موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة19 نوفمبر 2021 19:20
للمشاركة:

تظاهرات ضخمة في أصفهان.. أعيدوا للمدينة نهرها!

لم تكن حكومة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي بحاجة إلى المشاهد المتواترة من أصفهان، ولا سيما بعد جولاته المكثفة على مختلف المحافظات لمتابعة شؤونها عن كثب. في واحدة من أجمل المدن الإيرانية، تظاهرة بيئية ضخمة، ضمت عشرات الآلاف. نتحدث عن أصفهان، حيث شهدت المدينة تظاهرة ضخمة احتجاجا على جفاف مجرى زاينده رود (نهر الحياة). التظاهرة لم تكن في شوارع المدينة، ولا ساحاتها العامة، بل في مجرى النهر الجاف، ولعلّها من أقسى المشاهد التي تعيشها إيران في تاريخها الحديث.

أسباب كثيرة طبيعية وحكومية جعلت الأصفهانيين يتداعون إلى التظاهرة. تشير دراسات العام الماضي إلى انخفاض منسوب الأمطار في أصفهان بمعدل 50%. وفوق ذلك، لعبت التغيرات المناخية وعدم وجود احتياطات ثلجية كافية في المناطق الجبلية دورها في تسريع عملية جفاف النهر الأبرز في المحافظة.

لا يجدون ماء لزراعتهم منذ بداية تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري. غياب الماء، هو أكثر الأسباب التي تدفع المزارع للتظاهر. المطالب المرفوعة تعكس نظرة سلبية تجاه قطاعات أخرى. فقد طالب متظاهرو أصفهان بتقليص حصة الصناعات الأخرى من المياه لصالح الزراعة، ولا سيما زراعة القمح في ميقاتها الخريفي. بديهي أيضا أن يطلبوا ذلك، فحياة نحو 300 ألف مزارع في أصفهان ترتبط بنهر الحياة. أبعد من الحصص المائية بين القطاعات الإنتاجية، يشتكي معظم مزارعي أصفهان مما يصفونه بالعنصرية ضدهم في توزيع المياه، لصالح صناعات البلاط والفولاذ في المحافظة، ويبدون استغرابهم لبناء هذه المصانع في محافظة غير بحرية، بينما يجب، صناعيًا، أن تبنى منشآت مثلها قرب البحر. 

قبل الجفاف كان سوء الإدارة؟

مشهد اليوم تكرار لمشهد مماثل أقل حدّة في نهاية آذار/ مارس ومطلع نيسان/ أبريل من عام 2018، حيث خرج المزارعون الأصفهانيون إلى الشوارع للتعبير عن سخطهم على ما وصفوه بسوء إدارة المياه، والذي أدى إلى حالة الجفاف التي تضرب البلاد، والتي تمتد، بحسب أرقام رسمية، إلى ما يزيد عن 97% من مساحة البلاد بحسب ما صرّح رئيس مركز مكافحة الجفاف وإدارة الأزمات في الأرصاد الجوية الإيرانية شاهرخ فاتح.

الاستعداد للتأقلم مع الجفاف

وفي بداية فصل الصيف الماضي، كشف مساعد رئيس الشركة الهندسية للمياه والصرف الصحي للشؤون الاستراتيجية والرقابة على الاستهلاك أن 200 مدينة إيرانية ستواجه شحًا في المياه خلال صيف 2021. وفي آذار/ مارس الماضي، أصدر مركز أبحاث البرلمان دراسة طالب فيها “بضرورة الاستعداد للتأقلم مع الجفاف في قطاعات مختلفة في البلاد”. وحذرت الدراسة من أن الشحّ المائي سيكون ملموسًا في 6 محافظات أكثر من غيرها وهي على التوالي: أصفهان، وهرمزغان، وسيستان وبلوتشستان، وأردبيل، وفارس والمركزية وخراسان الرضوية (مشهد).

وتتابع دراسة مركز أبحاث البرلمان بأن المناطق الست المهمة التي أشير إليها “ستشهد تحديات ومشاكل كثيرة نتيجة الجفاف ونقصان المياه” وهو ما ينتج عنه بحسب الدراسة أيضا تحديات أكثر جدية مثل الهجرة، والاضطرابات، والبطالة، ومشكلة توفير المياه في مدينة مشهد، واحتداد الغبار والأتربة، ومشكلة توفير المياه للزراعة، وعدم توفير المياه لنهر هيرمند. أستاذ الهندسة المائية بجامعة أصفهان الصناعية جهانغير عابدي كوبائي يقول في هذا السياق: مع جفاف “زاينده رود”، ستحدث عمليات هجرة عشوائية من أصفهان إلى شمالي البلاد، والمحافظات ذات الأوضاع الأفضل.

مظاهرات مختلفة

يرى أستاذ علم الاجتماع في جامعة إلينوي الأميركية آصف بيات، في مقابلة مع صحيفة “شرق”، اختلافا بين تظاهرات تشرين الثاني/ نوفمبر 2019 واحتجاجات كانون الأول/ ديسمبر 2017، وجميع التظاهرات السابقة. ويذكر أن مظاهرات 2017 قامت بها مجموعات متعددة، لكن مطالبها كانت خاصة، كمطالب المزارعين بالمياه، أو احتجاج العمَّال على تأخر رواتبهم، ومطالبة أبناء الطبقة الفقيرة بالوظائف وفرص العمل. هكذا تختلف احتجاجات نوفمبر 2019 عن بقية الاحتجاجات الإيرانية طوال العقود الماضية، بما فيها احتجاجات ديسمبر 2018. في نوفمبر 2019 ظهر تغيير كيفي في الاحتجاجات. على النحو اقتربت هذه الفترة من الانتفاضة. في نوفمبر 2019 عملت المجموعات المختلفة الاجتماعية بما يشمل (الفقراء، السيدات، الطلاب، الشباب، الطبقة المتوسطة الفقيرة) رغم مخاوفهم وطلباتهم الخاصة، على طرح طلبات أكثر عمومية وأكثر سياسية. وهذا من وجهة نظره، كان تغييرا بنيويا مهما للغاية، على النحو الذي تحولت فيه القضية من مسؤولية الحكومة على إخفاقات معينة، إلى خطاب مشترك للمحتجين من ذوي القواعد الاجتماعية المختلفة.

الذكرى الثانية لـ “نوفمبر 2019”

تظاهرات أصفهان اليوم، انطلقت تزامنا مع الذكرى السنوية الثانية لاحتجاجات 2019، التي أشعلتها أسعار البنزين، وانتشرت سريعًا في أرجاء إيران حيث كانت حصيلتها مقتل أكثر من 200 شخص وفقًا للإحصائيات الرسمية، والآلاف طبقًا لتقارير منظمات دولية وحقوقية. يرى بيات أن احتجاجات 2019 و”لو أنها بدأت بذريعة زيادة أسعار البنزين، لكنها في الواقع نتاج مجموعة من الاستياء المختلف الاقتصادي، والاجتماعي، والسياسي في إيران. الطبقة المتوسطة وتلك الفقيرة تلاقتا في التظاهرات، ما شكَّل طبقة لا وجود لمعرفة دقيقة عنها حتى الآن”.

ليس واضحا المسار الذي ستتخذه تظاهرات أصفهان المائية، لكنّها بلا شك إشارة مقلقة للجميع، ولعلّ الأكثر قلقاً هي حكومة رئيسي الجديدة التي تواجه تحديًا ناتجاً عن سياسات تراكمية أدّت إلى شحّ المياه في البلاد، فضلا عن التغيرات المناخية. مهمّة صعبة أمام الحكومة وحياة صعبة تنتظر المزارعين ريثما يعود النهر إلى مجراه، ولعلّ أصفهان ستكون من أول الصور التي يشهدها العالم تعبيرًا مباشرًا عن التأثيرات القاسية للتغيرات المناخية حين تطال مدنًا جميلة وتحوّلها مع الوقت إلى صحارى.

جاده ايران واتساب
للمشاركة: