موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة10 يونيو 2021 07:17
للمشاركة:

صحيفة “همشهري” الصادرة عن بلدية طهران – لماذا المناظرات الانتخابية لا ترتقي إلى مكانة الشعب؟

نشرت صحيفة "هشمهري" التابعة لبلدية طهران، مقالا للنائب البرلماني السابق، حشمت فلاحت بيشه، تطرق فيه إلى المناظرات الانتخابية حيث أكّد أن هذه المناظرات التي تدعو إلى الكسل لا ترتقي إلى مكان الشعب الإيراني ومقامه، مقدما في هذا الصدد عددا من الملاحظات حول هذه المناظرات وما ينبغي أن تكون عليه لتحقيق الغايات منها.

إنّ المستوى العام للمناظرات الانتخابية لرئاسة الجمهورية هذا العام لا يرتقي إلى مقام ومكانة الشعب الإيراني، ويعود جزء من هذه الإشكالية إلى طبيعة المناظرات نفسها، فيما يُعزى جزءٌ آخر إلى أسباب وعوامل أخرى، وسوف أشير في هذا المقال إلى هذه العوامل والأسباب.

الملاحظة الأولى هنا هو أنّ المرشحين ومع كامل احترامنا وتقديرنا لهم، لا يمثلون المستوى النخبوي السياسي في إيران، بعبارة أخرى كان واردا أن تكون دائرة المرشحين أوسع مما هي عليه الآن، وفي هذا الخصوص قررت بعضُ الشخصيات عدم الترشح للانتخابات، فيما رشحت شخصيات أخرى نفسها لخوض السباق الرئاسي لكنها لم تستطع أن تتخطى الحواجز في هذا المجال. وأنا هنا ودون أن أتطرق أو أشكك في الجانب القانوني لهذه الإجراءات (إجراءات مجلس صيانة الدستور) إلا انني أعتقد أن المستوى العام للمرشحين للرئاسة في هذه الدورة ليس مقبولا.

عادة ما يتم اختيار النخب السياسية في الدول المختلفة وفق آلية حزبية، ثم يُختبرون ويتلقون التعليمات والتدريبات اللازمة. كما أن الناخبين بإمكانهم معرفة المستوى العام للنخب السياسية في بلدانها، لكن في هذه الدورة من الانتخابات الرئاسية في إيران لم نلحظ شيئا من هذا القبيل. وهذا لا يعني بالضرورة أننا كنا نلاحظ ذلك بشكل كامل في الدورات السابقة، لكن عموما فإن المستوى العام للمرشحين للرئاسة هو أقل بكثير من المستوى العام للمرشحين في الدورات السابقة؛ بحيث أصبحت المناظرات عمليا في هذه الدورة مدعاة للكسل.

الملاحظة الثانية التي أودّ الإشارة إليها هي أننا في إيران نشهد وجود نوع من السياسة الآنية بحيث يتم استغلال الظروف السياسية واستثمارها للظهور في المشهد السياسي. وقد يكون هذا الأمر واردا في فترة من فترات الانتخابات لكن وبشكل عام فإن ذلك لا يكون سببا في تقوية المستوى النخبوي السياسي في البلاد، وعليه فإننا لا نسير باتجاه البلوغ والنضج السياسي.

نرى بشكل واضح وجلي أن الأفراد يحاولون استغلال الفرص والظروف، فعلى سبيل المثال قد تأتيني اتصالات أو يتم تشكيل فرق ومجموعات لكي يُعرّفوننا على أننا داعمون لمرشحين بعينهم وهذا تحديدا يُعد استغلالا للفرص، بعبارة أخرى فإنّ البعض يحاول أن يقرّب نفسه بشتى السبيل من دائرة الحكومة القادمة. وطبعا لا تُنجز الأعمال بهذا الشكل، ولا يمكن أن نحمّل النخب على الواقع السياسي والإداري في البلاد عبر استغلال البعض للظروف والفرص. في دول العالم تكون الأحزاب هي من يقوم بالبحث عن النخب في المستويات المختلفة لتوصلها إلى المستوى الأول ألا وهو مستوى المرشحين، لكن في إيران فنلاحظ الاستغلال للظروف في مثل هذه الحالات.

الملاحظة الثالثة تعود إلى المرشحين أنفسهم، حيث إننا ومع الأسف الشديد قلما نجد أن المرشحين يملكون برنامجا انتخابيا، فلا نرى أي برنامج في هذه الانتخابات.

وسبب ذلك ربما راجع إلى أن الذين قد جاؤوا في السابق أيضا لم يأتوا وهو يمتلكون برنامجا للرئاسة والحكم، لاسيما إذا عرفنا أن الجميع لا يريد أن يقيّد نفسه بوجود برنامج محدد.

ولمثل هذه الحالات توجد خطط وحلول، لكن لا يتم اعتماد هذه الحلول في بلدنا. لحل هذه الإشكالية ينبغي تحديد رؤية مستقبلية لعشرين عاما وأن يتم وضع القوانين ورسم برامج تنموية واضحة مثل أن يزداد النمو بنسبة 8 بالمئة، أو تتراجع نسب البطالة بنسبة 7 بالمئة، وتزداد حصة القطاع البحثي بنسب يتم الاتفاق عليها و غير ذلك من أمور. فعلى المرشحين للرئاسة أن يبينوا ماهية برامجهم وخططهم للوصول في البلاد إلى هذه الأرقام، وإذا امتنعوا على بيان ذلك فإننا نصبح أمام مرشح لا يملك برنامجا انتخابيا، وكل ما يقوله هو مجرد دعاية وشعارات. لا نرى أيا من هذه الحلول في هذه الدورة ولا في الدورات السابقة.

الملاحظة الرابعة والأخيرة هي طبيعة هذه المناظرات وطريقة تنظيم مؤسسة الإذاعة والتلفزيون لها. كل مؤسسة تتولى رعاية الانتخابة والإشراف عليها تعرّف لنفسها قائمة من الصلاحيات بهدف إدارة الانتخابات ولم تكن مؤسسة الإذاعة والتلفزيون مستثناة عن ذلك.

نرى أنه يتمّ طرح عدد من الأسئلة، ويحاولون أن يؤطروا المناظرات وهذا عمل خاطئ، ويجب في المقابل أن تكون المناظرات قائمة على تحديد مواضيع اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية وغيرها من المواضيع ثم يُعطى لكل مرشح فرصة من 3 أو 4 دقائق لكي يبين برنامجه حول ذلك الموضوع المحدد، وبعد أن يبين جميع المرشحين برنامجهم يسمح بَعدها للمرشحين نقد برنامج منافسيهم.

أما في المناظرات الانتخابية في إيران نرى الأمر لا يتم بهذا الشكل حيث نجد أن المقدّم يقوم باستخراج ورقة السؤال من بين الأسئلة المغلفة في ظرف معين، واللافت في هذا الخصوص هو أنه قد يتم توجيه سؤال حول الاتفاق النووي مثلا من مرشح ليس لديه تخصص حول الموضوع، ولا يملك في سجله السياسي أي نوع من الخلفية حول الملف النووي الذي بات اليوم يشكل أهم قضية بالنسبة للبلاد.

نتيجة كل ذلك هو أننا أصبحنا لا نرى أي اهتمام في المناظرات في المشاكل اليومية للمواطن، وإن كان فإنه مقصور على الشعارات والدعاية الانتخابية.

من جهة أخرى فإن مشاكل البلاد تقسم إلى قسمين رئيسيين؛ القسم الأول: فقدان اتجاه تنموي في الداخل، والقسم الثاني: فقدان اتجاه دبلوماسي وبعيد عن التصعيد في الخارج.

ففي الشان الداخلي ونظرا إلى غياب الخطاب التنموي نلاحظ ظهور أنواع مختلفة من التصريحات والمواقف، ولكون السادة المرشحين لا يملكون برنامجا في مجال التنمية فإنهم يتصارعون فيما بينهم، وبدلَ أن يبينوا برنامجهم ويتحدثوا بلغة الأرقام والإحصاءات نراهم ينتقدون منافسيهم ويسيروا بالمناظرات إلى اتجاهات هامشية.

أما الموضوع الثاني فيخص الدبلوماسية السياسية حيث إن العالم وإيران كذلك قد اختاروا خيار الدبلوماسية، أي حتى لو كان البعض يحاول أن يسير بالبلاد نحو الحرب فإنه لن يفلح في ذلك ولن يستطيع أن يصل إلى مبتغاه، فالعالم بات تعبا من الحروب والصراعات، لاسيما أن إيران ومن خلال إسقاط الطائرة الأمريكية المسيّرة والهجوم على قاعدة عين الأسد اظهرت أنها تنتهج سياسة دفاعية تختلف عن العراق أو ليبيا أو غيرهما من البلدان، ولم يعد واردا اندلاع حرب مع إيران. الجدير بالذكر أن خيار الدبلوماسية يصبّ في مصلحة البلاد. ومع الأسف الشديد لاحظنا غياب موضوع الدبلوماسية والدبلوماسية النووية في المناظرات.

إذا رأينا هذين الجانبين أي الابتعاد عن التصعيد في الخارج وتبني خطاب تنموي في الداخل ضمن البرنامج الانتخابي لمرشحي الرئاسة لكنا قد شاهدنا مناظرات أفضل مما رأيناها حتى الآن. وآمل إحداث تغيير من قبل الإذاعة والتلفزيون في طبيعة وشكل المناظرة الأخيرة لمرشحي الرئاسة الإيرانية.

إن المعلومات والآراء المذكورة في هذه المقالة المترجمة لا تعبّر بالضرورة عن رأي جاده إيران وإنما تعبّر عن رأي كاتبها أو المؤسسة حيث جرى نشرها أولًا

المصدر/ صحيفة “همشهري” الصادرة عن بلدية طهران

لمتابعة ملف الانتخابات الرئاسية (إيران 21: حصاد المواجهات)، إضغط هنا

جاده ايران واتساب
للمشاركة: