موقع متخصص في الشؤون الإيرانية

“مشرد الدولة” لمحمد علي جمال زاده

للمشاركة:

تفتتح جاده ايران زاوية أدبية جديدة في الأدب الفارسي لتنشر من خلالها أشعاراً وقصصاً قصيرة مترجمة مصحوبةً بتعريف قصير بكتاب هذه الأشعار والكتب، وقد بدأت الزميلة ديانا محمود هذه المجموعة بقصة “مشرد الدولة” للكاتب الإيراني محمد جمال زاده.

جاده ايران- ترجمة/ ديانا محمود

نشر رائد القصة القصيرة في إيران محمد علي جمال زاده أول مجموعة قصصية له (كان يا ما كان) عام ١٩٢٢م، وتضمنت خمس قصص قصيرة كان آخرها “مشرد الدولة”، التي تتناول قضية التصوف والتشرد الإرادي كظاهرة اجتماعية كانت رائجة في إيران تتسبب لأصحابها بالفقر وتظهرهم بمظهر الطفيليين، وتحمل هذه القصة بالفارسية اسم “ویلان دوله” وكُتبت عام ١٩٢١.

"مشرد الدولة" لمحمد علي جمال زاده 1

“مشرد الدولة”
مشرد الدولة نوع من النباتات لا يزهر إلا في أرض إيران ولا يثمر إلا فيها ويوصف بأن “له في كل عرس قرص”.
مسكين هذا مشرد الدولة! دائماً مشغول ولا يفرغ حتى لحكّ رأسه، فهل يتركه الناس؟ هل يدعونه وشأنه؟ لا يتيحون له النوم في منزله حتى ليلة واحدة! صحيح إنّ مشرد الدولة ليس لديه منزل وسرير محددان يذهب إليهما، فهو ينطبق عليه المثل القائل “الدرويش ينام أينّما حل عليه الليل”، نعم هذا هو قدره لكن الناس لعبت دوراً في هذا القدر، فلا يتركون له ثانية واحدة ليفكر بنفسه، فسيء الحظ مشرد الدولة عليه أن يتنقل من هذه اليد إلى تلك اليد مثل النقود المزورة، الكل يريد التخلص منها، وهو ملّ من الناس ولم يبق أمامه شيء لينفجر من وقاحتهم، لعنهم الله.
مشرد الدولة يستيقظ كل صباح في منزل أحدهم وعلى فراش مجهول، يتناول الخبز المدهون بالزيت مع الشاي فلا أحد يعلم متى سيتناول وجبته التالية من كثرة أشغاله طبعاً، يتجرع لقمته سريعاً ويرحل فصاحب المنزل خرج باكراً لأمر ضروري، يشكر مشرد الدولة ربّه لأنه سيتمكن بعد ثلاثة أيام من الرحيل دون أن يمسك به صاحب المنزل الثقيل، لكنه يتعجب من هذه الصدفة المكررة، كل أصحاب المنازل التي ينام فيها يخرجون باكراً لعمل ضروري، لماذا لا يملك مشرد الدولة مثل هذه الأعمال الضرورية؟، طبعاً باستثناء بعض الأعمال التي تستلزم أن يترك كل شيء لتنفيذها، ولكن جرس الحمام لم يقرع بعد والحليب لم يأتِ وأبواب المحال لم تفتح! فما هو العمل الضروري هذا؟ ، بالفعل ربما أراد صاحب المنزل أن يذهب إلى الحمام، ولم لا، مشرد الدولة أيضاً لم تسنح له الفرصة منذ أيام للذهاب إلى الحمام وكان من الأفضل أن يذهبا معاً، صحيح أن مشرد الدولة لم يكن لديه وقت للحمام فهو ليس واجب لكن لا مانع من بعض التدليك بالماء والصابون ليذهب عن جسمه التعب والكسل.
استعد مشرد الدولة ليغادر المنزل وهمَّ بارتداء جواربه واذا هي مثل خلية النحل مليئة بالثقوب وقميصه مثل قميص العاشق ممزق، فنادى على خادم البيت “يا زميل! أنت تعلم أن الناس لا تترك لي مجالا لأتنفس فكيف لي أن أذهب إلى السوق وأشتري جوارب، والآن ينتظرني وزير الداخلية ولا وقت لدي لأذهب إلى منزلي لأبدلهم، قل لأهل البيت ان يأتوني بجوارب وقميص حتى لا يضيع مني الوقت”، وبينما كان يرتدي جواربه الجديدة انتبه إلى أنّ لون الجوارب يتطابق مع لون رباط الجوارب الذي أخذه منذ أيام من منزل أحدهم فتفاءل بهذه الصدفة، وضع عباءته على كتفيه وهي أيضاً استعارة من أحد الزملاء لم يتمكن من إعادتها حتى الآن، المسكين مشرد الدولة كغسال الموتى كل قطعة من لباسه من مكان، غفر الله لهؤلاء الناس.
في نهاية الأمر طلب مشرد الدولة الإذن من أهل البيت ليغادر منزلهم معتذراً منهم لعدم قدرته على انتظار صاحب البيت ليودعه فمشاغل الناس التي لا تنتهي أبداً تنتظره، وبالطبع سيزورهم لاحقاً إذا سنحت له الفرصة، وما أن وضع قدمه في الحي حتى صادفه عشرة من الأصدقاء وخمسة عشر شخصاً من المعارف لكن ما الحل فلا مجال للفرار، فهو ابن هذه المدينة منذ أربعين عاما ولا يمكن أن يدير ظهره للناس، فالناس ليسوا حرملك السلطان! آمان من هذه الحياة!، مسكين مشرد الدولة! سبعة أيام في الأسبوع لا يتناول طعامه مرتين في نفس المكان، مثل حصان يأكل الشعير في هذا المنزل صباحاً وفي ذلك المنزل مساءاً.
الأسوء من كل هذا أن مشرد الدولة تجول في كل إيران طيلة هذه المدة مستقبلاً ومودعاً، مرة مرافقاً لصديقه الفلاني ومرة يقوم بواجب زيارة العتبات عن شخص آخر، متنقلاً بين مدن البلاد حيث تعرف على آلاف الأشخاص لكنه لم يوفق إلا بصديق واحد.
الحقيقة أن مشرد العلماء كان صديقاً وفياً وعزيزاً لمشرد الدولة ولم يحدث بينهما إلا كل خير، لكن مشرد العلماء سلك طريقاً آخر فقد أصبح وكيلاً لأملاك تاجر مسكين في قم، وتزوج امرأته وأنجبت له طفلاً وأصبح له صولة وجولة ونسي كل الصداقات القديمة والعلاقات الإنسانية التي كانت تجمعه بالناس، حتى مشرد الدولة الذي كان يطرق بابه في قم بين الفينة والأخرى فيأتيه الجواب بأن صاحب المنزل ليس موجوداً.
قضى مشرد الدولة ليلته في المسجد حزيناً وكئيباً وحالته اليوم متعبة وسيئة، كل الأبواب التي طرقها كان أصحابها خارج منازلهم لأمر طارئ ولن يعودوا لتناول الغداء، وحيداً وجيبه فارغ لا يوجد فيها قرش واحد ليشتري حبة كينوا (١) ويقتات بها، كل ما كان يملكه هو علبة سجائر سوداء مزينة بنجوم وقمر لا يعرف من أين جاءت، لكن مشرد الدولة كان معتادا على الدين والرهن، لذلك ذهب إلى دكان العطار قرب المسجد واقترح عليه أن يبادله علبة الدخان بالقليل من الكينوا، فنظر العطار إلى وضعه البائس وأشفق عليه وقال لنفسه لا يرضي الله أن أردَّ هذا المسكين خائباً، فوافق وذهب ليملأ له حبات الكينوا، لكن مشرد الدولة عدّل صوته وقال له “بما إنك تريد أن تفعل شيئاً لمرضاة الله فأرجو منك أن تستبدل الكينوا بقليل من الأفيون فهي تخدمني الآن أكثر من أي شيء آخر”، فوافق العطار وأعطاه حبات الأفيون بدل الكينوا، فأخذها مشرد الدولة واتجه إلى المسجد، وهو يقول لنفسه: “يجب ان أجد دواءاً مفيد بماذا ستنفعني حبات الكينوا؟”.
أمام باب المسجد رأى ميرزا يجلس تحت أشعة الشمس وقد افترش عباءته ووضع أمامه دواة وأوراق وعددا من ظروف الرسائل، وكان يقلّم أظافره ريثما يأتيه زبون، فذهب مشرد الدولة وألقى السلام عليه وقال له “سيد ميرزا هل لي أن أكتب كلمتين بقلمك وأوراقك”، فوضع ميرزا بكل أدب دواته وورقة صفراء أمامه وبدأ مشرد الدولة يخط كلماته ووجهه متعب يبدو عليه الإرهاق، وعندما فرغ من الكتابة فتح كيس الأفيون برأس القلم دون أن يراه أحد ووضع كل ما فيه بفمّه وشرب القليل من الماء من إبريق ميرزا وشكره على لطفه واتجه إلى حرم المسجد، وضع حذاءه تحت رأسه وتشهّد وأغمض عينيه.
صباح اليوم التالي عندما دخل خادم المسجد إلى الحرم رأى مشرد الدولة ممدداً وكأنه في عالم آخر، لم يمضِ وقتٌ طويل حتى اجتمع جميع الأصدقاء والمعارف في المسجد، وهناك بالقرب منه كانت الورقة التي كتبها قبل تناول الأفيون، وقد خُطَّ عليها:
“بعد خمسين سنة من الحيرة والتشرد أغادر هذه الدنيا الفانية ولا أعلم إذا كان هناك من سيتعرف على جثماني أم لا، طيلة هذا العمر وأنا أسبب المشاكل وأجلب الهموم لكل من يعرفني، وإن كنت أدرك جيداً إن شفقتهم عليّ أكبر من خجلي وحيائي، أمضي لحظاتي الأخيرة في هذه الحياة وأنا أقدم الاعتذار، لكن هؤلاء الذين تصرفوا كالبشر لا يحتاجون إلى اعتذاري، اطلب منهم كما ساعدوني كل عمري أن يساعدوني أيضاً بعد موتي، ليذكروا دائماً مرارتي وحيرتي ومصائبي في حياتي، أوصيهم أن يخطوا هذا البيت لشيخي ومرشدي بابا طاهر عريان (٢) على شاهدة قبري:
كل الأفاعي والنمل لها أوكار
وأنا المسكين لا خرابة لي”

برلين، ربيع الأول ١٣٤٠
محمد جمال زاده

(1) كينوا: نوع من المحصولات الزراعية رخيص الثمن
(2) بابا طاهر عريان: شاعر ومتصوف ايراني من القرن ١١ م

جاده ايران واتساب
للمشاركة: