موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة آمالجمعة 23 نوفمبر 2018 16:10
للمشاركة:

حكاية نظاراتي لرسول برويزي- الجزء الثاني

جاده ايران- ديانا محمود

كانت ضيفة محبوبة تحمل معها كتاب زاد المعاد وكتب مختلفة للأدعية والتعازي والمراثي، تضع كل كتبها في صرة ملابس، إلى جانب نظارة لوزية قديمة الشكل، مهترئة من شدة قدمها مكسورة الإطار، وضعت العجوز بدلاً عن ذراعها اليمنى المكسورة سلكاً نحاسياً مقرون بخيط صوف تلفه حول أذنها اليسرى.
يوم من الأيام تشيطنت وعبثت بصرّة العجوز، فبعثرت كتبها أولاً ثم أخرجت نظاراتها بهدف السخرية فقد كنت مشاكساً ووضعتها على عيني وبدأت أمازح أختي بهذا المظهر المضحك.
آه من تلك اللحظة لن أنساها ما حييت!
كانت لحظة عجيبة ومدهشة! ما إن لامست عيناي النظارة حتى تغيرت الدنيا في عيوني، كل شيء بدا مختلفاً جداً.
أتذكر جيداً ذلك اليوم، كان عصر يومٍ خريفي، الشمس قاربت على الزوال، وأوراق الشجر تتساقط وكأنها جنود انهمر عليهم الرصاص، لم أكن أدرك ماهية الأشجار وشكلها الحقيقي حتى تلك اللحظة فكل ما كنت أراه كتلة من الأوراق المتراصفة، ولكني الآن أرى الأوراق مستقلة بمفردها، كنت أرى الجدار قبالة غرفتنا مستوياً وقطع القرميد متداخلة فيما بينها، لكني الآن أراها موزعة مختلفة عن بعضها البعض في حمرة الشمس، لا يمكن لكم فهم تلك المتعة وكأنني حصلت على الدنيا وما فيها.
لن تتكرر تلك اللحظة التاريخية بمتعتها ودهشتها، لا شيء يحل محلها في ذاكرتي، أصابني سرور عارم لدرجة بدأت أعتصر نفسي فرحاً وأرقص وأصفق، شعرت وكأنني ولدت من جديد، لقد أصبح لحياتي معنى آخر، سررت لدرجة عقد فيها لساني وأصبح عاجزاً عن قول أي شيء.
خلعت النظارة وعاد المنظر المعتم كما كان، لكني كنت مسروراً هذه المرة، طويت النظارة ووضعتها في علبتها، ولم أخبر أميّ بأي شيء، فلو أخبرتها لأخذت مني النظارة وضربتني بخرطوم النرجيلة، كنت أعلم أن العجوز لن تعود إلى منزلنا بهذه السرعة، وضعت علبة النظارة في جيبي وذهبت إلى المدرسة مختالاً فرحاً برؤية العالم الجديد.
بعد الظهر كان صفنا في غرفة جميلة مرتبة، فمدرستنا كانت بناءا قديما لإحدى العائلات الأرستقراطية في المنطقة، تحيط بها حديقة مليئة بالبرتقال، وأغلب غرف المدرسة مليئة بالمرايا. وصفّنا بالذات أحد أفضل غرف ذلك البيت، لا يوجد فيه نافذة لكنه مليء بالزجاج الملون عند المغيب تملأ الصف أشعة الشمس فتلمع وجوه التلاميذ البريئة كالجواهر الجميلة الشفافة على خواتم ثمينة.
الحصة الأولى كانت حصة القواعد والإعراب في اللغة العربية، أستاذنا رجل عجوز ساخر ودقيق النظر عمره مائة عام تقريبا، كل أبناء جيلنا في شيراز يعرفونه، لم أسعى للجلوس في المقعد، فاليوم قلبي واثق من عيوني، جلست في المقعد الأخير لأجرب النظارات.
مدرستنا كانت للأغنياء في منطقة الفقراء؛ لذلك كان عددنا قليل في المرحلة الإعدادية، وكأن هناك عدوى تسري بين التلاميذ فيهربون من المدرسة ويفضلون العمل في المخابز على قراءة التاريخ والأدب، في الحقيقة ظروف الحياة كانت تجبرهم على ترك المدرسة. لم يكن عدد التلاميذ في صفنا كافٍ لنملأ المقاعد، فالصف ينتهي عند المقعد السادس، ولكني اخترت المقعد العاشر لاختبر عيني مع هذه الآلة الجديدة، ولكن تاريخي الأسود جعل المعلم يشكك بهذه الحركة الغير اعتيادية وبدء يحدق بي شزراً. بالطبع سأل نفسه لماذا يجلس هذا التلميذ المشاغب آخر الصف، لربما لديه خطة ما، الطلاب أيضاً أبدوا استغرابهم، ولا سيما أنهم اعتادوا على حربي الدائمة للجلوس في المقعد الأول.
مع كل هذا بدأ الدرس، كتب الأستاذ عبارة على اللوح ثم رسم جدولاً، وكتب في العمود الأول كلمة بالعربية، ثم كتب أمامها إعرابها، استغليت هذه الفرصة وأخرجت النظارة من علبتها، وبدقة وحرص وضعتها على عيني وسحبت الخيط نحو أذني اليسرى ولففته أكثر من مرة وربطته.
كان مظهري مضحك جداً جسمي الضخم ووجهي الكبير وأنفي العقابي لا شيء يتناسب مع النظارة اللوزية الزجاجية الصغيرة، أضف إلى ذلك السلك النحاسي وخيط الصوف اللذان زادا الطين بلةً، لقد كان مظهري مضحك جداً حتى الحزانى يمكن لهم أن يضحكوا على منظري فما بالك بتلاميذ مدرسة يضحكون من اللا شيء.
لا أراكم الله مكروه، كتب المعلم السطر الأول وأعاد نظره إلى الصف، ليرى ما فهم الطلاب من وجوههم، وفجأة رآني.
رمى الطبشور وحدق بي وبنظاراتي دقيقة كاملة لم أُدرك الموضوع في البداية، فلقد كنت غارقاً في اللذة مستمتعاً بما أرى فقد كنت أرى اللوح وما كتب عليه بصعوبة بالغة حتى وأنا في المقعد الأول ولكني الآن أقرأ ما كتب على اللوح بكل سهولة وأنا في المقعد العاشر. كنت مدهوشاً بما حدث معي، ولا أملك أي سبب للقصة. لم اعتنِ بنظرات المعلم ولم أُبدي أي اهتمام به مما زاد شكه وجعله يتيقن بأنني أقوم بمكيدة جديدة لأُضحك عليه بقية التلاميذ.
فجأة مضى المعلم نحوي كالنمر الغاضب، وكان شيرازياً ذو لهجة مميزة ويصر دائماً على التحدث بالعامية، وأخذ يقول وهو متجه نحوي: ” يا سلام ، يا حمار هل أحضرت معك قناعاً إلى هنا هل تظن أن الصف سيرك أو مدينة ملاهي”
حتى تلك اللحظة كان الصف هادئ والجميع ينظر إلى اللوح، لكن ما أن بدأ المعلم بتوبيخي حتى أدار جميع التلاميذ نظرهم نحوي وأدركوا ما يحدث ورأوا نظاراتي وانفجروا ضاحكين.
هزت ضحكاتهم المدرسة، جميع التلاميذ كانوا يسخرون مني مما أثار غضب المعلم أكثر، واعتقد إن كل هذا الأمر مخطط للسخرية منه، عدت إلى وعيي مع ارتفاع الضحكات وهجوم المعلم، شعرت بأن الخطر يحدق بي، أردت أن أخلع نظارتي على الفور، وما إن لامست يدي النظارة حتى صرخ المعلم بي “لا تلمسها، دعها كما هي ليراها المدير، أنت لست أهل للمدرسة أين أنت من المدرسة والكتاب والدراسة؟ اذهب أيها الولد الصف ليس مكانك”.
كان الصف ينفجر من الضحك، وأنا مرتبك متوتر، لا أعلم ماذا علي أن أقول، مصدوم حائر والنظارة لازالت على عيني، وأحدق بالمعلم من خلفها، تقدم نحوي هذه المرة بخطوات غاضبة ووقف بالقرب من مقعدي، إحدى يديه خلف سترته والثانية متأهبة للصفع، ثم صرخ عالياً “قم أغرب عن وجهي هيا، قم بسرعة”، قمت أنا المسكين ولا تزال نظاراتي على وجهي، وضحكات الصف تعلو من كل جهة، تسللت من جانبه بسرعة كي لا تصبني ضرباته أو في الحد الأدنى كي لا تُصب وجهي، لكني لم أفلح فقد وصلت يد المعلم فجأة إلى وجهي وقطعت سلك النظارة، لتبقى الأخيرة معلقة من جهة واحدة في مشهد ساخر جداً، وما إن أردت أن ألملم نفسي حتى تلقى ظهري ركلتين من الخلف، لم تتركا لي المجال لأتألم حتى، بل أصبحت فوراً خارج الصف.
شكل المدير والمشرف ومعلم اللغة العربية لجنة وبعد الكثير من المداولات قرروا فصلي، وعندما جاؤوا ليخبروني بذلك بررت لهم ما حدث وأخبرتهم بأنني نصف أعمى، في البداية لم يصدقوا، لكن لهجتي كانت صادقة جداً لدرجة حتى الحجر سيصدقني.
عندما تأكدوا من إنني نصف أعمى، غفروا لي خطئي، وبلهجته اللطيفة قال لي معلم اللغة العربية -وهو عالم بكل مجال “يا ولدي لماذا لم تقل لنا منذ البداية قاتلك الله، تعال غداً بعد المدرسة إلى ساحة شاه جراغ عند دكان مير سليمون بائع النظارات”.
في اليوم التالي عندما انتهى وقت المدرسة ذهبت إلى دكان ميرزا سليمان بائع النظارات لأنهي بعد عمر طويل معاناتي ومأساتي، ولحق بي معلم اللغة العربية وجعلني أجرب النظارات الموجودة في المحل واحدة تلو الأخرى وقال لي “انظر إلى ساعة المسجد هل ترى العقرب الصغير؟” في النهاية بعد إن اختبرت كل النظارات تمكنت من رؤية العقرب الصغير.
ثم دفعت خمسة عشرة ريالا لميرزا سليمان، وضعت نظارتي الجديدة على عيونيّ لأصبح بعدها “أبو نظارة”.

جاده ايران واتساب
للمشاركة: