موقع متخصص في الشؤون الإيرانية

السلسلة القصصية الإسبوعية المترجمة: “شاهي”

للمشاركة:

كانت جاده إيران مستمرة معكم على مدار عدة أسابيع في نشرها لمختارات مترجمة من المجموعة القصصية القصيرة “آدم ها” للكاتب الإيراني احمد غلامي، واليوم تصل بنا الزميلة ديانا محمود إلى القصة الختامية في هذه السلسلة والتي رسم فيها الكاتب بجرأة كبيرة الآثار الاجتماعية التي نتجت عن صراع التيارات السياسية في إيران بعد انتصار الثورة.

جاده ايران- ترجمة/ ديانا محمود

كان “شاهي” من الحزب الشيوعي الإيراني “توده”، وأُعدم مع بداية الثورة الإسلامية في مدينة لم تتجاوز حالات الإعدام فيها عدد أصابع اليد. كان سيء الحظ حتى إن اسم عائلته* لم يجلب له الخير. كنا جيرانهم في نفس الحارة، لم يكن بيتنا بجوار بيتهم تماماً بل كانت هناك مسافة قصيرة تفصل بيننا، لكن هذه المسافة لا تُحتسب أبداً في المدن الصغيرة فالجميع جيران. تعرفت على عائلة “شاهي” عندما رأيت أباه وقد اشترى شتلة عنب وحملها معه إلى البيت ليزرعها، رأيته في مدخل الحيّ وقلت له : (إنشالله بتحمل خير)، رفع “شاهي” الأب رأسه وقال لي ( إنشالله). في مدينتنا الصغيرة هناك باحة وحديقة في كل البيوت، فيها بركة ماء وعدة أشجار من الرمان والعنب والتين، هذا هو الطابع العام لبيوت المناطق شبه الجافة. والناس في المدينة كانوا يعتقدون إن أشجار الكرمة إما أن تكون بشارة خير لصاحبها أو نذير شؤم. على الرغم من أنني لم أكن من أهالي المدينة الأصليين إلا أنني كنت أُحبها جداً، كان أبي عسكري مجبور على التنقل، فيأمرونه دائماً بالذهاب من هذه المدينة إلى تلك ومن هذه القرية إلى غيرها، وهو بدوره يأمر أمي فنجمع متاعنا لنرحل معه. لذلك لم يكن لدينا مكان نستقر فيه مثل شتلة عنب السيد “شاهي” التي لم تكن جذورها قد نمت بعد لتعطي حصرم ويصبح بدوره عنباً، حتى نزع غصنها الطري وهو غارق في الدموع وسط عائلته ليدفن ابنه مكانها.
“شاهي” الابن كان معلماً في المدرسة وشاب هادئ خجول يرتدي نظارة طبية، مظهره يشبه شكل أغلب الشباب اليساري المعروف لدينا. وصحيح أنه كان ينتمي لحزب “توده” إلا أنه لم يكن ينفذ أوامر الحزب ولم يساهم أبداً في الاضطرابات التي ملأت الشوارع آنذاك. ولو حذفنا عن اسمه صفة الحزبي لما تغير شيء في معرفتي بالشاب، فـ “شاهي” هذا كان فقط يقرأ الكتب ويعطيها للآخرين، وكتبه لم تُختصر بتلك المتعلقة بالعقائد الحزبية والسياسية بل شملت جميع الكتب، وأفضل صفة يمكن أن نطلقها على “شاهي” هي رفيق الكتاب، مع أنه لم يكن من أصحاب الكتب السماوية. وفي طريقه إلى المدرسة أو في طريق عودته إلى البيت لم يكن شاهي يرفع رأسه أو ينظر إلى أحد، كان أشبه بالخجول الهارب، يذكرني الآن بشباب حزب الله، عندما كان يتحدث مع الجنس الآخر كان يخفض نظره ويعلوه الخجل حتى يحمر لون أذنيه. مع أننا كنا نعرف أنه مثقف ودائم القراءة إلا أنه لم يقم أي علاقة مع شباب الحي ولم يعِر كتبه لأي أحد منا حتى لا نسبب له المشاكل. كنت أرغب دائما في أن أستوقفه وأتبادل معه أطراف الحديث، لأعرف ماذا يدور في رأسه، لكنه كان يرد سلامي باختصار ويمضي سريعاً كي لا يفتح لي مجالاً للحديث. ربما كان يُدرك أنني أبحث عن سبب للكلام، لذلك كان حريصاً في تعامله معي. كان يتصرف مثل شخص مريض لا يرغب في نقل العدوى إلى أحد، طبيعته المهذبة جعلته يَسْلَم من بعض الشباب المتدينيين ويكسب محبتهم، إلا أن هذا المعيار لم يكن عاماً فأهل المدينة من المسلمين متدينون وتقليديون وكان لهم موقفاً متطرفاً منه، فأُميّ كانت تحذرنّي من الاقتراب منه أو مصافحته فهي ترى أن الشيوعيين ملحدون أنجاس.
لكن اعتقال “شاهي” ووضعه في السجن فترة من الزمن قبل الحكم عليه بالإعدام شكل لي أكبر حدث جلل في حياتي.
فعندما أحضروه في التابوت خطر في ذهني أنني لم أتمكن من الحديث معه أبداً والآن أصبح الأمر مستحيلاً، وبمجرد دخول التابوت إلى الحيّ كانت دموع عائلته وحيدة بين جموع الناس الذين أبدوا أسفهم على المعلم الشاب وكيف أوقع نفسه في هذه الورطة، وربما لم تكن جزائه برأيهم. مشينا خلف التابوت، لم نكن كُثر، فقد كنا قلة من أهل المدينة وعائلته والجميع كان يُحدق بنا من بعيد. وعندما وصلنا إلى المقبرة تصدى لنا حشد من أهل المدينة كانوا قد تجمعوا قبل وصولنا، وضع التابوت على الأرض إلا إن الجموع رفضت أن يدفن في المقبرة كانوا يقولون: (لا يدفن كافر في مقابر المسلمين).
ما قالوه صحيح، “شاهي” لم يكن مسلم ولم يؤمن بالله حتى، لو دفن في مقبرة المسلمين ستتعذب أرواح بقية الموتى، رفعنا جثمان “شاهي” عدة مرات وأعدناه دون فائدة لم يسمحوا لنا بدفنه في أي مكان. عائلة “شاهي” توقفت عن البكاء في هذه الأثناء فجثمان ابنهم على الأكتاف ويجب أن يدفن، هذه الحقيقة المرّة زادت الأوضاع صعوبةً والجميع كان يبحث عن حل حين صرخ “شاهي” الأب: (رجّعوا ع البيت رح ادفنوا ببيتي)، هذا الاقتراح حظي بموافقة الجميع وأراح مجموعة الشباب المتديّن الذين حاول الناس دون فائدة إقناعهم ليتراجعوا عن موقفهم ويسمحوا بدفن جثمان المعلم. اتجهت الجنازة نحو المنزل وتفرقت الجموع، ولحقتُ مع الآخرين خلف الجنازة.
ربما لم يرغب “شاهي” المعلم في الانفصال عن عائلته بهذه السرعة، فافتعل أمراً ما ليبقى في المنزل.
وضعوا التابوت قرب بركة الماء، خلع السيد “شاهي” جذور شتلة العنب بعينيه الحمراوتين وقال: (هالشتلة ما شفنا عَ وجها الخير)، ورماها بعيداً في البركة أمام جثمان ابنه، وقبل أن يُحفَر نصف القبر دخل إلى البيت السيد يحيى كبير شباب المسجد مع بعض إخوانه، ووقفوا أمام الجثمان وبدأوا بتلاوة القرآن فانفجر الجميع بالبكاء ليملأ صوت النحيب أطراف الحيّ، أمّا أنا فقد كنت أُحدّق بوجه “شاهي” الأب الذي غطته لحية قصيرة شائكة كالصبار تعبرها قطرات الدموع.

*اسم عائلته “شاهي” يعني الملكي

جاده ايران واتساب
للمشاركة: