موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة26 أبريل 2022 20:01
للمشاركة:

أزمة الجفاف في إيران.. ما خفي أعظم!

شهدت مدینة أصفهان الإيرانية الخریف الماضي واحدة من أكبر المظاهرات البیئیة في العالم، حیث نظم عشرات الآلاف من المواطنین والمزارعین في المدینة تجمعاً کبیراً احتجاجاً علی سلوك الحکومة تجاه تقلّص المصادر المائیة وتحدیداً جفاف نهر زایندة رود التاریخی والذي تشكلت بفضله حضارة أصفهان في قلب إیران.

وتمثل هذه الاحتجاجات جرس إنذار بالنسبة لتوسیع نطاق ظاهرة الجفاف في إيران وتبعاتها الاجتماعية وربما السیاسیة في المستقبل. وفي تقریر يظهر عمق الأزمة، أعلنت هیئة الأرصاد الجویة الإيرانية عام 2021 انخفاض متوسط هطول الأمطار في البلاد بنسبه 85%. وکما جاء في بیان الهئیة، بدأ فعلاً عصر الجفاف غیر المسبوق في البلاد. وإلى جانب دور التغییرات الإقليمية المتعلقة بالأزمة، یعتقد الخبراء الإيرانيون أنّ هناك أسباباً أخرى تلعب دوراً بارزاً في تفاقم الأزمة

سیاسات الاکتفاء الذاتي وعدم اهتمام الحکومة بالبیئة

وفقاً لتقریر منظمة البیئة الإيرانية فإنّ کمیة المیاه المستخرجة من موارد المياه الجوفية طوال العقد الماضي تتجاوز ثلاثه أضعاف الموارد المائیة الجدیدة التي أُضيفت إلى المیاه الجوفیة في إيران من خلال هطول الأمطار.

وتشیر التقاریر إلى أنّ معظم مصادر المیاه هذه تُستخدم في المجال الزراعي؛ حیث تعمل الجمهوریة الإسلامية علی تنفیذ سیاسات الاکتفاء الذاتي في هذا المجال.

ویقول الأمين العام لاتحاد المیاه الإيراني علی رضا شریعت في حوار مع وکاله “إيلنا” إنّ المحاولات المستمرة لإنتاج وتصدير المواد الغذائیة التي تأخذ حصة کبیرة من المیاه الجوفی کلّفت البیئة الإيرانية ثمناً باهظاً.

وبحثاً عن العوامل المؤثرة في تلك السیاسات یعتقد العالم الإيراني فی مجال البیئة والذی تم طرده من البلاد بتهمة المؤامرة والتجسس کاوه مدني بأنَ مسؤولیة تلك السیاسات لم تقع فقط علی عاتق الحكومة الإيرانية، بل إنّ الدول الغربیة التي تستخدم الأمن الغذائي كأداة للضغط من خلال العقوبات الشاملة تساهم أيضاً في دفع الحکومات إلى تنفیذ سیاسات الاکتفاء الذاتي فی المجال الغذائي، والتي من شأنها أن تدمّر البیئة والمصادر المائیة علی المدی البعید.

من جانب آخر ینتقد العدید من الخبراء الإيرانيين عدم وجود برنامج شامل عند النظام لمواجهة الأزمات البیئة، معتبرين أنّ الحكومة لا تهتم بهذه القضایا کثیراً. علی سبیل المثال، یقول أستاذ العلوم السیاسیة في جامعة طهران صادق زیباکلام: “انظروا إلى میزانیة الحكومة الإيرانية … فبینما تصل میزانیة المؤسسات المذهبية والأيديولوجية کمنظمة الدعوة الإسلامية أو جامعة المصطفی إلى 19 الفً و 300 ملیار تومان، لم تبلغ میزانیةً منظمة البیئة الإيرانية ألفين و 150 ملیار تومان.

محاصرة إيران من خلال بناء السدود

بالإضافة إلى التغییر المناخي والسیاسات الخاطئة، یبدو أنّ إيران تواجه معضلة أخرى تفاقم أزمة جفافها، وهي بناء السدود فی الدول المجاورة. وكان الرئیس الأفغاني السابق أشرف غني قد أشار العام الماضي خلال مراسم افتتاح سد کمال خان علی نهر هلمند الذي یوفر جزءاً مهمّاً من الحاجة المائية لجنوب شرق إيران إلى أنّ المعادلة السابقة لم تعد قائمة، مضيفاً أنّ المياه الآتية من الأراضي الأفغانية والتي تصب في إيران لن تكون بالمجان.

وتابع غني: “ستقایض کابول المياه مع إيران بالنفط أو سلع أخرى حسب الاتفاقیات”.

ورغم مرور أشهر عدة علی صعود طالبان وسقوط حکومة غني، لم یطرأ أي تغییر علی السياسة الأفغانية تجاه سد کمال خان.

أما على الجانب الآخر من الحدود الإيرانية، فالوضع أسوأ بکثیر، حیث تواجه إيران إلى جانب العراق أزمة غیر مسبوقة في مصادرها المائیة، وذلك بعد بناء سد إيليسو وأتاتورك الترکیین علی نهری دجلة والفرات.

الخبیر البیئي والمسؤول في لجنة الأزمات المائیة في إيران مصطفی فدایی أكد أنه إذا لم تتم معالجة أزمة بناء السدود في الدول المجاورة، والتی تؤدي برأيه إلى تقلیص المصادر المائیة في المناطق الشرقیة والغربیة من البلاد، فیمکن القول إنّ إيران ستتجاوز مرحلة الأزمة المائية وستصل إلى مرحلة الإفلاس المائي.

وفي إشارة إلى زیادة المخاطر في هذا المجال، وصف عباس عراقتشي الدبلوماسي الإيراني البارز و مساعد وزیر الخارجیة السابق المیاه بأنها سلعة استراتيجية یجب اتخاذ قرارات استراتیجیة بشأنها.

أزمات اجتماعیة تنتظر إيران

یمکن تصنیف الاضطرابات الاجتماعیة الناتجة عن أزمة الجفاف إلى ثلاثة مجموعات بشکل عام:

  • 1- انقطاع التیار الکهربائي وما ینجم عن ذلك من استياء شعبي
  • 2- نزاعات علی المیاه بین سکان المناطق المختلفة
  • 3- الهجرة

نظره سريعة للأوضاع الداخلیة في إيران تظهر أنّ البلاد دخلت فعلاً في الأزمات الثلاثة منذ زمن. فخلال الصیف الماضي وصلت أزمة انقطاع الکهرباء بشکل متکرر ویومي إلى العاصمة طهران لأول مرة، بالإضافة إلى مدن أخرى تعاني من شح المیاه، مما أدى إلى إقامة احتجاجات في شوارع طهران ردد المواطنون الغاضبون من خلالها شعارات مناهضة لقیادات النظام.

ویُتوقّع أنّ زيادة ساعات تقنين الكهرباء سیؤدي إلى توسیع نطاق الاحتجاجات، والحل الوحيد للحکومة في هذا الشأن هو وقف صادرات الکهرباء والغاز إلى بعض الدول المجاورة، ما يعتبر جزءاً مهماً من صادرات إيران غیر النفطیة في ظل العقوبات.

من جانب آخر، فقد بدأ فعلاً التصعید بین سکان مناطق إيرانية مختلفة علی المیاه. فعلی سبیل المثال قام المزارعون الغاضبون من نقل میاه زایندة رود الأصفهانية إلى مدینة یزد بتدمیر أنابيب المیاه لیلاً مرات عدة خلال العامین الماضیین. کما تفيد تقارير بوقوع اشتباکات محدودة بین سکان القری الجنوبیة لنفس السبب.

ورغم أنّ الحکومة الإيرانية نجحت حتی الآن في احتواء تلك الأزمات من خلال التدخلات الفوریة وإيصال المياه للمحتجين، فإنّ تقلّص المصادر وعجز الحکومة عن التدخل کالسابق قد يدفع الأمور للخروج عن السيطرة في نهاية المطاف.

وتؤكد المصادر الرسمیة أنّ موجة الهجرة من المحافظات الجنوبیة نحو طهران والمحافظات الخضراء الثلاثة في شمال إيران (اي مازندران، غیلان وغلستان) قد بدأت منذ أربع سنوات علی أقل تقدیر.

ورغم انه لم تُنشر حتی الآن إحصائيات رسمیة بشأن ذلك، تتحدث التقاریر غیر الرسمیة عن هجرة الآلاف من المواطنین تجاه المحافظات الأكثر أمناً في مجال المیاه.

ویقول علي رضا شریعت إنّ موجة الهجرة هذه لن تحل المشکلة، بل انها ستؤدي إلى اضطرابات اجتماعیة وربما أمنية خلال السنوات المقبلة، بالإضافة إلى الأضرار البيئية في المحافظات الشمالیة.

جاده ايران واتساب
للمشاركة: