موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة آمالجمعة 2 نوفمبر 2018 14:17
للمشاركة:

ثلاث قطرات من الدم لصادق هدايت

جاده ايران- ترحمة/ ديانا محمود

صادق هدايت

عُرف الكاتب الإيراني صادق هدايت في العالم العربي أكثر من بقية الأدباء الإيرانيين، حيث تُرجمت عدة أعمال له في منتصف القرن الماضي، وهو من رواد القصة القصيرة في إيران، ولد عام ١٩٠٣ في طهران ودرس الطب والهندسة في الجامعات الغربية لكنه مال للأدب وترجم العديد من المجموعات القصصية العالمية للغته الأمّ، ونشر هدايت مجموعته القصصية الأولى عام ١٩٣٤، وحظي بإعجاب الكثير من القراء في إيران، لكن بعض جوانب شخصيته الأدبية شكلت جدلاً بين الباحثين من أبناء جيله، واخترنا لكم في هذه الزاوية الأدبية من جادة إيران قصة بعنوان “ثلاث قطرات من الدم”، وهذه القصة تتبع للمجموعة القصصية الثانية لهدايت والتي تحمل نفس الاسم.

ثلاث قطرات من الدم (الجزء الأول)

فصلوا غرفتي عن الآخرين يوم أمس، لكن هل سيطلقون سراحي الأسبوع القادم كما وعدني المشرف بعد أن تعافيت كلياً؟ هل كانت حالتي سيئة؟ سنة كاملة، طلبت منهم مراراً قلم وورقة لكنهم لم يحضروها لي، طالما كنت أفكر كم من الأفكار سأكتبها اذا حصلت على ورقة وقلم. لكنهم في الأمس أعطوني ورقة وقلم دون أن أطلب منهم، كم تمنيت ذلك وكم انتظرته .. ! لكن ما الفائدة لم أستطع الكتابة على الرغم من تفكيري طيلة الوقت وكأن أحداً أمسك بيدي أو فقدت الإحساس في ذراعي. أعيد النظر إلى المتاهات التي رسمتها على الورقة أرى شيئاً واحدا مقروءاً “ثلاث قطرات من الدم”.
“السماء لازوردية، الحديقة خضراء والورود مزهرة على التلة، النسمات العليلة تحمل معها عطر الورود، ولكن مالفائدة؟ لم يعد بالإمكان الاستمتاع بشيء، كل هذه الأشياء للشعراء والأطفال ولهؤلاء الذين يبقون أطفالاً حتى آخر العمر، حسناً أمضيت سنة كاملة هنا، لا أنام الليل من مواء القطط، تلك الصرخات المخيفة والحناجر المجروحة أنهكت روحي، وما إن يبلغ الصبح حتى تبدأ الحقن البائسة..! كم قضيت أياماً وساعات مرعبة هنا، بألبستنا الصفراء كنا نقضي الصيف في السرداب والشتاء تحت الشمس في الحديقة، سنة كاملة وأنا أعيش بين هؤلاء الناس غريبي الأطوار، لا قواسم مشتركة تجمعنا فأنا أختلف عنهم فرق السماء عن الأرض، لكن صراخهم، سكوتهم، شتائمهم، بكائهم وضحكاتهم جعلت أحلامي مليئة بالكوابيس.
لا زال هناك ساعة من الوقت حتى نتناول وجبة العشاء، الأطعمة المعتادة، حساء اللبن، أرز بالحليب، أرز، خبز وجبن، فقط ما يسد الرمق، أكبر أحلام حسن هي قدر “اشكنه” وأربعة أرغف من خبز “السنكك”، لذا يجب أن يحققوا له هذا الحلم عندما تنتهي إقامته هنا. حسن من الأشخاص المحظوظين هنا قصير القامة، ضحكته غبية، قوي، رأسه ويداه المتعفنتان خلقت للبناء، لو أن محمد علي لا يراقبنا خلال الغداء والعشاء لقضى علينا حسن منذ زمن. ومحمد علي مثل بقية الناس هنا فالجميع يقولون ما يريدون لكنهم يعيشون في عالم آخر.
لدينا طبيب لا زال على قيد الحياة بقدرة الخالق، لو كنت مكانه لدسست السّم للجميع عشاءاً وفي الصباح أقف في الحديقة لأشاهدهم وهم ينقلون الأموات. عندما أحضروني إلى هنا كنت أخشى أن يضعوا لي السّم في الطعام فكنت أرفض أن آكله حتى يتذوقه محمد علي، كنت استيقظ مرعوباً في الليل وأنا أتخيل أنهم أتوا ليقتلوني، كل هذه الذكريات غابت بعيداً ! نفس الأشخاص نفس الأطعمة نفس الغرفة الزرقاء المتعفنة إلى وسطها.
“منذ شهرين وضعوا مجنوناً في السجن أسفل الباحة كان قد مزق بطنه بكرة “بلي” أو “كلة” مكسورة وأخرج أمعائه وبدء اللعب بها، قالوا إنه كان جزاراً معتاداً على تمزيق أحشاء البهائم، أما ذلك المسكين الآخر فقد فقأ عينه بأظافره فقيدوا له يديه من الخلف وهو يصرخ حتى جف الدم في عينه، أنا أعلم إن كل هذه المصائب بسبب المشرف.
“الناس هنا ليسوا بهذا القدر من السوء فلو تمت معالجتهم وإطلاق سراحهم لأصبحت حالتهم وخيمة أكثر، فمثلا “صغرا سلطان” في القسم النسائي حاولت الهروب أكثر من مرة لكنهم أمسكوا بها، فهذه العجوز كانت تفرك وجهها بجص الحائط وخدودها بزهرة “إبرة الراعي”، وتظن إنها شابة في الرابعة عشر من عمرها، لو عالجوها ونظرت لنفسها في المرآة لأصابتها سكتة قلبية على الفور، الأسوء من كل ذلك أن “تقي” صاحبنا الذي كان يريد أن يغير العالم بنظريته بأن النساء هنّ سبب كل بلاء ولذلك يجب قتلهن، وقع في غرام “صغرا سلطان”.
” كل هذه القصص بسبب مشرفنا، فقد قيد أيادي جميع المجانين من الخلف، ودائماً يمشي في الحديقة بأنفه الكبير وعينيه الصغيرتين مثل القصبة يتجه نحو شجرة السرو، ينحني أحياناً ليحدق النظر في ترابها، كل من يراه يقول يا له من رجل مسكين وقع بين عدة مجانين، لكن أنا أعرفه جيداً فهناك تحت الشجرة سقطت ثلاث قطرات من الدم فيما يُعلّق أمام نافذته قفص مفتوح فارغ، فالقطة أخذت طائر الكنار خاصته، وهو ترك القفص مفتوحا لتعود إليه القطة ويقتلها.
البارحة كان يركض خلف قطة مرقطة، لكن الحقيقة أن الحيوان المسكين ما إن صعد أعلى شجرة السرو واتجه نحو النافذة حتى أمر المشرف الحارس بقتله بالرصاص وتلك قطرات الدم الثلاث للقطة، ولكن إذا سألتموه سيقول إنه دم البومة.

جاده ايران واتساب
للمشاركة: