موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة20 يناير 2021 06:38
للمشاركة:

مجلة “بروكسل تايمز” البلجيكية – إيران وإسرائيل: الحرب التي لا مفر منها

تناولت مجلة "بروكسل تايمز" البلجيكية، في مقال لعضو اللجنة الأكاديمية لقسم التاريخ في الجيش الإسرائيلي والخبير في الاستراتيجيات الإسرائيلية إفرايم عنبار، موضوع البرنامج النووي الإيراني والنظرة الإسرائيلية له. حيث توقع الكاتب أن "تسمح إسرائيل لبايدن بفرصة إعادة التفاوض بشأن الاتفاق النووي وتلبية الحد الأدنى من الشروط الإسرائيلية للتوصل إلى اتفاق جيد"، مشيراً إلى أنه من أجل عكس صعود إيران في الشرق الأوسط، ومنع انتشارها النووي وإحباط تطويق إسرائيل من قبل وكلاء إيران، ستبقى الإجراءات الوقائية العسكرية مطروحة على الطاولة، حسب تعبيره.

أعلنت الحكومة الإيرانية في 4 كانون الثاني/ يناير أنها استأنفت تخصيب اليورانيوم إلى 20 في المائة في منشآتها النووية تحت الأرض في فوردو، في خطوة مهمة يمكن أن تقصر الوقت الذي سيستغرقه تطوير قنبلة نووية.

في 20 كانون الثاني/ يناير، سيبدأ الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن رئاسته، بوجود نية لديه بالتفاوض مع إيران والتوصل إلى اتفاق نووي جديد. في حين أن استراتيجية التفاوض الأميركية مع إيران ليست واضحة بعد، فإن فرصها في تحقيق صفقة قد تهدئ مخاوف إسرائيل من إيران ضئيلة. التطورات في طهران وواشنطن تجعل الضربة الاستباقية الإسرائيلية على المنشآت النووية الإيرانية أكثر احتمالاً.

مخاوف إسرائيل من إيران هي نتيجة مساعي إيران للهيمنة على الشرق الأوسط وسعيها لامتلاك قنبلة نووية. تعتقد القيادة الدينية في جمهورية إيران الإسلامية أن الدولة اليهودية ليس لها الحق في الوجود وأن إسرائيل إما ستذبل تحت الضغط العسكري أو تُباد عندما تكون ضعيفة وهشة. يعزز العداء الديني لإيران تصور إسرائيل بوجود تهديد وجودي من إيران.

استفادت القيادة في إيران من ضعف الدول العربية لتهديد إسرائيل من لبنان وسوريا والعراق وغزة، من خلال تمويل وتدريب وكلاء تدعمهم إيران. حتى أن إيران نجحت في تسليح الحوثيين البعيدين في اليمن بصواريخ بعيدة المدى لتستهدف إسرائيل. كما تهدد الميليشيات الشيعية في العراق وسوريا الأردن، ما يعني تطويق إسرائيل من كل الجهات.

إن تطويق إسرائيل بوكلاء يمتلكون عددًا لا يحصى من الصواريخ ضد المراكز السكانية الإسرائيلية والمنشآت الاستراتيجية وتشكيل “حلقة النار” هو شرط ضروري لإضعاف الدولة اليهودية وتحييد تفوقها الاستراتيجي وتحقيق الهيمنة الإقليمية.

تجاهل المجتمع الدولي إلى حد كبير سلوك إيران الإقليمي. استفادت إيران من السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. قوّضت الولايات المتحدة ميزان القوى في الخليج، وقوّت إيران. لقد دمرت نظام صدام حسين دون أن تكون قادرة على تشكيل حكومة قوية خلفاً له.

علاوة على ذلك، فإن قرار الرئيس دونالد ترامب سحب القوات الأميركية من شمال شرق سوريا في ربيع عام 2019 يشير إلى نوايا أميركية لمغادرة الشرق الأوسط وتحسين فرص إيران في إقامة “ممر شيعي” من إيران عبر العراق وسوريا إلى البحر الأبيض المتوسط.

في غياب مظلة أمنية أميركية ذات مصداقية، شعرت معظم الدول العربية السنية بالرعب من التقدم في البرنامج النووي الإيراني ومن نجاحات وكلائها. أدى هذا التصور الشديد للتهديد إلى حدوث تفاهم مع إسرائيل كان يُنظر إليه على أنه القوة الوحيدة القادرة والمستعدة لوقف إيران. كما أدركت إيران أن إسرائيل هي الحاجز العسكري الرئيسي أمام تطلعاتها للهيمنة. وبذلك أصبحت إسرائيل بالنسبة لإيران لعنة استراتيجية ودينية.

على الرغم من أن المشروع النووي الإيراني يهدف في المقام الأول إلى ردع الغزو وضمان بقاء النظام، إلا أنه أثار مخاوف كثيرة في المنطقة. وبالفعل، فإن برنامج إيران النووي إلى جانب أنظمة التوصيل بعيدة المدى، المنتجة محليًا، يهدد جميع دول الشرق الأوسط وما وراءها. علاوة على ذلك، يكسر الاحتكار النووي الإسرائيلي في المنطقة، ويعطي إيران فرصة أفضل لتحقيق الهيمنة.

إن وجود إيران المسلحة نووياً سوف يولد انتشاراً نووياً في المنطقة المجاورة. من غير المرجح أن تنظر دول الشرق الأوسط، التي تظهر دائمًا تصورات عالية عن التهديد، بلا مبالاة إلى إيران نووية. الردع الأميركي، خاصة هذه الأيام، ليس ذا مصداقية في الشرق الأوسط، مما يعزز المحاولات الحالية لمواجهة النفوذ الإيراني من خلال تبني مواقف نووية مماثلة.

تنظر إسرائيل إلى شرق أوسط نووي متعدد الأقطاب بخوف. إن تحقيق ردع مستقر مع دولة شرق أوسطية معادية مسلحة نوويًا أمر مشكوك فيه للغاية. مع وجود أكثر من واحد فهو كابوس. تشعر إسرائيل بأنها عرضة لهجوم نووي بسبب مساحتها الصغيرة، على بعد مسافة قصيرة فقط من خصومها. إن احتمالية وقوع حوادث أو عمليات إطلاق غير مصرح بها أو حسابات خاطئة أو انهيار النظام في المنطقة أعلى بكثير مما هي عليه في أجزاء أخرى من العالم.

التعصب الديني المنتشر في الشرق الأوسط يقلل من الحساسية تجاه التكلفة. وبالفعل، فقد أعرب القادة الإيرانيون عن استعدادهم لخسارة الملايين من أجل القضاء على الدولة اليهودية. يتفاخرون بثقافة الجهاد والاستشهاد.

تعارض إسرائيل التعدي الإيراني. لذلك، بدأت إسرائيل حربًا محدودة لعرقلة المحاولات الإيرانية لتحويل سوريا والعراق إلى منصات إطلاق صواريخ ومسار آمن لشحنات الصواريخ إلى حزب الله.

في موازاة ذلك، واصلت إسرائيل عرقلة سرّية لبرنامج إيران النووي. كما يبدو أن انفجار حزيران/ يونيو 2020 في نطنز وإقصاء العالم النووي الكبير محسن فخري زاده في تشرين الثاني/ نوفمبر 2020 يشير إلى ذلك.

عندما تصبح هذه الأفعال غير فعالة، سيتم استخدام ضربات جوية لتدمير المنشآت النووية. في عام 1981، تم هدم مفاعل نووي عراقي. مصير مماثل كان ينتظر المفاعل السوري في عام 2007. استباق التهديد الناشئ هو جزء لا يتجزأ من التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي.

أزالت إيران القيود المفروضة على تخصيب اليورانيوم، واختصرت وقت الوصول للقنبلة النووية. في الواقع، أصدرت المخابرات الإسرائيلية تقديرًا في تشرين الأول/ أكتوبر 2020 بأن إيران سيكون لديها ما يكفي من المواد لصنع قنبلة نووية خلال عام. بالنظر إلى الازدواجية الإيرانية في سلوكها النووي، قد يكون هذا الوقت أقصر.

لسوء الحظ، لم يكن للعقوبات الدبلوماسية والاقتصادية حتى الآن سوى تأثير محدود على مشروع إيران النووي. مهما كانت الجهود المبذولة “لتغيير النظام”، فقد باءت بالفشل، مما رفع الخيار العسكري. يبدو أن واشنطن تتجنب المواجهة العسكرية.

إذا تُركت بمفردها وبعد أن أدركت أن الوسائل السرية قد استنفدت فائدتها، فستنظر إسرائيل بجدية في القيام بعمل عسكري، لا سيما عندما يتزايد إدراكها للتهديد. من غير المرجح أن يتجاهل شعب له تاريخ طويل من الاضطهاد والمحرقة تهديدات الانقراض.

يُنظر إلى تطلعات إيران النووية في إسرائيل على أنها تهديد وجودي، مما يضفي الشرعية المحلية على العمل العسكري ضد إيران. على الرغم من العقبات العديدة التي تحول دون نجاح المهمة، يبدو أن الجيش الإسرائيلي قادر على تنفيذها. يكرر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو باستمرار وبشكل قاطع أن إسرائيل لن تسمح لإيران بأن تصبح قوة نووية.

من المؤشرات على المزاج الإسرائيلي الخطاب الحازم الذي ألقاه رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، الجنرال أفيف كوخافي، في 25 كانون الأول/ ديسمبر 2019. وخص إيران ووكلائها باعتبارهم التهديد الرئيسي لإسرائيل، مضيفًا أن الجيش يستعد لصدام حتمي بين إسرائيل وإيران.

كما ألمح كوخافي إلى تقاعس دول الخليج والولايات المتحدة في مواجهة الضربات الإيرانية على المنشآت والسفن النفطية. وقال “سيكون من الأفضل لو لم نكن وحدنا”. كما أنشأ كوخافي مديرية جديدة لمواجهة التهديد الإيراني.

قد تضرب إسرائيل أيضا لمنع عودة إيران إلى طاولة المفاوضات. قد تعود إيران إلى استراتيجية “الحديث والبناء” لكسب الوقت، والاستفادة من تردد الغرب في التصعيد. إن المساومة التي يتفوق فيها الإيرانيون، والتنازلات المؤقتة تؤجل الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية، والأهم من ذلك الضربات العسكرية الوقائية.

قد تضرب إسرائيل مبكراً وليس آجلاً لمنع تحسينات إضافية في الإجراءات الدفاعية لإيران حول منشآتها النووية. على سبيل المثال، زودت روسيا إيران بنظام دفاع جوي من طراز S-300 في عام 2016 (بعد توقيع خطة العمل الشاملة المشتركة)، في حين ظل نظام S-400 الأكثر تقدمًا على قائمة التسوق الإيرانية.

مع ازدياد قوة إيران في المنطقة، قد تصبح إعادة توجيه السياسة الخارجية تجاه طهران أكثر جاذبية لدول الخليج. قد يؤثر هذا التقارب مع إيران بعد ذلك على الأردن ومصر (اللتين تربطهما معاهدات سلام مع إسرائيل)، مما يزيد من عزلة إسرائيل في المنطقة. وبالتالي، فإن استعراض القوة الإسرائيلي سيبقي الدول السنية متحالفة مع إسرائيل.

تشكل الترسانة النووية الإيرانية ضمانًا لبقاء النظام وهي مهمة لتحقيق الهيمنة الإقليمية. وبالتالي، من غير المعقول أن يتخلى النظام عن السعي وراء القنبلة، إلا إذا أجبروا على ذلك. إن حقيقة أن المتشددين وحدهم يخوضون الانتخابات الرئاسية في حزيران/ يونيو 2021 بالكاد يؤيد ظهور موقف تفاوضي إيراني معقول مقابل إدارة بايدن. لا يزال تغيير النظام غير مرجح في المستقبل القريب. المجتمع الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة، ليس لديه شهية للمواجهة العسكرية مع إيران.

في المقابل، تشعر إسرائيل بالتهديد الشديد، مما يترك لها خيارًا للتصرف وفقًا لغرائزها الوجودية. لفترة من الوقت، من المحتمل أن تسمح لبايدن بفرصة إعادة التفاوض بشأن الاتفاق النووي وتلبية الحد الأدنى من الشروط الإسرائيلية للتوصل إلى اتفاق جيد. من أجل عكس صعود إيران في الشرق الأوسط، ومنع انتشارها النووي وإحباط تطويق إسرائيل من قبل وكلاء إيران، ستبقى الإجراءات الوقائية مطروحة على الطاولة.

إن المعلومات والآراء المذكورة في هذه المقالة المترجمة لا تعبّر بالضرورة عن رأي جاده إيران وإنما تعبّر عن رأي كاتبها أو المؤسسة حيث جرى نشرها أولًا

المصدر/ مجلة “بروكسل تايمز” البلجيكية

جاده ايران واتساب
للمشاركة: