موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة28 أبريل 2022 08:50
للمشاركة:

استئناف نشاط الحركة الطلابیة في إیران.. مواجهة حاسمة أم ضجیج إعلامي؟

خلال الأیام الأخیرة، دفعت عدد من الأحداث السیاسیة والاجتماعیة وسائل الإعلام الإیرانیة إلی الترکیز علی ملف الحرکات الطلابیة، في بلد تأثرت الكثیر من تطوراته السیاسیة المعاصرة منذ عصر الشاه إلی یومنا هذا، بدور هذه الحرکات.

  • الحدث الأول هو أحكام طویلة الأمد بالسجن علی طالبین في جامعة صنعتي شریف، وهي بالمناسبة أهم الجامعات الإیرانیة في مجال الصناعة. ووفقًا لقرار محكمة الثورة في إیران، حُكم الطالبان علی أمیر حسین مرادي وعلي یونسي، اللذان يبلغان من العمر 22 عامًا، بالسجن لمدة 16 عامًا بتهمة الاتصال مع منظمة “مجاهدي خلق”، المصنفة “إرهابية” في إيران، والتآمر علی أمن البلاد. ورغم اعتراف الشابان الحاصلان علی عدة میدالیات أولمبیة بالتهمة، إلا محامیهما زعم في حوار مع قناه “بي بي سي” الفارسیة، أن الاعترافات التي أدلیا بها انتزعت تحت التعذیب.
  • أما الحدث الثاني، فهو إقامه أول تجمع طلابي بعد عامین من إغلاق الجامعات علی خلفیة جائحة كورونا، في جامعة العلم والصناعة في طهران. ونظم التجمع احتجاجًا علی زیادة القیود الأمنیه المفروضة علی الجامعات، وخاصة عودة دوریات الإرشاد، بهدف تشدید الرقابة علی ملابس الطالبات بعد تراجع تلك السیاسات في عهد الرئیس السابق حسن روحاني. ورددت خلال التجمع هتافات مؤیده للطالبین المحكومین بالسجن من جامعة صنعتي شریف.
  • والحدث الثالث والأخیر هو لقاء ممثلي النقابات الطلابیة الجامعية مع القائد الأعلی علي خامنئي. وخلال هذا اللقاء السنوي، والذي یعقد غالبًا بغیاب النقابات المنتقدة، یتحدث عدد من الطلاب أمام القائد بشأن القضایا المختلفة في المجالات السیاسیة والاقتصادیة والثقافیة. ولتزامن هذا اللقاء مع الانتقادات الواسعة لزیارة عائلة رئیس البرلمان الإيراني محمد باقر قالیباف إلی ترکیا، وذهابهم هناك لشراء ملابس لمولود منتظر قدومه في العائلة، الأمر الذي اعتبره المنتقدون غير متطابق مع معاییر الثورة التي یتبعها أنصار النظام في المجتمع. وردا علی طلاب طالبوا خامنئي بسحب وصف “الثوري” عن البرلمان الحالي، قال القائد الأعلى: إني اعتبر المجلس مؤسسة أکبر من الأشخاص، وأنا راضٍ عن أدائها. وفي جزء آخر من خطابه، أضاف خامنئي: کالعادة، أدعوكم إلی مطالبة المسؤولین ومساءلتهم، لكنه یجب أن یكون ذلك بعیدًا من السلوك التهجمي، کما یجب ألا تتماشى مطالبكم مع خطاب العدو.

یظهر من تزامن هذه الأحداث خلال أسبوع، أن دور الجامعات والحرکات الطلابیة من الممكن أن يبرز مرة أخری بعد الهدنة النسبیة في عهد الرئیس السابق حسن روحاني، والإغلاق الذي دام لمدة عامین تقریبًا بعد شیوع فیروس کورونا. وفي غضون ذلك، من المفید الإضاءة على أهم محطات الحرکة الطلابیة في إیران بعد انتصار الثورة الإسلامیة.

الثورة الثقافیة وتصفیة الیسار

لعبت التنظیمات والحرکات الطلابیة دورًا بارزًا في انتصار الثورة الإسلامیة عام 1979. ورغم وجود التیارات الإسلامیة واللیبرالیة في الجامعات آنذاك، لكن الیساریین هم الذین کانوا یسیطرون علی الحرکات الطلابیة منذ ستینیات القرن الماضي، من خلال أكبر الأحزاب والتنظیمات الیساریة الناشطة في البلاد، منها حزب “توده” وحرکة الفدائیین والعمال، إضافة لمنظمة “مجاهدي خلق”، التي رغم انتماءاتها الإسلامیة بقراءتها الخاصة، إلا أنها انشقت من الأحزاب الیساریة، کما أنها کانت تتبع تفسیرًا یساریًا متشددًا عن الإسلام.

وبالتزامن مع نهاية “شهر العسل” بین الیسار والإسلامیین إبان الصراع مع نظام الشاه، بدأت المحاولات لطرد أنصار الاحزاب والمجموعات الیساریة من الجامعات بوصفها أکبر وأهم قاعدة لهم. ومن خلال تلك المحاولات، انطلقت الثورة الثقافیة في إیران، والتي استمرت لأکثر من عامین، حيث تبني آلاف الأساتذة والطلاب أفكار ومواقف یساریة. وبعد ذلك، وفي ظل تحكيم قبضة الثورة علی الجامعات بالتزامن مع انطلاق الحرب العراقية- الإيرانية، شهدت الجامعات فترة طویلة من التراجع، وصمتًا للحرکات الطلابیة. 

عودة الطلاب إلى المشهد السياسي

فتح الانتصار المفاجئ للتیار الإصلاحي، وعلى رأسه رئيس الجمهورية السابق محمد خاتمي، في انتخابات الرئاسة عام 1997 المجال لاستئناف أنشطة الحرکات الطلابیة في الجامعات.

إن المساحة الكبیرة التي أعطتها حكومة خاتمي إلی الطلاب، وخصوصًا حریة التعبیر بعد عقدین من الأزمات، إلی جانب عدم اهتمام الحكومات السابقة بالقضایا السیاسیة والاجتماعیة بسبب ترکیزها المطلق علی ملف إعادة إعمار البلاد بعد الحرب، خلقت حالة ثوریة بین الطلاب الذین کانوا یطالبون بتغییر الأجواء السائدة، والمزید من الحریات.

من جانب آخر، کانت إدارة خاتمي تنظر إلی الحرکات الطلابیة کأداة لمواجهة القوی التقلیدیة في النظام، والتی کانت تقف أمام المحاولات التغییریة آنذاك. فتشكلت الكثیر من التنظيمات والمجموعات الطلابیة الجدیدة خلال تلك السنوات، والتي تنتمي إلی الفكر الإسلامي، لكنها تمتلك ميولًا لیبرالیة ومنتقدة للوضع السیاسی القائم في البلاد. ولعبت هذه التنظیمات دورًا بارزًا في الصراعات السیاسیة والأمنیة خلال تلك السنوات، منها الأزمه التي عرفت بـ”سكن الجامعة”. فعندما زادت الضغوط علی الحكومة، قامت المجموعات الطلابیة بالتظاهر في شوارع طهران، في 23 أيار/ مايو 1997 (وهو ما يُعرف بحركة 18 تیر)، لأول مرة منذ السبعينيات، حين تواجه اليسار مع التيار الإسلامي في البلاد. وردًا علی ذلك التحدي، داهمت قوات مجهولة الهویة مباني سكن طلاب جامعة طهران لیلًا، وانطلقت اشتباکات، قتل خلالها عددًا من الطلاب. ورغم أن تلك التحولات أدت إلی تراجع التیارات الإصلاحیة في الجامعات إلی حد ما، لكنها ظلت مسیطرة علیها حتی نهایة عهد خاتمي. كما أن غالبية النشطاء في تلك المجموعات، إما طُردت من المشهد کلیًا، أو انضمت إلى المعارضة خارج البلاد.

عهد أحمدي نجاد والحركات المؤيدة للنظام

بعد تجربة عهد خاتمي، بدأ النظام بإنشاء وتعزیز المجموعات الموالیة له في الجامعات، منها جماعة “طلبة الباسیج”. وعلی عكس المجموعات الإصلاحیة التي تطالب بالحریة، أكدت التیارات الجدیدة في الجامعات آنذاك علی العدالة الاقتصادیة في المجتمع. ورغم محاولات التیارات المقربة من الأصولیین في الجامعات إظهار نفسها على أنها معارضة للمسؤولين، إلا أنها تعتبر مجموعة موالیة للنظام وللخطاب الحاكم علی البلاد.

ومع ذلك، وفي ظل ابتعاد أحمدي نجاد عن رؤية النظام خلال ولایته الثانیة، شهدت هذه المجموعات أیضًا انشقاقات داخلیة، حیث أصبح جزء من الشباب الأصولیین سابقًا، منتقدين جدد للنظام، وهم یؤكدون في مواقفهم علی رفض الفساد المستشري في البلاد، وحالة “اللا عدالة” الاقتصادیة، والفجوة الطبقیة التي اشتدت خلال السنوات الأخیرة. لكن بالمقابل، بقي جزء کبیر من هؤلاء الشباب في معسكر الأصولیین، ما أوصلهم تدریجیًا إلی المناصب السیاسیة والتنفیذیة المهمة جدًا فی البلاد.

وعلی عكس التوقعات التي کانت تشیر إلی استئناف عمل الحرکات الطلابیة المقربة من الإصلاحیین في الجامعات بعد انتصار حسن روحاني في الانتخابات، إلا أنه فضّل عدم تحویل الجامعات إلی ساحة للصراع مع النظام، مكتفیًا بتقلیل الضغوط السیاسیة والاجتماعیة علی الطلاب وأنصاره فیها. لا سيما أنه لعب دورًا في إنهاء الحركة الطلابية التي حدثت في عهد خاتمي، وذلك بصفته أمين المجلس الأعلی للأمن القومي آنذاك. یقول السیاسی الأصولي السید مرتضی نبوي في ذکریاته عن تلك الأیام إن حسن روحاني لم یکن في البلاد عندما تصاعدت الأزمه والمجلس الأعلی للأمن القومي بدوره لم یستطع احتواء المواجهات في الشوارع  خلال الأیام الأولی بسبب خلافات الأعضاء بشأن تواجد قوات الباسیج والحرس الثوري في بعض مناطق طهران. لکن عندما عاد روحاني أمر فورا بتدخل الحرس الثوري لاحتواء المواجهات وبعد ذلك انتهت الأزمه خلال أقل من ثلاثة أیام. من جانب آخر، عندما رفض محمد خاتمی أن یلغي الخطاب أمام المتظاهرین المؤیدین للنظام والمعارضین للطلاب في ساحة ميدان انقلاب القریبة من جامعه طهران جاء حسن روحاني ممثلا للحكومة وألقی خطابا هاجم فيه بشدة من اسماهم «العناصر المشاغبین» في الجامعات.

على ضوء ما سبق، ستظر الفترة المقبلة ما إن كانت ستتحول الجامعات مرة أخری إلی قطب لمعارضة السیاسات القائمة في البلاد في ظل الحكم الموحّد للتیار الأصولي، أم أنه مجرد ضجیج إعلامي من قبل الجیل الجدید في الجامعات، بما يعني انتهاء العصر الذي کان یلعب فيه الطلاب دورًا بارزًا في التطورات السیاسیة في إیران.

جاده ايران واتساب
للمشاركة: