موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة24 فبراير 2021 08:51
للمشاركة:

صحيفة “جهان صنعت” الاقتصادية – ما علاقة النظام المصرفي في تكوين السيولة؟

ناقشت صحيفة "جهان صنعت" الاقتصادية، في أحد تقاريرها، الإحصاءات الاقتصادية الصادرة عن المصرف المركزي ودور المصارف في تكوين السيولة في البلاد. واستخلصت الصحيفة أن المصدرين الرئيسيين للسيولة، وبالتالي صدمات النقد الأجنبي والأسعار ليس الحكومة، بل المصارف والشركات الخاصة التي تتولى إدارة الاقتصاد الإيراني وتتوسط فيها الحكومة والمصرف المركزي، حسب وصفها.

على الرغم من أن عجز الميزانية المرتفع يضع الحكومة في طليعة المتهمين بخلق السيولة في الاقتصاد، فإن التقديرات تشير إلى أن نسبة المصارف في خلق السيولة هي 90%. وبهذه الطريقة، تكون المصارف قد انتزعت زمام المبادرة من الحكومة في خلق السيولة وكانت هي من يحمل راية زيادة القاعدة النقدية خلال هذه السنوات. حيث إن تخفيض نسبة الدين الحكومي للنظام المصرفي من 49% في عام 2001 إلى 17% في تشرين الثاني/نوفمبر 2020، يظهر بوضوح أن أهم صانع لأزمة السيولة الكبيرة هو النظام المصرفي، وليس الحكومة. وعلى الرغم من أن صانع السياسة النقدية كشف النقاب عن خطة إزالة السموم من النظام المصرفي وإصلاح توازنه المالي، ففي غياب الإجراءات القانونية، لن تغير العصا التنظيمية للمصرف المركزي قواعد اللعبة.

حيث تُظهر دراسة تفاصيل تكوين السيولة أن النظام المصرفي قد غيّر نسبة الدين الحكومي إلى النظام المصرفي كسيولة لصالحه خلال السنوات الأخيرة وأصبح أحد الفاعلين الرئيسيين في ضخ الأموال ضمن الاقتصاد. وتشير الدلائل الإحصائية إلى أن هذه النسبة كانت 49% و42% و34% في أعوام 2001 و2002 و2003 على التوالي. وقد انخفضت هذه النسبة حتى 20% في السنوات 2010 إلى 2012. وكما تظهر آخر التقديرات أن الاتجاه النزولي في نسبة الدين الحكومي إلى الجهاز المصرفي إلى السيولة وصلت إلى 17% بنهاية تشرين الثاني/نوفمبر الماضي. وهكذا على مدى العقدين الماضيين، شهدت هذه النسبة العديد من التغييرات وأدت إلى توجه الأنظار إلى النظام المصرفي باعتباره أحد المذنبين الرئيسيين في تكوين السيولة.

وكما تظهر الدراسة التفصيلية لنمو القاعدة النقدية زيادة في ديون المصارف، وخاصة المصارف الخاصة للمصرف المركزي، وكذلك نمو الأصول الأجنبية للمصرف المركزي، والتي ترجع بشكل رئيسي نتيجة عمليات السحب من صندوق التنمية الوطنية. وعلى الرغم من أن الحكومة لعبت دائماً دوراً رائداً في هذه القضية، إلا أن الإحصاءات هذه المرة تكشف عن قضايا أخرى. حيث تشير الإحصاءات الاقتصادية للمصرف المركزي إلى أنه منذ عام 2012، لعبت المصارف الخاصة دوراً مهماً في زيادة القاعدة النقدية، بحيث زادت حصة المصارف الخاصة في نمو القاعدة النقدية من 10% في أوائل 2012 إلى أكثر من 60% في الفترة الحالية. ومن المثير للاهتمام أن نصيب الحكومة من هذه القضية قد تقلص إلى 40% في السنوات الأخيرة. وكما تظهر آخر الإحصاءات التي قدمها المصرف المركزي إلى أن السيولة بلغت 3130 ألف مليار تومان في التسعة أشهر الأولى من العام الجاري (التقويم الإيراني). وبذلك فقد نما لأكثر من 26% منذ بداية العام (التقويم الإيراني).

وكما شهدت القاعدة النقدية نمواً ملحوظاً بنسبة 15.5% خلال هذه الفترة. وأكد الخبراء والمحللون في دراساتهم على الدور المهيمن للحكومة في زيادة السيولة ودعوا إلى الحد من وصول الحكومة إلى موارد المصرف المركزي. وعلى الرغم من أنه لا يمكن إنكار أن تسييل عجز الموازنة هو أحد الخيارات الرئيسية لجميع الحكومات لتعويض اختلال الموازنة، إلا أن دراسة أداء الجهاز المصرفي توضح أن الحكومة لم يعد لها دور رئيسي في هذه القضية. وتظهر الإحصاءات التي قدمها المصرف المركزي أنه بين عامي 2011 و 2018، ازداد دور الشبكة المصرفية والمصرف المركزي في زيادة القاعدة النقدية، بحيث انخفض دور الحكومة في القاعدة النقدية العام الماضي إلى 1% وكما أن 99% من القاعدة النقدية أنشأها المصرف المركزي والمصارف. وقد بلغ نصيب المصرف المركزي في هذه الزيادة 68% وحصة الشبكة المصرفية 31%. ويبدو أن الخلل في النظام المصرفي وعدم وجود رقابة فعالة كان من الأسباب الرئيسية لهذه المشكلة في السنوات الأخيرة.

بعبارة أخرى، في ظل غياب الرقابة الفعالة على الشبكة المصرفية، فقد سُمح لها برفض جعل ميزانيتها العمومية المالية شفافة ووضع ريادة الأعمال في طريقها. ولكن المصارف تحرص أيضاً على دخول أسواق الأصول، بالإضافة إلى تواجدها الكبير في المؤسسة وتحقيق الأرباح منها. ويبدو أن هذا الاهتمام نبع من تمكين النظام المصرفي من التحرك نحو الاستثمار المربح. ولكن كيف يتم ذلك؟ عندما يشتري النظام المصرفي الممتلكات والعملات ويؤمن طريقة لدخوله مجال الأعمال، فإنه يتحول في الواقع إلى بائع ومشترٍ للأصول. وبهذه الطريقة، يكون الأصل المتداول متاحاً ولا يتعين على النظام المصرفي انتظار ظهور هذا الأصل وتحقيق ربح منه.
ويبدو أن أحد الأسباب الرئيسية للجوء المصارف إلى سوق الأصول متجذر في هذه القضية أيضاً، حيث يمكنها بسهولة بيع أصولها وشراء النقد الأجنبي والذهب والإسكان والأسهم. وبمعنى آخر، بسبب عدم خلق أموال جديدة في هذه المعاملات وفقط يتبدل أصل واحد إلى أصل آخر، لذلك فهو يؤثر فقط على طلب المستهلك ويظهر ضمن إطار التضخم في الاقتصاد. وهذا التضخم يجعل العمليات المصرفية أكثر ربحية ويزيد من قيمة أصول المصارف.

ويحدث هذا في وقت تكون فيه المصارف هي الشرايين الرئيسية لمنشآت الإقراض للشركات ويجب أن تتحرك في اتجاه قلب عجلة النشاط الإنتاجي. ولكن عدم مشاركتهم في الأنشطة الإنتاجية وتطوير القطاع الحقيقي لن يكون له سوى آثار تضخمية ومضادة للتوزيع.
وبالتالي، يبدو أن التغييرات التي تحدث في عملية الأسواق الاقتصادية ستكون بنفع النظام المصرفي وعلى حساب المجتمع. حيث أن النظام المصرفي لا يستفيد من التضخم فحسب، بل يحول أيضاً صدمات النقد الأجنبي إلى أداة لزيادة قيمة أصوله وخفض تكاليفه. ويبدو أن الحكومة وخصائصها مرتبطة أيضاً بالنظام المصرفي في هذه اللعبة وتلعب دوراً فاعلاً في دفع هذه الأهداف المربحة. حيث تشير الدراسات إلى أنه في الحكومة العاشرة، بلغ دين الحكومة البالغ 64 ألف مليار تومان (1$= 25400 تومان) للنظام المصرفي مع صدمة في النقد الأجنبي 96 ألف مليار تومان، وفي الحكومة الثانية عشرة، بلغ دين الحكومة 254 ألف مليار تومان للنظام المصرفي مع صدمة النقد الأجنبي إلى 526 ألف مليار تومان. وكما يجب النظر في تخفيض قيمة الديون الأخرى ورواتب موظفي الحكومة. ولكن ما يحدث في هذه العملية هو أنه خلال فترات صدمات النقد الأجنبي والتضخم، لا يدفع النظام المصرفي تكلفة تسوية الدين الحكومي فقط مما يزيد من تكاليفه، ولكنه يعوّض الجميع عن طريق خفض قيمة المودعين. و في مثل هذه الظروف تشارك الشركات الخاصة أيضاً، وفي ظل العقوبات وحالات عدم اليقين الناتجة عن ذلك، تعمل على زيادة سعر بيع منتجاتها عن طريق هندسة التوريد.
وهذا يعني أنه على الرغم من مطالب الحكومة برفع العقوبات والضغط المتزايد لإقناع الجانب الأميركي بإحياء الاتفاق النووي، إلا أنها جعلت العقوبات أداة مفيدة لها ولنظرائها. وفي الواقع، تعتبر العقوبات أداة تستخدمها الحكومة والمصارف (وخاصة المصارف الخاصة) والشركات لتسوية ديونها وجني الأرباح الضخمة بذريعة العقوبات وذلك من خلال نهب الناس من خلال صدمات النقد الأجنبي والأسعار. وبهذه الطريقة يبدو أن الاقتصاد يواجه ظاهرة مدمرة التي تتدخل في تسعير الأصول وتغيرها لتلبي مصالحها. لذلك، فإن المصدرين الرئيسيين للسيولة، وبالتالي صدمات النقد الأجنبي والأسعار ليس الحكومة، بل المصارف والشركات الخاصة التي تتولى إدارة الاقتصاد الإيراني وتتوسط فيها الحكومة والمصرف المركزي.

إن المعلومات والآراء المذكورة في هذه المقالة المترجمة لا تعبّر بالضرورة عن رأي جاده إيران وإنما تعبّر عن رأي كاتبها أو المؤسسة حيث جرى نشرها أولًا

المصدر/ صحيفة “جهان صنعت” الاقتصادية

جاده ايران واتساب
للمشاركة: