موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة آمالجمعة 28 سبتمبر 2018 08:34
للمشاركة:

القصة الإسبوعية المترجمة: نادر

زاوية جديدة من زوايا المجتمع الإيراني تُتَرجمها الزميلة ديانا محمود من المجموعة القصصية التي تحمل بالفارسي عنوان “آدم ها” للكاتب الإيراني أحمد غلامي.

 

جاده ايران- ديانا محمود

 

مارس نادر في شبابه العمل السياسي لمدة قصيرة فكان ناشطاً في أحد الأحزاب اليسارية، كما أنه اُعتقل عدة مرات ودخل السجن إلا أن فترة إقامته فيه لم تطلْ، فقد أعفوا عنه بعد أن رأوا إنه ليس بالشخص المهم كما أنه يهذي أحياناً. وبالرغم من أن سجلّه لم يكن حافلاً إلا إنه حُرم من العمل في الدوائر الحكومية، وبصعوبة سُمح له الالتحاق بخدمة العلم. وكنا نقول له: (يا مجنون كل العالم بتتمنى ما تروح عالجيش). لكنه في نهاية المطاف التحق بالخدمة الإلزامية لكي يذهب إلى الجبهة، لكنهم لم يسمحوا بذلك. قلت له: (يعني ليه مصرّ تروح ع الجبهة؟) فأجابني: (هادا وطني أنا كمان) فسألته: (وليه ما عم يسمحولك؟)، قال: ( مفكرين إني رح أهرب لعند العدو وآخذ لجوء).
قلت له: (أي مو غلطانين)، فقال ليّ: (لا تتفلسف إنت بتعرفني من لما كنا صغار!). صحيح لقد كنت أعرفه منذ الطفولة عندما كنا نبحث عمّا يملأ وقتنا، كان نادر يخرج من مكتبة ليدخل بأخرى، ومن هذا المعسكر إلى ذاك، ومن هذا الجبل إلى آخر، ولم يكن مقرباً من أحد غيري.
بقية الشباب كانوا يستهزؤون به، ولأني مجنون مثله لم أستطع التهرب منه، لكن مستوى جنوني بالطبع كان أقل من نادر. أضف لذلك فإن عدم وجود عمل ثابت والتحاقه بصعوبة بالجيش ووضعه في مطبخ معسكرات الجبهة جعله يعتقد أنه شخص مريب وخاص دون أن يدري. لكن في الحقيقة، هو من كان السبب الرئيس في توقف حياته، هو وجنونه الذي كان يتفاقم أكثر وأكثر كل يوم، مما جعله يعتقد أنه شخص استثنائي وتحت المراقبة.
في بداية الأمر كان يقول إن هاتفه مراقب، وعندما كنا نتصل به كان يجيب بحذر واختصار، فكان يزعجنا بذلك ولاسيما أننا كنا نتبادل السفاسف السياسية دائماً. وعندما كنا نلتقي وجهاً لوجه كان يقول لنا مع التلميح: (يا عمي تلفوني مراقب).
كنا نظن عندها إن الحكاية ستنتهي عند قصة الهاتف، لكن القضية كانت تتسع كل يوم والوضع يزدادُ سوءاً، ففي أحد الأيام توقفت سيارة أمام منزلهم يقودها شاب ينظر إلى المرآة دائماً، فقال نادر:
(حاطين شخص يلحقني)، فقلت له: (غلطان، بجوز هالبني آدم ناطر حدا)، ابتعد عني بسرعة وقال : (اي لا، أنا الجني الأزرق ما بيقدر عليّ) وذهب وأنا بقيت، صحيح، لقد كان الشاب سائق السيارة يلقي نظرة نحوي ونظرة إلى نهاية الشارع، راودني الشك توقفت قليلاً وأمعنت النظر به عبر المرآة، فخاف الشاب ومضى بسيارته ثم عاد بعد قليل وصعدت معه فتاة قرب مدخل الشارع ومضى مسرعاً .
كلما زادت قصص نادر وأوهامه كلما زادت مكائد الشباب ومقالبهم. في إحدى المرات اتصلوا بمنزله وقالوا: (لازم نشوفك مشان بعض القصص)، وحددوا له موعداً أمام سينما “فرهنك” التي تبعد ساعة عن حيّنا.
فجاء نادر إلى أمام بيتنا وقال لي إنه مطلوب، ولم يكن لدي علم بالقصة فقلت له: (لوين؟) قال:(لازم روح لقدام سينما فرهنك رح يجوا ياخدوني من هونيك،اذا ما رجعت خبّر أهلي)، أصابني الذعر يومها وبدأت ألوم نفسي لماذا لم آخذ كلامه على محمل الجد.
عندما ذهب نادر جاء الشباب نحوي وبدأوا يسألوني: (شو حكا؟ شو صار؟)، فقلت: ( يبدو لازم يروح ع سينما فرهنك عندو شغل هونيك) ضحك الجميع عندها وفهمت أنهم خدعوه.
انتظر نادر أمام سينما “فرهنك” ساعة ونصف ثم عاد، لكنه لم يصدّقني عندما أخبرته أن الشباب وراء هذه الخدعة، بل أجابني: (لا هَي أسلوبهم، بدهم يجربوك). لم أقل له شيئا بعدها فهو لن يصغي إليّ، إلى أن جاءني في يوم آخر وأخبرني أن عليه الذهاب إلى قبالة سينما “فرهنك”، وعلى الرغم من إصراري على عدوله عن الذهاب إلا أن الأمر كان دون فائدة، فسرعان ما مضى مسرعاً خائفاً.
لكن أحداً لم يأتِ إليّ في هذه المرة، ولم أرَ الشباب في الحارة مساءاً، ونادر أيضاً لم يأتِ ليلتها وفي اليوم التالي لم يأتِ، مما أثار قلق الجميع، لكنه ظهر في اليوم الثالث فَرِحاً، ألقى التحية علينا بحماس، سأله الجميع: (وين كنت؟) فسكت قليلاً ثم قال: (كنت مشغول بشيء) سأله أحد الشباب: (ليكونوا شحطوك؟) قال: (لا لا، مين؟ أنا؟ ليش؟).
أمسك يدي بإحكام وضغط عليها وقال لي انتبهوا لأنفسكم، مما زاد قلقنا. وكأن الخوف الذي رافقه كل تلك السنين انتقل فجأة لنا، ظهرت ملامح الخوف والقلق على الجميع وكل واحد منا ذهب إلى بيته. منذ ذلك اليوم والشباب لا يتعرضون لنادر ولا يمازحونه، ففي النهاية تأكد الجميع من أن ملفه غير مشبوه، وعندما كان يتكلم على الهاتف بحيطة وحذر هذه المرة كنا نتنبه لذلك ونحتاط نحن أيضاً. وفي النهاية وجد نادر عملاً في القطاع المشترك وتزوج بعد سنتين، ودعاني إلى زفافه وقال لي إن تلك الليالي الثلاث قضاها في أفضل فندق بطهران، ولم يعتقله أحد لكنني لم أصدقه أبداً، لا في تلك الفترة الأولى التي كان يدفع فيها الشباب ليمازحوه، ولا في الفترة الثانية التي أقنع فيها الجميع أنه غير مختلف.

جاده ايران واتساب
للمشاركة: