاف قوة دبي الاقتصادیة، تجاوزت الكثیر من الخطوط الحمراء لجارتها الشمالية السعودية، أهمها تتعلق بالحرب في الیمن والتطبیع مع إسرائیل، إضافة إلی دورها في عدة عملیات تجسس داخل الأراضي الإیرانیة، منها ملف الناشطین في مجال البیئة حسب القضاء الإیراني.

وبمحاولاتها لإسقاط الاتفاق النووي، خسرت أبو ظبي أیضًا الدعم السیاسي عند المعتدلین الذي کانوا ینادون بأن المواجهة یجب أن تبقی في إطار دبلوماسي. وفي هذا المجال وصف جواد ظریف سیاسات أبو ظبي بأنها نسخة من إسرائیل في الخلیج، کما هددها الرئيس السابق حسن روحاني بمواجهة تبعات قراراتها “الخائنة تجاه الامة الإسلامیة”.

الجدير ذكره أن هذه المواقف الإيرانية التي جاءت في سياق تقديم الموقف من التطبيع الإماراتي مع إسرائيل الذي بدأت عام 2020، بالرغم من أن العلاقات بين البلدين بدأت تتغير تتدريجيًا منذ عام 2019، عندما زار وفد من حرس الحدود الإماراتي طهران في ذروة التصعید الإیراني الأميركي خلال عهد ترامب.

وبینما کانت تقود السعودیة حملة إقلیمیة لعزل إیران، استأنفت الخارجیة الإماراتیة أنشطه سفارتها في طهران رغم أنها ظلت منخفضة. ولم تقتصر خطوات الإمارات لتهدئة العلاقات مع إیران بعد أزمة السفن في الخلیج علی اتصالات منخفضة، حیث أفادت تقاریر مختلفة عن زیارة شقیق ولي العهد طحنون بن زاید إلی العاصمة طهران، ولقائه أمین المجلس الأعلی للأمن القومي علي شمخاني، لتبدأ بعد ذلك انفراجات هامة لعمل التجار والصرافین الإیرانیین في دبي دعمت العملة المحلية بعد عام من الانهیار أمام الدولار.

وربما کان الانسحاب الإماراتی من الحرب في الیمن أکبر خطوة إیجابیة مهدت الطریق أمام إعادة تعریف العلاقات الإیرانیة والإماراتیة بعد سنوات من الأزمة. وتواصلت الخطوات بعد خسارة ترامب في الانتخابات الأميركية والتي أدت إلی تغییرات جوهریة فی البوصلة الإماراتیة نحو المصالحات، تشمل ترکیا وقطر وإیران بعد عقد من الحروب هنا وهناك.

ومن خلال الرسائل والزیارات المفاجئة، ینظر صانع القرار الإیراني بصمت إلى المنافسة الخلیجیة التي تجري بین الریاض وأبو ظبي في أکثر من ساحة، بدءًا من معرکة النفوذ في الیمن، وصولًا إلی جذب الاستثمارات الأجنبیه علی الصعید الإقلیمي، ما یدفع کل من الحلیفین السابقین نحو تعزیز فرصهما الدبلوماسية مع اللاعبین الآخرین، منها سلطنة عمان وقطر وإیران وغیرها.

وبینما تبقی لهجة قادة أبو ظبي تجاه إیران وملفاتها النوویة والصاروخیة والإقلمیة متصاعدة، یبدو أنها مستعدة لبدء فصل جدید مع طهران قائم علی المصالح کما کان الوضع في السابق. هذا الفصل قد یترجم إلی سیاسات إستراتیجیة في الملف السوري، حیث یتواجد حلیفهما بشار الأسد الذي یتمتع بدعم عسكري إیراني، وینتظر دعمًا اقتصاديًا قد یأتي من الخلیج.

جاده ايران واتساب
للمشاركة: