موقع متخصص في الشؤون الإيرانية

نحن بيوت الشرق الأوسط.. فينا تعيش أشياؤه

للمشاركة:

"ثلاثية الشرق الأوسط: الحرب والحب والوحدة". هكذا يقول غروس عبدالملكيان، وبنظرة أكثر جموحا، فإنها "ثالوث" الشرق الأوسط.

لهذا المكان دلالات أبعد من التعريف الجغرافي، فهو منطقة تسكن ذويها قبل أن يسكنوها، و”يصابون بها” على حد تعبير الشاعر الفذ سهراب سبهري. ومن يعرف سهراب يعرف معنى الإصابة: “إن المصاب هو العاشق”، هذا ما ورد في قاموس سهراب سبهري في ملحمة “المسافر”. فالشاعر الإيراني مصاب بالشرق الأوسط، حسب ما جاء في الشعر الحديث. إنه يبحث عن طلل ليبكي شرقه الأوسط وجروحه. فتارة يستند على الحبيب ليبكي الشرق الأوسط، وأخرى يلجأ للشرق الأوسط كما يلجأ المرء لأمه ويبكي قضاياه الإنسانية. ويعرف “المصاب” جيدا أنه لا يمكن تفكيك قضية الوطن عن قضية الحب، فهما قضية واحدة.

 لا يحتاج الشرق الأوسطي أن يعيش الحرب في بلاده كي يفهمه. فهو ابن الحرب حتى يثبت عكس ذلك. إذ يقول غروس عبدالملكيان:

إنه الليل

وملامحي تشبه الحرب

أكثر ممّا

تشبه أمي

 يبدو أن الشاعر الإيراني يمتلك شعورا قويا بالانتماء إلى الشرق الأوسط، إضافة إلى انتمائه القومي والوطني. فهو لا يرى نفسه إلّا بمرآة الشرق الأوسط، بحروبها وثقافتها وقضاياها. هكذا يصف حسين شكربيكي نفسه، الشاعر الكرديّ الإيرانيّ، إذ يقول في شعره الفارسي:

‏هرِمٌ أكثر من القمر

خضت حروبا أكثر من ‎الشرق الأوسط

إنني رجل عربي

في مقهى في ‎بور سعيد؛

أفكر بكِ…

يجب أن تعودي لي

كما ستعود هضبة ‎الجولان إلى ‎سوريا، يوما ما.

وكذلك الشاعر حامد إبراهيم بور، يرى نفسه مثل جندي على الحدود لأنه اعتاد الحدود المرسومة بالأسلاك الشائكة:

الوحدة

جعلتني حنونا أكثر

مثل جندي يلوّح بيده من أعلى برج المراقبة

لقناص في الجهة الأخرى

من الحدود

وبوريا عالمي يعيش أزمة أكبر من أزمات الشرق الأوسط. وهكذا، إذا أراد الشاعر توضيح مدى عمق الأزمة، يصفها بأنها أهم من أزمات الشرق الأوسط:

ولكنكِ رحلتِ

إنكِ رحلتِ

وأزمة تناول الشاي دونك في هذا البيت

أهم أزمة في الشرق الأوسط

وهؤلاء الحمقى

ما زالوا يخوضون الحروب

لأجل النفط

الشرق الأوسط ليست عبارة جغرافية أو سياسية أو تاريخية فحسب، إنما عبارة شاعرية في الأدب الفارسي الحديث. وكيف لا تصبح شاعرية، والشاعر عباس حسين نجاد يكتب:

خَلَقَ الشرق الأوسط من عينيكِ الشرقيّتين

فوضوية، ومؤلمة، ومتعَبة، وجميلة

وبريسا صالحي لم تجد طريقة لتشرح معاناتها مع عيني الحبيب، سوى أن تشبهها بالشرق الأوسط، حيث تقول:

عيناكَ السوداوان

إنهما الشرق الأوسط الثاني؛

كل العالم يخطط لاحتلالها

وأنا…

جندي بائس

أنزف روحي

على حدود هدبك

 كثرت تعريفات الشرق الأوسط، المنطقة التي تطارد ذويها مثل الظل. بينما يختصر المشهد حافظ موسوي:

‏هنا ‎الشرق الأوسط

أرض اتفاقيات السلام المؤقتة

ما بين حروب متتالية

ربما هذا ما جعل غروس عبدالملكيان هكذا يطمئن ولده بألّا يشعر بالغربة:

لا تستغرب

لا تستغرب يا ولدي

فهنا الشرق الأوسط

أينما حفرت تجد تحت التراب

صديقا، أو عزيزا، أو أخا

 نعم هنا الشرق الأوسط وفي الشرق الأوسط توجد مزحة طريفة كذلك، يرويها بوريا عالمي:

هنا الشرق الأوسط

وهناك مزحة طريفة تقول إننا بوابة الحضارات..

إذن نحن بوابة الحضارات

ومن الشرق البعيد نستورد منتجات صينية

ومن الغرب البعيد نستورد آداب الحياة الأميركية

والمتاحف الأوروبية تستعرض تيجان أعمدة هذه الحضارات العريقة منذ سنوات

 وفي الشرق الأوسط حتى النهاية تختلف، نهاية الحروب تختلف، فعندما تنتهي الحرب، تنتهي بحرب أخرى. تنتهي لا لكي تنتهي بل لكي تبدأ من جديد:

‏لقد انتهت الحرب

والآن.. السلام بدأ بالقتل

(غروس عبدالملكيان)

“هنا الشرق الأوسط” لبوريا عالمي:

يا الله أنا لست سياسيا

لكن في الشرق الأوسط، حتى أحلامنا سياسية

في الليل عندما نحلم

لا ننتهي من الحلم، نستيقظ في ذعر

لأننا نخشى ألا نتمكن التبرؤ من أحلامنا عندما نستيقظ

عندما نلقي التحية لابنة الجيران

ينتابنا قلق

نخشى أن تضر تحيتنا بالمصالح الوطنية

لذلك دأبنا على عض ألسنتنا طوال هذه السنوات

وألفنا قصائد الحب الأكثر صمتًا في العالم

وقمنا بالعلاقات الحب الأكثر صمتًا في العالم

نحن في الشرق الأوسط

عندما كنا نكبر

كنا نفكر في الأيام التي

نضع أيدينا في الجيب، ونغني أغاني الحب في الشوارع المشمسة الحارقة على هذه الأرض

وعندما كبرنا

حذرنا أطفالنا من الغناء بشجاعة وتهور

على هذه الأرض

نزف شعراؤنا حتى الموت

ونطارد مؤلفينا

حتى حدود الهجرة

ونتبع

صحفيينا

في المدينة البعيدة

ونستدعي

فنانينا

والسجن بيتنا الثاني

في الأرض التي لا أحد يحب أن يكون سياسيًا

في الأرض التي الجميع فيها سياسيون

هذا هو الشرق الأوسط

الشرق الأوسط هنا

وسط الشرق

ووسط الغرب

حيث لا تتدفق مياه خط أنابيب الحكومة أبدًا في نفس النهر مع الشرق والغرب

حيث لم يكن من المقرر أن تغيب الشمس

لكنها غابت

ونشرت السماء الخالية من النجوم فوق المدينة

يا الله هنا الشرق الأوسط

نفتح أيادينا لك فقط

ونملأ هذه القبضة الفارغة بوهم الخبز

ومع وهم رائحة القمح والخبز في قبضة يدنا، نخفي الحجارة

إن الحجارة هنا

بعد كل هذه السنوات

هي ركام الناس الذين ينامون في المقابر الجماعية

يا الله

هنا الشرق الأوسط

بين الأرض والزمن

بين الأرض والسماء

الصندوق الخيري للغرب ونجوم هاليوود

VHS بوليوود المستأجرة

حيث يجب حفر الأراضي القاحلة

حتى ينبع بئر النفط

لتبني لنا شركات النفط منازل حكومية

وتترك لنا براميل النفط الفارغة من النفط

في ساحة المدينة

ليستحم بها أطفالنا

يا الله

هنا الشرق الأوسط

المنطقة التي حتى التفكير بك يعتبر نشاطا سياسيا فيها

لأنه في هذه الأرض الفارغة، في هذه الأرض الخيالية، تعتبر عبادتك سياسية أيضًا.

جاده ايران واتساب
للمشاركة: