موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة5 ديسمبر 2020 12:21
للمشاركة:

أحمد جنتي… كابوس التيار الإصلاحي

سواء كان خارج إيران ممثلا للمرشد لدعم مسلمي البوسنة والهرسك، أو داخلها رئيسا لمؤسسة من المؤسسات الدستورية، أينما يبرز اسم أحمد جنتي تبرز معه عناوين ثلاثة: الالتزام بالتيار الأصولي، وانتقاد التيار الإصلاحي، ورفض ما يأتي من الغرب. رغم تجاوزه العقد التاسع من عمره، فإنّه ما زال ناشطا في المشهد السياسي الإيراني، بخطابه، أو قراراته حيث تكون له كلمة فاصلة في مؤسسة من مؤسسات الدولة يديرها. من هو أحمد جنتي الذي بقي من أبرز الوجوه المتشدّدة في التيار الأصولي، رغم امتحانات سياسية قاسية تعرّض لها حتى في أولاده؟

النشأة والثورة

في قرية لادان غربي مدينة أصفهان، ولد أحمد جنتي عام 1927 لعائلة متديّنة وفقيرة. تلقى تعليمه الابتدائي في أصفهان، ثم أقبل سريعا على العلوم الدينية في المدرسة الفيضية بمدينة قم. وخلافًا لكثيرين من أبناء جيله من الحوزويين، دعم جنتي دراسته الدينية باكتساب اللغة الانكليزية  ودراسة الأدب العربي. استثمر لغته العربية في ترجمة بعض الكتب منها إلى الفارسية وأبرزها، “إثبات الهداة، وتحف العقول“.

كان عمره 21 عاما عندما تزوّج من صديقة مظاهري التي أنجبت له علي وحسن وحسين ومحمد. اثنان منهما لم يكونا على صورته في السياسة بعد انتصار الثورة، وهو ما لم يكن بارزا في الفترات السابقة لها، حيث كانت مختلف القوى تتظاهر في مدن إيرانية ضد حكم الشاه محمد رضا بهلوي. هناك، في قم، حيث كان جنتي عضوًا في مجمع مدرسي الحوزة، اعتقلته قوات الأمن عدة مرات وأبعدته عن المدينة، لمشاركته في التظاهرات.

مع انتصار الثورة عام 1979 انتهت مرحلة السجون والتظاهرات بالنسبة إلى جنتي، لتبدأ معها مرحلة العمل السياسي في دولة الجمهورية الإسلامية. كان جنتي من الموثوقين بالنسبة للإمام الخميني، الذي عيّنه قاضيًا لمحكمة الثورة، التي أصدرت من جملة ما أصدرته، أحكاما بالإعدام على عدد من رموز نظام الشاه. ومع تأسيس مجلس صيانة الدستور عام 1980، شغل جنتي عضوية المجلس بصفته أحد فقهاء الحوزة العملية في قم، وهو المجلس الذي حافظ جنتي على حضوره فيه حتى اليوم إذ يشغل رئاسته منذ عام 1993.  قبل ذلك بعام، عيّنه المرشد علي خامنئي إمامًا مؤقتًا لصلاة الجمعة في طهران، حيث كان أبرز المنابر التي يطلق منها جنتي مواقفه السياسية. مواقف بدا الرجل صلبًا فيها، بمعزل عن حجم الموافقة أو الاعتراض عليها ضمن المشهد السياسي الإيراني. ولعلّ الرجل استمدّ إصراره على مواقفه من تجاوزه لحظات سياسية قاسية في عائلته، كان أبرزها مقتل ابنه حسين (31 عاما) وزوجته فاطمه سارفاري في مواجهة مسلحة مع حرس الثورة الإيرانية عام 1982، إذ انتميا لمنظمة “مجاهدي خلق” المعارضة.

أحمد جنتي... كابوس التيار الإصلاحي 1
اية الله جنتي

عداوة الغرب

لا يختلف اثنان على أن آية الله جنتي من أبرز وجوه التيار المعادي للغرب في إيران. لم يعدّل في رفضه الانفتاح على أميركا أو أوروبا، بمعزل عن مختلف المراحل التي مرت بها علاقات الغرب بإيران. هكذا بقيت مواقفه كما هي منذ انتصار الثورة حتى اليوم. وقد كان لبروزها ما يوجبه، مع تصاعد حضور التيار الداعم للانفتاح على الغرب، ووصول وجوه إصلاحية بارزة إلى سدّة الحكم في إيران. لطالما وصف جنتي أميركا بالدولة “الملعونة والكاذبة والمراوغة والمجرمة والإرهابية” ولا سيما بعد انسحابها من الاتفاق النووي في الثامن من أيار/ مايو 2018، وبعد اغتيالها القائد السابق لقوة القدس في حرس الثورة اللواء قاسم سليماني مطلع عام 2020. 

ويعدّ جنتي من أبرز الرافضين لمعاهدة مجموعة العمل المالي الدولية “FATF“، إذ أكّد خلال أحد خطبه يوم الجمعة بالعاصمة طهران عام 2016، أن المعاهدة “تهدف إلى وضع جميع الوثائق المالية للمعاملات المصرفية الإيرانية تحت إشراف الغرب بحجة محاربة ظاهرة غسيل الأموال في العالم، وعلى البرلمان الإيراني رفض توقيعها”. ولم يخفِ شكوكه في الخطبة نفسها، بأن “الغرب يهدف إلى أن نلغي بأيدينا المؤسسات الثورية، وخدمات الحرس الثوري ومقر خاتم الأنبياء للدفاع الجوي، وتعطيل جميع الأعمال التي تعارض مصالح الغرب”. كان هذا من أوضح المواقف على منبر الجمعة، قبل أن يقبل المرشد خامنئي استقالة جنتي منه في آذار/ مارس 2018، بعد 25 عامًا قضاها إماما لجمعة طهران. لكن جنتي ومن مواقعه الأخرى في النظام السياسي، لم يتوقف عن إطلاق المواقف السياسية الرافضة للغرب. مع اندلاع احتجاجات البنزين التي تخللتها أعمال عنف في تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، اتهم جنتي جهات خارجية بالوقوف وراء الأحداث قائلًا: “إن دعم الساسة الأميركيين  والعائلة الملكية البهلوية وجماعة مجاهدي خلق للاضطرابات وتحريضهم على عمليات العنف، يظهر أن هذه العمليات قد تم التخطيط لها من قبل، وأنهم كانوا يتربصون لمثل هذه الفرصة لتمرير مآربهم الخبيثة، لكن الوعي الشعبي أدى الى التمييز بين الاحتجاج السلمي وأعمال الشغب، واخفاق مؤامرات الأعداء”.

أحمد جنتي... كابوس التيار الإصلاحي 2

الخصم المرّ للإصلاحيين

ابنه الأكبر علي منهم. حصل على مناصب دبلوماسية وسياسية عدّة، كان أبرزها توليه منصب سفير إيران في الكويت، ووزير الثقافة والإرشاد في حكومة روحاني عام 2013. برزت حدّة جنتي ضد التيار الإصلاحي بشكل واضح، عقب ما يعرف بالحركة الخضراء عام 2009. قال في إحدى خطب الجمعة في آب/ أغسطس 2010 في قم: “لقد حصلت على دليل يثبت أن أميركا منحت مليار دولار عن طريق السعودية لقادة الفتنة، وأنها ونيابة عن أميركا أبلغتهم أنها مستعدة لدفع خمسين مليار دولار في حال تمكنهم من القضاء على النظام، ولكن الله وضع حدًا لهذه الفتنة على أيدي عباده الصالحين”. قوبل كلامه آنذاك بردً حاد من شخصيات بارزة في التيار الإصلاحي. فقد طالب مير حسين موسوي ومهدي كروبي في رسالة لهم إلى المقلدين الشيعة، أن يقدم جنتي وثيقة تثبت إفادته، وقالوا إن “شيخوخته سبب إعاقته العقلية“.

مع إتمامه عقده التاسع، انتخب آية الله جنتي في 24 أيار/ مايو 2016، رئيسًا لمجلس خبراء القيادة. وفي 13 آذار/ مارس 2018، تم التجديد لجنتي رئيسًا للمجلس في عملية اقتراع داخلية، إلا ان إعادة انتخابه  في هذا المنصب تزامنا مع رئاسته لمجلس صيانة الدستور، أثار سخط الإصلاحيين، الذين اعتبر العديد منهم ما جرى “خطوة في اتجاه تعزيز حضور التيار المتشدّد في هيئات ومؤسسات الدولة، ومؤشر على صعوبة الانفتاح على الغرب والتفاوض مع واشنطن خلال السنوات المقبلة”.

نكسة الإصلاحيين الكبرى مع جنتي كانت مطلع عام 2020. حيث رفض مجلس صيانة الدستور منح أهلية الترشح لأكثر من 50% من المرشحين للانتخابات التشريعية، التي جرت في 21 شباط/  فبراير 2020، وكان غالبيتهم من نواب المجلس السابق وينتمون للتيار الإصلاحي، وذلك بسبب “التورط في ملفات فساد مالي وأخلاقي وعدم الإيمان بالنظام الحاكم”. هذا القرار دفع بالرئيس حسن روحاني إلى اتهام المجلس بـ”هندسة الانتخابات بعد تصفية الشخصيات الإصلاحية”. على هذا النحو من الخصومة المريرة إذا، تبدو العلاقة بين آية الله جنتي، أحد أبرز الوجوه الأصولية المتشدّدة، مع التيار الإصلاحي بمختلف تلاوينه السياسية، وهو بذلك حجز لنفسه مكانةً في المشهد السياسي الإيراني لعقود، رجل دين وسياسة مثيرا للجدل في كثير من مفاصل تاريخ الجمهورية الإسلامية.   

   

لمتابعة ملف الانتخابات الرئاسية (إيران 21: حصاد المواجهات)، إضغط هنا

جاده ايران واتساب
للمشاركة: