موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة18 ديسمبر 2020 12:15
للمشاركة:

اغتيال فخري زاده: مَنْ يَفرض تعريف العنف ما بعد النيولبيرالي؟

ثلاث ملاحظات وثلاثة أسئلة

هناك تقليد مديد من الاغتيال السياسي داخل الولايات المتحدة الأميركية انتهى تقريباً مع أواخر الستينات، حتى أن اغتيال المشاهير غير السياسيين كان شائعاً. لكن مع تحولات النيوليبرالية، رُمي بثقل النظام على كاهل المواطن العادي بدل الدولة ورموزها، وبدل الاغتيال كثقافة اعتراض وتقليد أميركيَّين بات لدينا ظاهرة أميركية مستجدة لم تكن معروفة قبلاً، القتل العشوائي “mass shootings” (حيث يَدخل فردٌ مسلّح إلى مدرسة أو مكان عام ليَفتح النار ويَقتل عشوائياً)، كتمثيل لهذا الانجراف البنيوي النيوليبرالي في مفهوم السلطة وإعادة موضعة العنف.

خلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي لم تكن هناك عمليات أمنية لاغتيال مسؤولي البرامج التكنولوجية والسياسية وحتى العسكرية من الطرفَين؛ كان التجنيد الأمني هدفُه جمع المعلومات (على أنواعها) عن الطرف الآخر ومحاولة زرع أفراد موالين في المناصب العليا للنظام السياسي الخصم. في تلك الحقبة، كانت الاغتيالات شكلاً من أشكال العنف الكثيرة والفوضوية الخاصة بالعالم الثالث، وليست الشكل المركزي، وبالتأكيد ليست الشكل الذي تُفرَد له وحدة خاصة محترفة عليها يَعتمد التخطيط السياسي. أما جانب الحرب النفسية بين قطبَي الحرب الباردة فكان متركّزاً حول السباق التكنولوجي وطريقة تقديمه: بعد سبوتنيك مضى السوفيات في تقليدٍ روسي قديم يقضي بصناعة أضخم الأشياء (القنبلة الأضخم وطائرة النقل الأضخم…) مع ما تمثّلها من تحديات هندسية وعلمية، والأميركيون بدورهم أرادوا كمثال أن يفجّروا قنبلة نووية على سطح القمر تكون من الضخامة بحيث يمكن لسكان الأرض رؤية انفجارها بالعين المجردة.

هناك حضور قوي في معظم الأجهزة الأمنية لمعاداة المثقفين والباحثين (anti-intellectualism)، ليس لأسباب جوهرانية أو سيكولوجية، بل لأنهم بعد الحرب العالمية الثانية شَكّلوا سرداً بديلاً أو موازياً لرواية الأجهزة الأمنية عن العالم. الأجهزة الأمنية كمؤسسة مستقلة عن الشرطة هي ابتكار حديث نسبياً (من الممكن أن تزول وتُستبدَل بنمط جديد من المؤسسات بحسب التحولات التاريخية، فحتى قبيل الحرب العالمية الثانية كان العمل الأمني السياسي منبوذاً ويُفهَم على أنه يختصّ بالأنظمة الديكتاتورية)؛ الأجهزة الأمنية هي بنت المشترَكات المفهومية بين العدوّين الأميركي والسوفياتي، وعليها استقامت الحرب الباردة وباتت ممكنةً. لا يمكن الصراع بين طرفَين لا يَجتمعان على مفهوم واحد للقيمة، ومقياس موحّد للتفوّق والانتصار.

إذاً الاقتصاد السياسي (بالمعنى الأشمل) للاغتيال ليس بديهياً، بل هو تاريخاني، ولا تستقيم فعاليته التاريخية إلا بتوافق مفهومي ضمني بين طرفَي الصراع. بمعنى، أنه يمكن تصوّر أجهزة أمنية ذات اقتصاد مختلف وانشباكات مؤسساتية مختلفة، واغتيالات من نوع آخر (تاريخ صعود وهبوط عمليات خطف الطائرات باعتبارها شكلاً رئيسياً للنضال هو أحد أمثلة تاريخانيةِ العنف وتبدُّل مفهوم القيمة المرتبط بممارسته). ومع الدعوة المستجدة خلال الأشهر الماضية إلى إنهاء ميزانية الشرطة “defunding police” في الولايات المتحدة بعد احتجاجات حركة “Black Lives Matter” يبدو أننا على مشارف إعادة تعريف العنف الفعّال (سيَشمل بالتأكيد إعادةَ تعريف الاغتيال الفعّال)؛ إعادةُ تعريف يَفرضها تفكّك النظام السياسي العالمي الذي أرسته النيوليبرالية (وتوزيع أشكال العنف فيها) بعد أزمة 2008 (هناك أبحاث أكاديمية كثيرة تَصدر في هذا الاتجاه، معتبرةً أن إصلاح الشرطة مستحيل، وأن كل محاولات الإصلاح السابقة كانت تؤدي إلى المزيد من عنف الشرطة).

  • وهكذا تَبرز عدة أسئلة. لماذا يبدو العمل الأمني الإسرائيلي شديد التمحور حول فكرة الاغتيالات؟ هل يَعمل حزب الله وفق نفس المنهج الأمني الإسرائيلي إنما من موقع العدو؟ وقبل ذلك، كيف أصبح برنامج إيران النووي شأناً إسرائيلياً؟

قد يكون التركيز الإسرائيلي على فكرة الاغتيال مرتبطاً بتقصّي واعتقال ومحاكمة ثم قتل النازيين الهاربين بعد الحرب العالمية الثانية. فهذا العمل الرمزي تزامن مع تأسيس دولة إسرائيل، وهو ما يَمنح النظام الإسرائيلي شرعيته بالنسبة للإسرائيليين. اللافت في الحالة الإسرائيلية أن هذه المؤسسة الأمنية المخصصة للاغتيالات بدأت بتعقّب أعداء لم يعودوا يشكّلون خطراً على الأمة المفترَضة، وهذه نشأة فريدة، كما لو أنها نشأة قانونية- حقوقية. لكن الأمر مؤسساتي بالدرجة الأولى: مؤسسة أمنية تَنشأ في لحظة بناء قومي وتتّخذ رمزيةً ما، ثم لاحقاً وبدل أن تزول مع زوال الداعي لها (لم يعد هناك نازيون لتعقّبهم واعتقالهم ومحاكمتهم ثم قتلهم) تتحوّل إلى مركز لمشاريع سياسية جديدة مستفيدةً من الشرعية التي حقّقتها في المرحلة الأولى، فيؤقلم الإستابلشمنت نظامهم المفهومي مع محددات وشروط هذه المؤسسة الأمنية الخاصة. قيام وحدة أمنية إسرائيلية بعمليات للحصول على مستلزمات طبية (PPE) خلال أزمة كوفيد19 والطريقة المسرحية التي غطّى فيها الإعلام الإسرائيلي هذه الوحدة ونشاطها هي مثال على ذلك: مؤسسة تَبتكر لنفسها أدواراً في غير مجالها وتَفرض على المؤسسات المتلقية أقلمة مشاريعها مع ما يتوافر لديها من أدوات وقاعدة معلومات راكمتها قبلاً. لكن هذه المؤسسة المركزية وفي مرحلة متقدمة تَبدأ باستنزاف النظام وتجويفه فيما هو يَعتقد أنها تفيده لأنه ببساطة لا يَملك غيرَها نظاماً رمزياً.

إلا أن العدو (في هذه الحالة هو حزب الله)، ولمعرفته بأن الاغتيالات التي تنفّذها هذه الوحدات الأمنية تَمنح الشرعية للنظام في إسرائيل، فإنه يسعى إلى تفكيك النظام الرمزي لهذه المؤسسة من خلال الردّ بالمثل. ومع مرور الوقت يصبح الطرفان أكثر تشابهاً من حيث تعريفهما للقوة والقيمة. موقع الجهاز الأمني داخل منظومة حزب الله وإسرائيل متشابهان إلى حد كبير، وكذلك منهجيتهما. فكرة تفجير سفارة إسرائيلية في مكان ما أو اغتيال شخصية إسرائيلية كردّ ليست بديهية، هي بنت المخيلة الإسرائيلية بالدرجة الأولى.

يمكن المحاججة بأن معظم الاغتيالات التي نفّذتها إسرائيل لم تكن ذات فائدة ميدانية إلا في عقل اللاعبين الذين يَعتمدون النظام الدلالي نفسه (لغة مشتركة، هذا الإجراء يَعني هزيمة، هذا العمل يَعني نصراً …). هل أتى اغتيال عماد مغنية وحسان اللقيس على الإسرائيليين بالثمار المرجوة (بعد جهود أمنية كبيرة ولا شك)؟ إذْ يبدو أن حزب الله طوّر أداءَه في عدة مجالات من دونهما، ومن غير المعلوم أن هذه العمليات حتى فرملت تقدّمه. نحن نتحدث هنا عن حزب ليست لديه آليات تداول وتجديد طبيعية في هيكليته، وبالتالي هناك احتمال كبير أن يحسّن الاغتيال من أداء هذه المؤسسة وليس العكس.

يمكن، من باب التجريب المنهجي، القول إن اغتيال السياسيين وليس الإداريين أكثر فعالية. اغتيال الجنرال قاسم سليماني مثلاً كان أثره سياسياً وليس ميدانياً. إذ أن سليماني كان قطباً في السياسة الداخلية الإيرانية وتُعقَد عليه الآمال ما بعد رحيل مرشد الثورة لجمع شمل الأفرقاء، كنقطة التقاء بينهم. ليس الحرس مَنْ خسر الجنرال سليماني بل السياسة الإيرانية في المرحلة المقبلة. واضح أن طريقة اشتغال الأميركيين مختلفة منهجياً عن الإسرائيليين.

“موقع الجهاز الأمني داخل منظومة حزب الله وإسرائيل متشابهان إلى حد كبير، وكذلك منهجيتهما. فكرة تفجير سفارة إسرائيلية في مكان ما أو اغتيال شخصية إسرائيلية كردّ ليست بديهية، هي بنت المخيلة الإسرائيلية بالدرجة الأولى.”

بخلاف الإداريين، فإن بعض الزعامات السياسية (ليس جميعها) تَختصر في شخصها مجموعة من العلاقات والتقاطعات التي تتفكّك أو توضَع موضع السؤال مجدداً لحظة اختفاء الشخص الممثّل لها. لذلك فإن مفهوم كاريزما الزعامات السياسية لطالما قُرئ بشكل خاطئ: كاريزما الزعيم السياسي هي ليست قدراته الخطابية وصفاته الشخصية، بل هي مجموعة التجارب التي يَخوضها المجتمع مع هذا الشخص بذاته، الذاكرة التي يكوّنها المجتمع ويكون هو محورها، بحيث يتأقلم هذا المجتمع معه ويصبح قادراً على توقعه.

لكن اغتيال العالم النووي محسن فخري زاده لم يكن ممكناً لولا تحولات طَرأت على الإقليم جَعلت من برنامج إيران النووي شأناً إسرائيلياً. بالتأكيد لا تَعتقد إسرائيل أن إيران ستَضرب قنبلتها النووية على الأراضي الفلسطينية المحتلة بجوار حلفائها اللبنانيين والفلسطينيين والسوريين. كما برنامج كوريا الشمالية النووي، كان يُفترَض أن يكون برنامج إيران النووي شأناً أميركياً بالدرجة الأولى، خاصة وأنه مع تطوير وصول الصواريخ إلى المدار يصبح بالإمكان ضرب أي نقطة على الأرض. لكن مجرى التصريحات يوحي بأن إسرائيل هي المهدَّدة وأنها حذرة من تراخٍ أميركي محتمَل. لقد بدأ اغتيال العلماء النوويين الإيرانيين منذ تحول برنامج إيران النووي إلى مسألة إسرائيلية، وليس قبل ذلك. في المقابل، كانت الولايات المتحدة تسعى إلى فرملة البرامج النووية في كوريا الشمالية والعراق وليبيا بالعقوبات الاقتصادية.

على الأرجح فإن حرب لبنان 2006 كانت هي المفصل: من بعدها أصبحت إسرائيل مهجوسة بالبرنامج النووي الإيراني، ومن بعدها بدأ مسلسل اغتيال العلماء النوويين الإيرانيين؛ بدا للإيرانيين أنهم يَخوضون حرباً رمزية بلغة غير لغتهم: إما أن يتبنّوا هذه اللغة، وإما أن يُجبروا الأطراف الأخرى على تبنّي لغتهم (نظامهم الدلالي).

بعد حرب تموز 2006، أراد الإسرائيليون الردّ على كل مَنْ يَعتبر أن حزب الله انتصر في الحرب وأنه يمكن الاستفادة من تجربته، من سوريا (اغتيال العميد محمد سليمان) إلى إيران.

لكن في المقابل، فسّر محور الممانعة نجاح تجربة حزب الله العسكرية والأمنية خلال حرب تموز 2006 بطريقة خاطئة؛ التفسير الخاطئ للانتصار قد تكون عواقبه أسوأ من الهزيمة أحياناً. فسّر الأميركيون انتصارهم على الاتحاد السوفياتي بطريقة خاطئة، واعتقدوا أن الصين في النهاية ستتلبرل تدريجياً، وبالتالي فإن الاستثمار في الاقتصاد الصيني يصبّ في مصلحة الولايات المتحدة، لكن بعد أزمة 2008 اكتَشف الأميركيون خطأ قراءتهم لانتصاراتهم السابقة، وبدأ التوتر في مواجهة الصين وردود فعل فيها الكثير من العشوائية. حتى البريكست في المملكة المتحدة يمكن ردّه جزئياً إلى التفسير الخاطئ للنجاحات البريطانية السابقة في مواجهة القارة والعالم.

التفسير الخاطئ لانتصارات حزب الله جَعلت إيران تسعى إلى تكرار التجربة في العراق، وكانت النتائج معاكسة تماماً، إذ خَسرت إيران الجزء الأكبر من البيت الشيعي العراقي بعدما كان بمجمله موالياً لإيران بعد 2003. لكن الأهم، أن القراءة الخاطئة لانتصارات حزب الله ورّطت إيران بمنطق صراع مع إسرائيل لا يتلاءم مع منهجها أو حتى منهج الأميركيين: اغتيال مقابل اغتيال وتفجير مقابل تفجير، وهو منطق بدأ يستنزف الطرفَين.

على الأرجح، بدأ الطرفان الإيراني والأميركي يَخسران في الإقليم لصالح المزيد من الفوضى وليس لصالح قوة ثالثة حقيقية، وهو ما يَجعلهما يَشعران بأنهما يحقّقان تقدّماً. المنصة الرمزية المشترَكة للمعاني (بين حزب الله وإسرائيل بداية، ثم أُقحمت إيران فيها) هي التي تَجعل الطرفَين يَعتقدان أنهما يتقدّمان وهي التي تَجعل الحرب الأمنية تأخذ بينهم تأخذ شكلها الراهن.

هنا نعود إلى ملاحظة العداء بين الأجهزة الأمنية والباحثين: علينا أولاً أن نُعيد تصوّر نظام القيمة خاصتنا، قد يكون العمل البحثي أساساً فيه هذه المرة، القدرة على تصوّر العالم وفق الكثير من المناهج. علينا أن نتذكّر أن إسرائيل اغتالت يوماً غسان كنفاني وناجي العلي، وأصبحت مقولاتهما المعادية لإسرائيل بمثابة مقدسات. كما أوردنا أن معظم الاغتيالات الإسرائيلية لم يكن لها قيمة ميدانية بقدر ما هي رمزية، ولكن يمكن السؤال عن حال الإنتاج الأدبي والسينمائي في إيران: هل اغتيال فخري زاده لا يَنفصل عن تراجع الإنتاج الفني في إيران، بحيث أُقحمت في نظام دلالي ليس من صنيعها؟ بمعنى أن إيران دَخلت مرحلة غموض الرؤية السياسية في اللحظة التي بدأ فيها الإنتاج الفني بالضمور؛ ذلك أن الإنتاج الفني (وهو جزء من الإنتاج الفكري ولا يكون إلا وليد ديناميات أوسع في المجتمع) يُغني تصوّرنا للعالم ويَجعل فهمه أكثر تنوعاً، بخلاف الوضع الراهن في إيران حيث يبدو أن هناك محدودية في المنهج، وبالتالي عدم القدرة على فرض تعريفنا للعنف الفعّال ما بعد النيوليبرالية وإعادة موضعته الشاملة في لحظة “أَوقفوا تمويل الشرطة” في الولايات المتحدة. وحين تَفقد التنوع في الرؤية فإن العدو سيَفرض عليك نظامه الدلالي، وحينها لن يكون أمامك سوى الردّ بالمثل في معركة خَسرتَ نصفَها منذ البداية.

جاده ايران واتساب
للمشاركة: