موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة24 يناير 2021 11:24
للمشاركة:

أميركا وإيران الثورة: 42 عاماً من الجبهات الساخنة

في الأول من شباط عام 1979، وبعد أسابيع من التظاهرات والمواجهات، هبطت في مطار طهران طائرة فرنسية تحمل زعيم المعارضة الإيرانية المنفي، رجل الدين آية الله روح الله الخميني. ومع نزوله الهادئ على سلم الطائرة، بدأ عصرٌ جديد من العلاقات بين إيران والولايات المتّحدة الأميركية.

رغم رهان واشنطن في البداية على فريق رئيس حكومة الثورة، مهدي بازركان، لتطوير العلاقات مع الخميني ورجاله، أدرك صنّاع القرار الأميركي بعد وقت قصير أن القطار فات رهانهم. هذه الآمال المنهارة عند الأميركيين، ظهرت في مؤتمر صحافي للدبلوماسي الأميركي هنري كيسينجر في ولاية لويزيانا في ذلك الوقت، حين اعتبر أن “أي نتيجة لأحداث إيران ستشكل نكسة كبيرة لأمن الولايات المتحدة الأميركية واستقرار الشرق الأوسط”.

إثر وصول الإمام الخميني إلى طهران، نقل بمروحية إلى ميدان آزادي، حيث تجمّع الملايين من أنصاره لاستقباله، وهناك، “وقف الملحق العسكري الإسرائيلي إسحق سيغيف ورئيس شعبة جهاز الموساد الإسرائيلي في طهران إليعازر تسافرير، إلى جانب الثوريين يراقبان مجريات الأمور. مرّ رجل دين بالقرب من الإسرائيليين وسألهما بالفارسية عن سبب عدم حملهما صوراً للخميني، قدّما اعتذارهما بعبارات فارسية متقنة، وتسلم كل منهما صورة كبيرة لأب الثورة، رفعاها وعلا هتافهما: “الله أكبر، خميني رهبر” . هذه الواقعة، تظهر أن الإسرائيليين، صدموا أيضاً بالواقع الجديد الذي فرضه الخميني في إيران، وعلموا بعد تصريحاته حول إسرائيل، أن لا مكان لها كدولة صديقة في حسابات الثورة وما ينتج عنها.


مراحل عديدة مرّت بها العلاقة بين إيران وأميركا، إلى أن وصلت إلى وضعها الحالي، إذ لا يمكن قراءة الأحداث بمعزل عن السياق التاريخي لها.

أزمة الرهائن و”مخلب النسر”

في الرابع من تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 1979، سيطرت مجموعة من الطلبة الإسلاميين على السفارة الأميركية في طهران. هذه الحادثة، أحبطت كل آمال الأميركيين بإمكانية التواصل مع النظام الجديد في البلاد. أخذ الطلاب الغاضبون 66 من الدبلوماسيين ورجال بحرية كرهائن. لم تمضِ 36 ساعة، حتى قال الخميني إنه يبارك العملية.

في كتابه “اللغز الفارسي”، اعتبر الكاتب الأميركي كينيث بولاك أن الدافع لهؤلاء الطلاب في هذه العملية كان جملتين من الخميني: “واجب على الطلاب أن يوسعوا هجماتهم ضد أميركا وإسرائيل، وبذلك ستكون أميركا مجبرة على إعادة الشاه المجرم المخلوع”. واستطرد بولاك في كتابه ليعلل ما حدث في السفارة بالقول “هناك قضية مسيطرة على الإيرانيين. إنها الإنتقام من أميركا. إنتقام من الدور الأميركي في إيران وانتقام لثورة محمد مصدق. هو فتح للندوب النفسية الغاضبة التي لا يزال الشعب الإيراني يحملها من ذلك الحدث”.

أميركا وإيران الثورة: 42 عاماً من الجبهات الساخنة 1


من داخل السفارة، التي وصِفت حينها بـ”وكر الجاسوسية”، أذاع الطلبة بياناً، أكدوا فيه أن الهدف هو مواجهة “الدور التخريبي والتآمري لأميركا في إيران”.

فشلت المحاولات الدبلوماسية الأميركية لاستعادة الرهائن، فقرر الرئيس الأميركي جيمي كارتر قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران في نيسان / أبريل 1980، وفي 25 نيسان/ أبريل، قرر كارتر اللجوء إلى الخيار العسكري، فكانت عملية “مخلب النسر” عبر الهجوم على إيران من جهة صحراء طبس. لكن الظروف المناخية عاكست الرغبة الأميركية، فأثناء العملية، هبّت عاصفة رملية، عكّرت الأجواء. وما زاد الطين بلّة، هو اصطدام طائرة هيليكوبتر بأخرى أثناء مغادرة الصحراء، فقتل 8 أميركيين وفشل الخيار العسكري.

بقيت التوترات بين البلدين قائمة، مع فرض الولايات المتحدة حزمًا من العقوبات على طهران، بينما أصرّ الخميني على المضي في هذا الملف حتى النهاية. في الدقائق الأولى التي تلت تنصيب الرئيس الأميركي الجديد رونالد ريغان خلفاً لكارتر، وبعد مفاوضات شاقة وقنوات خلفية متعددة، أعلن الإيرانيون الإفراج عن الرهائن، وأقلعت طائرتهم في 21 كانون الثاني/ يناير من العام 1981.

444 يوماً استمرت أزمة الرهائن بين البلدين، تمكنت في خلالها تلك الدولة الناشئة بنظامها الجديد، من تحدّي الولايات المتحدة. خرجت إيران من هذه الأزمة بثوب المنتصر، حيث تمكّنت من “الإنتقام” من واشنطن ومن الرئيس كارتر. كما أنها مهدّت الخطوط الأولى، لرسم العلاقة المستقبلية بين البلدين، وهي علاقة لم تكن وديّة أبدا.


حرب الخليج الأولى والدور الأميركي

أوّل تحدٍّ خارجي واجه الجمهورية الإسلامية، كان الحرب مع العراق، التي لعبت فيها دول عديدة أدوارا مختلفة وأساسية. السياق الذي أدى إلى الحرب متشابك، جزء منه جغرافي يرتبط بالصراع القديم حول السيطرة على مياه شط العرب، أو ما يسمى ايرانيا بـ”أروند رود”، وجزء آخر يتمثل في التوتر الذي ساد بعد الثورة والتصريحات التهديدية المتبادلة بين طهران وبغداد. كما سبق الحرب عناصر أخرى موترة منها العريضة التي تقدم بها عدد من النواب الإيرانيين، يتهمون فيها أميركا بتحريض الرئيس العراقي صدام حسين لمهاجمة إيران.

في 22 أيلول / سبتمبر من العام 1980، تجاوزت القوات العراقية الحدود مع إيران باتجاه إقليم خوزستان عبر المسالك الجبلية. لم يكن الإيرانيون مستعدون لهذه الحرب نظراً لخروجهم حديثاً من الثورة، والتسريحات التي شهدها الجيش الإيراني كسياق طبيعي بعد أي ثورة تقتلع نظاما حاكما.

ومع أن الولايات المتحدة الأميركية لم تكن على علاقة دبلوماسية مع العراق في بداية الحرب، وكانت تعتبر بغداد “دمية سوفياتية”، إلا أن الإمام الخميني عرّف تلك الحرب بأنها صراع ضد “الشيطان الأكبر”، وهو يعني الولايات المتحدة الأميركية. وهكذا دخلت إيران الحرب وفق هذا التوجه.

بحلول منتصف عام 1982، تحول زخم الحرب بشكل حاسم لصالح إيران. وكتب المحلل في وكالة المخابرات المركزية بروس ريدل أن “الجيش العراقي مني بسلسلة من الهزائم الكارثية، وقد تم إخراجه من إيران”. حينها خافت إدارة ريغان من أن الجيش الإيراني قد ينتقل عبر العراق إلى حقول النفط في الكويت والمملكة العربية السعودية. تخلت واشنطن تدريجيا عن سياسة الحياد. وفي شباط / فبراير 1982، أزيل العراق من قائمة وزارة الخارجية للدول الراعية للإرهاب لتخفيف القيود على نقل التكنولوجيا المزدوجة الاستخدام إليه. في آذار / مارس، وقع الرئيس رونالد ريغان مذكرة دراسة الأمن القومي تسعى إلى “مراجعة السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط”. وعملا بهذا التوجيه، وصل في 27 تموز / يوليو وفد استخباراتي أميركي إلى بغداد، ليشارك صور الأقمار الصناعية لوكالة المخابرات المركزية مع المخابرات العراقية حول تحركات القوات الإيرانية.

تمثل الدعم الأميركي للعراق أثناء الحرب العراقية الإيرانية في خمسة مسارات:

  • أولا: الدعم المباشر الاستخباراتي والمعلوماتي والعسكري.
  • ثانيا: الدعم من خلال حلفاء.
  • ثالثا: الدعم من خلال فرض حصار على إيران لعدم استيراد السلاح.
  • رابعا: السكوت عن استخدام العراق أسلحة كيميائية محرمة دوليا ضد القوات الإيرانية.
  • خامسا: التدخل المباشر لتعديل ميزان الحرب وأحيانا الهجوم المباشر على مواقع إيرانية.

عسكرياً، تدخّلت الولايات المتحدة مباشرة في عام 1987، بعد أن هاجمت الزوارق الإيرانية السرية ناقلات البترول لدول الخليج. فدمرت السفن الحربية الأميركية في نيسان / إبريل 1987 رصيفين بتروليين عائمين تابعين لإيران، وعندما تعرضت لها السفن الإيرانية أغرقت البحرية الأميركية 3 مدمرات وأصابت فرقاطتين إيرانيتين أخريين.

إيران – كونترا

خلال حرب الخليج الأولى، وفي خضمّ العمليات العسكرية، برزت فضيحة استخباراتية كادت أن تطيح بريغان. نشرت مجلة الشراع اللبنانية أول نبأ عن الفضيحة في تشرين الثاني / نوفمبر 1986، وتلت ذلك ثلاثة تحقيقات أجرتها لجنة شكلها البيت الأبيض برئاسة عضو مجلس الشيوخ عن ولاية تكساس جون تاور تلاها تحقيق ترأسه مدع اتحادي خاص.

باعت إدارة ريغان أسلحة إلى إيران، التي كانت بأمس الحاجة اليها في الحرب التي كانت تخوضها ضد العراق. مقابل ذلك، كان المطلوب من إيران إطلاق سراح مواطنين أميركيين خطفوا وأخذوا كرهائن في لبنان من قبل مجموعات مسلحة موالية لإيران. أما الأسلحة التي زودت إدارة ريغان إيران بها، فكانت بأسعار مرتفعة وحولت المبالغ الفائضة إلى قوات “الكونترا” التي كانت تحارب حكومة حركة ساندينيستا اليسارية الحاكمة في نيكاراغوا.

كان هذا العمل مخططاً كبيراً يخالف القانون الأميركي والسياسة الخارجية الأميركية في كل الأوجه. فقد كان بيع الأسلحة إلى إيران ممنوعاً بموجب القانون الأميركي آنذاك، كما كانت السياسة الأميركية تنص على تحريم دفع أي نوع من الفدى لخاطفي الأميركيين. كما كان ممنوعا تمويل قوات الكونترا بأكثر من الحد الأقصى الذي حدده الكونغرس.

وأدت التهم التي وجهها المدعي الخاص إلى تجريم عدد من مسؤولي إدارة ريغان، منهم مستشار الأمن القومي الأدميرال جون بويندكستر ونائبه المقدم اوليفر نورث. ولكن ريغان نفسه لم يواجه أي تهم، رغم اختلاف الآراء حول ما كان على علم به ومدى تورطه في الفضيحة.

بعيداً عن تفاصيل القضية في داخل كل من إيران وأميركا، كانت هذه الصفقة، رغم كل الشائعات التي رافقتها، سبباً في اهتزاز صورة أميركا في الشرق الأوسط. واشنطن، التي كانت تشد الخناق على طهران، هي نفسها القوة التي تساعد، سراً، إيران في الحصول على السلاح لمواجهة العراق.


إسقاط طائرة ركاب إيرانية

عام 1988 بعد تحرّك الحرس الثوري الإيراني، مدفوعاً بالثأر من الهزيمة التي منيت بها إيران في أهوار الأهواز على يد القوات العراقية، قامت زوارق بوغمار الإيرانية المسلحة بالتجمع كأفواج النحل حول ناقلة دنماركية كبيرة واستمرت في إطلاق الصواريخ عليها، إلى أن تدخلت فرقاطة أميركية. وفي المساء، أعطى رفسنجاني أول إشارة للقيادة الإيرانية بأن إيران قد تضطر لإيقاف الحرب.

في هذه الأثناء، انطلقت طائرة الركاب الإيرانية أ-300 ايرباص رحلة رقم 655 من مطار بندر عباس باتجاه دبي، وعلى متنها 290 راكباً، بينهم 66 طفلاً. قبل موعد انطلاق الرحلة بـ35 دقيقة، اشتبكت زوارق إيرانية مسلحة مع طائرات أميركية انطلقت من سفينتين أميركيتين، ما أسفر عن إغراق زورقين إيرانيين. إلا أن صاروخاً أميركياً من نوع كروز، أصاب الطائرة الإيرانية بعد إقلاعها ما أدى إلى سقوطها ومقتل من فيها. ومع ذلك، وبدل معاقبة الضابط الذي تسبب بإسقاط الطائرة، منح وساماً من البحرية الأميركية الأمر الذي تلقفته طهران بمرارة واستياء شديدين.

11 أيلول ومحور الشر

انتهت الحرب بين إيران والعراق بإعلان طهران القبول بالقرار الدولي، وبكلمات الخميني الشهيرة بتجرع كأس السم، إلا أن التوتر القائم بين أميركا وإيران لم ينتهِ. تمثّلت هذه المرحلة من المواجهة بفرض عقوبات قاسية على إيران. تميزت ولاية الرئيس أكبر هاشمي رفسنجاني بعقوبات أشد ضد إيران. وفي آذار/ مارس 1995، أصدر الرئيس بيل كلينتون الأمر التنفيذي 12957 الذي يحظر تجارة الولايات المتحدة في صناعة النفط الإيرانية. وفي أيار/ مايو 1995، أصدر الرئيس كلينتون الأمر التنفيذي 12959 الذي يحظر أي تجارة أميركية مع إيران. وانتهت التجارة مع الولايات المتحدة، التي كانت تنمو بعد انتهاء الحرب بين إيران والعراق فجأة.

وفي العام نفسه، أقر الكونغرس الأميركي قانون عقوبات إيران وليبيا (ILSA). وبموجب هذا الاتفاق، فإن جميع الشركات الأجنبية التي توفر استثمارات تزيد قيمتها على 20 مليون دولار لتطوير الموارد البترولية في إيران، ستفرض عليها اثنتين من أصل سبع عقوبات محتملة من قبل الولايات المتحدة.

بقي الوضع على هذا المنوال، حتى أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001. كانت هذه الأحداث سبباً بنشوء مصطلح “محور الشر”، الذي تردد أولاً على لسان الرئيس الأميركي جورج بوش في خطاب ألقاه بتاريخ 29 كانون الثاني/يناير 2002 ليصف به حكومات كل من: العراق، وإيران، وكوريا الشمالية.

بدأت “حرب أميركا على الإرهاب” من أفغانستان التي كان تنظيم القاعدة يتخذ منها منطلقا له. إلا أن لهذه الأحداث دوافع أخرى. “إن الحرب على أفغانستان كانت ستقع مع أو بدون أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، إلا أن هذه الأحداث كانت ضرورية لصياغة الجانب القانوني للحرب. فالولايات المتحدة وضعت بالقرارين 1368 و1373 الأطر الكافية للحرب العسكرية ضد أفغانستان وكانت القرارات في مجلس الأمن كلها بالإجماع”.

فرضت الحرب في أفغانستان على الأميركيين التواصل مع الإيرانيين. بدأت وزارة الخارجية الأميركية اجتماعات سرية مع دبلوماسيين إيرانيين في باريس في نهاية عام 2001 برعاية الأخضر الابراهيمي. لحق هذه اللقاءات اجتماعات إيرانية وأميركية بغطاء دولي، ما أعطى هذه الاجتماعات بعداً دولياً أطلق عليها اسم “قناة جنيف”.

هذا التعاون بين إيران وأميركا، سار على نحو أفضل مما كان متوقعاً. ركّزت تلك المحادثات على كيفية إسقاط حكم حركة طالبان وتشكيل حكومة أفغانية بعد رحيل الحركة.

هذه الإيجابية في العلاقات بين إيران وأميركا، انتهت في 3 كانون الثاني/ يناير 2002. في ذلك التاريخ، اعترض الإسرائيليون السفينة “كارين ايه” في المياه الدولية في البحر الأحمر. وأعلن المسؤولون الإسرائيليون أنهم وجدوا على السفينة أسلحة حملت كتابات تدل على انها من ايران، زاعمين قدومها من جزيرة كيش الإيرانية. هذه الحادثة بدّدت كل أفق الحوار الممكنة بين أميركا وإيران.
تبع تلك الحادثة، اتهامات أميركية لإيران بإيوائها عناصر من تنظيم القاعدة لاستخدامهم ضد القوات الأميركية في أفغانستان. كل هذه الأحداث، تبعها تصنيف طهران ضمن دول محور الشر، ما شكّل صدمة في طهران، خصوصاً بعد ما قدّمته طهران لأميركا في أفغانستان.

إحتلال العراق والتجربة الجديدة مع أميركا

بعد أحداث أفغانستان بدا واضحًا أن نية واشنطن كانت تغيير سياستها في الشرق الأوسط، ولا سيما بعد تصريح “محور الشر” الذي قدم مؤشرات صريحة بأن أميركا تتجه لتبني إجراءات حاسمة وعدائية في هذا السياق.

في 9 نيسان/ أبريل من العام 2003، احتلت القوات الأميركية بغداد، وأسقطت حكم صدام حسين، بعد قصف استمر لثلاثة أسابيع. الانتصار الأميركي طرح علامات استفهام حول مستوى ونوع العلاقة التي ستنشأ بين واشنطن وطهران، التي تمتلك حدوداً طويلة مع العراق. بالنسبة لطهران بدا الوجود الأميركي في العراق تهديدا لها، اذ شعرت بأنها أصبحت محاصرة من واشنطن.

أوصل الحرس الثوري الإيراني آلاف المقاتلين من فيلق بدر ممن قام الحرس نفسه بتدريبهم مع مقاتلين تابعين للحرس إلى العراق، لمواجهة الوجود الأميركي هناك. ورأى بعض المسؤولين الأميركيين أن “المتشددين في إيران أرادوا أن تظل الولايات المتحدة متورطة في الصراع بالعراق، لإعاقة أي اجراءات عسكرية أميركية ضد إيران. لقد تواجد الإيرانيون بقوة في البلاد. بنوا شبكات استخباراتية غير عملية، الهدف منها فقط جمع المعلومات”.

في ظل التخبط الأميركي في العراق، وجد الإيرانيون الفرصة سانحة لمد اليد إلى الولايات المتحدة. أعد الإيرانيون اقتراحاً شاملاً لصفقة ضخمة محتملة تعالج نقاط النزاع بينهما. بذلك، وضع الإيرانيون كافة أوراقهم على الطاولة وصرحوا عن كل ما يريدونه من الولايات المتحدة وعن الأشياء التي هم على استعداد لتقديمها.

رد واشنطن على المبادرة الإيرانية كان مفاجئاً، حتى أنه أذهل الدبلوماسي السويسري الذي عمل على خط المفاوضات. فبعد أن آثر وزير الخارجية كولن باول ومساعده ريتشارد أرميتاج تقديم ردّ ايجابي للإيرانيين بعد عرض الإقتراح على الرئيس، سارع نائب الرئيس ديك تشيني إلى وضع حد للمسألة بذريعة مدمّرة “لا تتحدثوا إلى الشر”. هذا الرد، أدى إلى انتهاء المبادرة حتى قبل ولادتها.

الاتفاق النووي الإيراني

توصلت إيران والقوى العالمية الست (أميركا، فرنسا، بريطانيا، روسيا، الصين وألمانيا) إلى اتفاق يجري بموجبه تقليص برنامج إيران النووي في مقابل تخفيف عقوبات مفروضة عليها. تعرف هذه الخطة باسم خطة العمل الشاملة المشتركة وهو مستند اتفاقية المراحل الأخيرة للنقاشات بين إيران حول برنامجها النووي.

الاتفاقية مبنية على اتفاق جنيف الابتدائي الخاص بالبرنامج النووي الإيراني، الذي كان اتفاقًا مؤقتًا أنشأ في 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2013، الذي فيه وافقت إيران على التخلي عن أجزاء من خطتها النووية مقابل رفع العقوبات المفروضة عليها. الاتفاقية المؤقتة فُعلّت على أرض الواقع في 20 كانون الثاني/ يناير 2014. لاحقًا واقفت أطراف النقاش على تمديد مدة المفاوضات، وتم تحديد أول موعد نهائي لها في 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 2014، ولكن لاحقًا، عندما وصلت الأطراف لهذا الموعد مع استمرار النقاشات، تم تمديد الموعد لغاية 1 تموز/يوليو 2015.

وافقت إيران في 2 نيسان/ أبريل 2015 على تنفيذ القيود المفروضة على برنامجها النووي على الأقل لعقد من الزمن، وعلى الموافقة على التفتيشات الدولية لمراقبة تنفيذ الاتفاقية. بالمقابل، تُرفع العقوبات الدولية في حال تقيِّد إيران بالشروط. ووافقت أيضاً إيران في مفاوضاتها مع مجموعة (5+1)، على تخفيض عدد أجهزة الطرد المركزي التي تستخدمها في تخصيب اليورانيوم من 19 ألف جهاز إلى 6104، وستقوم بتشغيل 5060 منها فقط، بموجب الاتفاق. وفي 15 كانون الثاني/يناير 2016 دخل الاتفاق النووي الموقع بين طهران والدول الكبرى حيز التنفيذ، ليبدأ بالتبعية رفع العقوبات الاقتصادية التي كانت قد فرضت على طهران منذ العام 1979.

شكّل هذا الإتفاق الأمل عند البعض، من انتهاء حقبة طويلة من الصراعات في المنطقة، خصوصاً بين أميركا وإيران في عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما. إلا أن انتخاب دونالد ترامب رئيساً لأميركا في 20 كانون الثاني/ يناير من العام 2017، أطاح بكل هذه الآمال.


الانسحاب الأميركي من الاتفاق وسياسة الضغط الأقصى

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 8 أيار/ مايو 2018 رسمياً خروج بلاده من الاتفاق النووي مع إيران. ووصف ترامب خطة العمل المشتركة بأنها ليست اتفاقاً، وأميركا لا تستطيع تنفيذها أو العمل بها، معلناً فرض عقوبات جديدة على إيران. ووصف هذا الاتفاق بأنه من جانب واحد وخطير وكان يجب أن لا يحدث.

الخطوة الأميركية الأحادية، شكلت إعلانا صريحا لبدء فصل جديد من التوتر بين واشنطن وطهران، واقترابها من حافة الهاوية. قدمت إيران في 16 تموز/ يوليو 2018 شكوى أمام محكمة العدل الدولية ضدّ الولايات المتحدة احتجاجا على إعادة فرض عقوبات أميركية عليها بعد خروج الأخيرة من الاتفاق النووي. واتهمت إيران خلال الشكوى الولايات المتحدة بأنها تفرض حصاراً إقتصادياً بموجب إعادة العقوبات الاقتصادية عليها.

نظرت محكمة العدل الدولية في 27 آب/أغسطس 2018 في الدعوى واستمرت الجلسات الشفهية. وفي 3 تشرين الأول/أكتوبر 2018 أصدرت محكمة العدل الدولية قرارها في الشكوى وأمرت الولايات المتحدة برفع العقوبات التي تستهدف السلع “ذات الغايات الإنسانية” المفروضة على إيران، كما أمرت ألا تؤثر العقوبات على المساعدات الإنسانية أو سلامة الطيران المدني.

انتهجت أميركا سياسة “الضغط الأقصى” تجاه إيران، ووضعت 12 شرطاً، أعلنها وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو، للعودة للاتفاق النووي. رفضت إيران هذه الشروط، وأعلنت بدورها عن خطة تدريجية، لتخفيض الإلتزامات بالإتفاق النووي.

هذا التوتر بين الطرفين، ترجم عملياً في حزيران/يونيو 2019، حين أسقط الدفاعات الجوية الإيرانية طائرة أميركية من دون طيار، بسبب اجتيازها الحدود الجوية الإيرانية، حسب تبرير طهران. ولحق ذلك استهداف للمنشآت النفطية التابعة لشركة أرامكو السعودية.

هذه الأحداث، رفعت مستوى التوتر بين واشنطن وطهران، إلا أن بداية عام 2020، كان انطلاق اجتياز الخطوط الحمر بالنسبة للطرفين.

اغتيال سليماني

في الثالث من كانون الثاني/يناير 2020، أغارت طائرات أميركية من دون طيار على موكب بالقرب من مطار بغداد الدولي. في اللحظات الأولى للإنفجار، لم يعرف من المستهدف. لكن بعد ساعات من الحدث، أعلن الحشد الشعبي والحرس الثوري الإيراني أن المستهدف كان قائد قوة القدس بالحرس قاسم سليماني. أعلنت الولايات المتحدة على لسان رئيسها دونالد ترامب مسؤوليتها عن العملية.

على مدى ثلاثة أيام، شهدت عدة مدن إيرانية وعراقية جنازة لسليماني ومن معه. وفي 8 كانون الأول/يناير 2020، شنت إيران هجوماً صاروخياً على القواعد الأميركية في العراق ردا على اغتياله، حيث استهدفت قاعدة عين الأسد في محافظة الأنبار العراقية بعشرات صواريخ أرض- أرض، في أول رد إيراني على اغتيال سليماني. تبع عملية الإغتيال، رفع مستوى التهديدات بين واشنطن وطهران، إلا أنها لم تصل إلى مرحلة المواجهة، في ظل عدم اتخاذ أي من الجانبين قراراً لبدء المواجهة.

في النصف الثاني من ذلك العام، بدأت إسرائيل بتطبيع علاقتها مع بعض الدول العربية، برعاية ترامب. هذا التطبيع، قرأته إيران على أنه تهديد لها، ومحاولة لمحاصرتها في المنطقة. ورغم عدم توجيه أي من الدول المطبعة تهديدات لإيران ضمن الحلف الجديد، إلا أن طهران حذّرت تلك الدول من أن أي خطر يصدر من تلك الدول على أمنها القومي سيواجه بالرد.

بقي التصعيد مستمراً، حتى نهاية العام، حيث اغتيل العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده. وجّهت أصابع الإتهام مباشرة إلى الموساد الإسرائيلي، ومن خلفه الإدارة الأميركية. حينها قرّرت إيران التخلي عن كل التزاماتها النووية، والمضي قدماً في مشروع قانون كان قد وضعه البرلمان تحت عنوان “خطة رفع العقوبات”. وبدأت منذ حينها رفع مستوى التخصيب إلى 20% وهي النسبة التي كانت طهران قد وصلت اليها في العام 2010.

منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979 وحتى اليوم، لم تشهد العلاقات بين واشنطن وطهران، أي استقرار، باستثناء بعض المحطات الإستثنائية التي سرعان ما اندثرت الآمال فيها

اليوم، وبعد فوز جوزيف بايدن بالإنتخابات الرئاسية الأميركية، تستمر إيران برفضها التنازل عن “حقوقها” كما تصفها، وترفع سقف مطالبها، بحثاً عن تسوية ترضي جميع الأطراف، تتمثل كخطوة أولى برفع العقوبات، والعودة إلى الإتفاق النووي السابق.

منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979 وحتى اليوم، لم تشهد العلاقات بين واشنطن وطهران، أي استقرار، باستثناء بعض المحطات الإستثنائية التي سرعان ما اندثرت الآمال فيها. سرد تلك الأحداث التاريخية، يظهر أن شيئاً ينقص أي تسوية بين الطرفين. ما كان ينقص دائماً هو الثقة.

لم تجد واشنطن وطهران الثقة المفقودة بينهما على مدى 42 عاماً. في كل مرة اقتربتا من الوصول إلى حل ينهي خلافات الماضي، أو ينظّمها في الحد الأدنى من دون عداء مباشر، تطوف خلافات جديدة على سطح العلاقات بينهما. هكذا، وبعد 42 عاماً من العداوة بين البلدين، هل يجد الرئيس المنتخب جو بايدن، الطريق نحو إعادة الثقة بين الطرفين؟ إنها مسألة وقت قد يطول كي يعرف العالم الإجابة.

جاده ايران واتساب
للمشاركة: