موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة4 أبريل 2021 20:01
للمشاركة:

فيلم “السحلية” الإيراني.. كوميديا متجددة ناقدة لرجال الدين

يعدّ فيلم "مارمولك" أو "السحلية" أو مجازا "الحرباء" من أكثر الأفلام الإيرانية جذبا للجمهور الإيراني وعبره للجمهور غير الإيراني في متابعته للنتاج السينمائي الإيراني، وقد حقّق الفيلم إيرادات فاقت المتوقّع بكثير على شباك التذاكر إن لم يكن أكثرها قاطبة، حيث حقّق أعلى المبيعات في دور السينما الإيرانية لعام 2004 وأرباحا تعدّ الأعلى في تاريخ الأفلام الإيرانية لنصف قرن.

 هذا الفيلم القلق الذي لم يتوقّع له مخرجه هذا النجاح الباهر على المستوى الجماهيري خاصة، وقد دفع القرار القلق للرقابة الإيرانية بين منع وعرض الفيلم في صالات السينما الإيرانية إلى مزيد من لفت الأنظار إليه، حيث تمت الموافقة على عرضه من قبل وزارة الإرشاد الإيرانية بعد حذف 35 دقيقة منه.

ومع أنّ المخرج لا يعدّ مُعارضا سياسيّا إلا أنّ الفيلم تم تسويقه ومتابعته من قبل المتابعين خارج إيران على أنّه أحد أوجه انتقاد نظام الحكم الذي يعتمد على رجالات الدين ويبوؤهم مكانة رفيعة وهو في الفيلم شخصية بطل الفيلم الذي يؤدي دور رجل دين برتبة “ملّا”.

فيلم "السحلية" الإيراني.. كوميديا متجددة ناقدة لرجال الدين 1

سياق مختصر لقصّة الفيلم

يتحدّث فيلم مارمولك/ السحليّة عن قصة أحد اللصوص واسمه رضا مثقالي وقد سمّي رضا السحلية نظرا لقدرته العالية على تسلّق الأسوار العالية بقصد السرقة، كما أنّ وشم السحلية يبدو منقوشا على ساعده، وفي أحد المشاهد في السجن يتراهن مع السجناء في فناء السجن على قدرته على إنقاذ حمامة عالقة في السياج أعلى جدار السجن العالية، وبالفعل يُظهر السحلية مقدرة فائقة على تسلّق الجدار، ويتم القبض على رضا السحلية في مشهد البداية متلبّسا ويتم اقتياده إلى أحد السجون التي يبدو أنّ آمرها معروف عنه محاولاته الحثيثة والمختلفة لإصلاح السجناء، يبدو البطل غاضبا ويائسا من واقع كونه مسجونا، وفي أحد المشاهد يسرق بعض الحبوب من عيادة الطبيب في السجن أثناء التنظيف ويحاول الانتحار بها وحين يحسّ به أحد السجناء ويحاول منعه يجرح نفسه بالزجاجة، ويتم إدخاله إلى المشفى، وهنا تبدأ القصة، حيث أنّ مصادفة تقود رجل الدين “الملّا” واسمه رضا أيضا، إلى التعرّف على السجين السحلية وتتوطّد علاقتهما، وفي أحد المشاهد يذهب الإمام إلى الحمام فيلبس السحلية ثيابه ويخرج من السجن منتحلا شخصية “الملا” حيث ينحني الجميع له باحترام ويهرب إلى أحد القرى الحدودية بقصد الحصول على جواز سفر مزوّر والخروج من إيران، إلا أنّ الصدفة تقوده إلى قرية تنتظر قدوم الملّا الجديد الذي تم تعيينه، وهكذا يذهب إلى القرية، لكن تُعجِبه هذه الحالة الجديدة ولأنه إنسان لا يعرف كيف يصلّي حتى فإنه يمرّ بمواقف كوميدية عدة، وهكذا تسير الأحداث إلى أن تقود مجموعة صُدف إلى انتشار صيته بين الناس وهو صيت طبق الآفاق، وفي كلّ هذا لا يترك محاولاته في الحصول على جواز سفر مزوّر، والذي لا يحصل عليه في النهاية، وفي نهاية الفيلم يكتشف آمر سجنه السابق القصة فيأتي لاعتقاله بعد أداءه لخطبة في جمع غفير من الناس يعظهم بموعظته الشهيرة: (أنّ السُبُل إلى الله عديدة بعدد الناس).

اسم الفيلم وأيقونة للخداع

مع أنّ اسم الفيلم بالفارسية هو “مارمولك” والذي يعني حرفيا “السحليّة” والتي وشمها بطل الفيلم رضا مثقالي أدّى دوره الممثل الإيراني برويز برستويي/ پرویز پرستویی على ذراعه تدلّ على قدرة بطل الفيلم على تسلّق الجدران حتى العالية منها، تعبيرا عن قدرته على التلصّص وسرقة المنازل، التي يدلّ مشهد البداية عليها من خلال إلقاء القبض عليه متلبّسا أثناء السرقة، إلا أنّ سياق الفيلم قد يدلّ أيضا على أنّ صفة “الحرباء” أيضا قد تكون معبّرة لسيرورة وتحوّلات بطل الفيلم الذي يتلوّن من شخص سجين وسارق إلى إمام برتبة ملّا يؤم الناس ويعظهم تقوده مغامراته وتلوّنه بين الإمام ورضا السحلية إلى حالة حربائية ملوّنة.

وقد تم استخدام لقب السحليّة في إيران والأوساط الشعبية بعد الفيلم بتهكم شديد كتعبير عن المخادعين باسم الدين، أو حتى النيل من نظام رجال الدين في إزاحات سياسيّة، وهذا بالضبط ما أدى إلى إشاعة السخط في بعض الأوساط الحوزوية، لكن في المقابل فقد تم الإشادة بالفيلم من قبل القائد الأعلى على خامنئي نفسه حين التقاء المخرج به في السنوات التي أعقبت عرض الفيلم ونجاحه، والذي ألقى باللوم فيها على عدم فهم محتوى الفيلم من قبل بعض الجماهير.

فيلم "السحلية" الإيراني.. كوميديا متجددة ناقدة لرجال الدين 2

السجن كدار للإصلاح

لا يخلو فيلم السحلية من العِبرة حتى وإن كانت مغلّفة بكم كبير من الكوميديا، فحبكة قصّة هرب رضا السحلية من السجن بعد ارتدائه ملابس جاره الـ ملّا في المستشفى وصدفة تطابق اسميهما، وصدفة انتظار أهل القرية لـ الملّا الجديد والصدف الأخرى تبدو وكأنّه تم تطويعها لخدمة الفيلم وفكرته في خلق الكوميديا دون اللجوء إلى سيناريو انسيابي منطقي وكوميدي في ذات الوقت.

مع كلّ هذا فإنّ العِبرة تترافق بشكل واضح وجلي في الفيلم، وتبدأ لحظة دخول رضا مثقالي أو رضا السحلية السجن، وقول آمر السجن له أنّ السجن مثل الريجيم فهو يهذّب النفس ويخفّفها من أعبائها كما يفعل الريجيم بالجسد، وهو يسوّق هنا فكرة السجن بطريقة إيجابية يُخرجها من كمّ الأفكار المُسبقة عن إيران “السياسية” إنّ صحّ التعبير، فهناك انطباع عام يتم الترويج له في الإعلام بصورة عامة لخصوم إيران “السياسيّة” حول كون إيران سجنا سياسيا كبيرا ينتهي بهم المطاف إلى الإعدام، فسجن الفيلم هو سجن للجُنح والجنايات، فآمر السجن هنا واعظ ويدعو لتهذيب النفس وأنّ الشرور مُكتسبة، وتبدو العبرة التي يسوقها الفيلم مؤثّرة للمُشاهد، على عكس البطل الذي يتهكّم من العبرة عبر ابتسامته الماكرة بداية دخوله السجن، وهذا الآمر هو ذاته من يقول في نهاية الفيلم لمساعده ألا يضع القيود في معصمي رضا السحلية لأنّه تلمّس صلاحا فيه، وهنا أيضا ربما يتم طرح فكرة أنّ السجن مثل الحياة من الممكن أن تكون مكانا للصلاح فهم يعلّمونهم الصلاة ويأخذون إليهم الواعظين وغيرها من الأمور التي تدعو لصلاح أنفسهم، ومع ما للفكرة من طرح الفكرة الإيجابية لفكرة السجن فإنّ الفيلم الذي شاهده الملايين من الإيرانيين وغير الإيرانيين ربما تأثروا بشكل أو بآخر بهذه الفكرة، لتكون الفكرة كالتالي: (ربما تكون السجون مكانا لتهذيب النفس أيضا، وليست السجون دائما كما يتم الترويج من البعض من خصوم إيران “السياسيين” وأنّها مكان للمفسدين في الأرض والفرقاء والمعارضين السياسيين).

ومع كلّ النقاشات حول الفيلم إلا أنّه نجح في كونه الأكثر مشاهدة ومبيعا لبطاقات التذاكر في دور السينما الإيرانية، ومع أنّ الفيلم قد دفع بالرقابة الإيرانية لقيادة نقاشات حوله إلا أنّها سمحت به في النهاية بعد حذف 35 دقيقة من الفيلم وجدت فيها الرقابة أنّ النقد فيها كان قاسيا على رجال الدين.

 الشخصية اللامرئية

ثمة حكمة تردّدت في الفيلم وهي تلك التي قرأها الملّا رضا (الملّا الحقيقي) قبل أن ينتحل صفته رضا السحلية وهي (أنّ السُبُل إلى الله متعدّدة بعدد الناس) هذه الحكمة يقتبسها رضا السحلية في أحد مواعظه لكنه يتفاجأ بها وقد صارت منهجا للناس في تلك القرية النائية ويتفاجأ بها وقد انتشرت كالنار في الهشيم في تلك المنطقة برمّتها، إلا أنّ المشاهد المتعلّقة بها وتأثيراتها على الناس في الفيلم تبدو صادقة ومؤثرة بدرجة كبيرة لدرجة أنّ المشاهد قد يتعاطف مع بطل الفيلم مع أنّه لص ومخادع لصالح فكرته الأثيرة في التدليل على السبيل إلى الله.

في الفيلم تظهر شخصية لا مرئية بهيئة طفل تفوح منه البراءة والطهرانية، حيث ينظر إلى رضا في بعض المشاهد وكأنّه ضميره المستتر أو الجانب الطيّب المختبئ في أعماقه يؤنبه بصمت، ويُساعده لكي يكون صالحا، ويبدو أنّه ينجح في النهاية، حيث إنّ مشهد النهاية وقبل أن يتم إلقاء القبض عليه يُظهر الطفل في ركن ما، وقد ذهب إليه رضا السحلية حيث يسلّمه العمامة والعباءة بكلّ وقار، حيث يدلّل على التوبة بطريقة ما وأنّه فهم الدرس بطريقة أخرى.

فيلم مارمولك/ السحلية، أخرجه كمال تبريزي، ومثّل في دور البطولة فيه برويز برستوئي، وأنتجه منوشهر محمدي في عام 2004، رابط الفيلم على يوتيوب:

جاده ايران واتساب
للمشاركة: