موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة24 أكتوبر 2020 09:50
للمشاركة:

محمد رضا شجريان: “أمير الموسيقى الفارسية طار إلى السماء!”

نشر موقع الجزيرة باللغة الانجليزية مقالا، للمؤرخ الأميركي- الإيراني حميد دباشي، تحدث فيه عن رحيل أيقونة الموسيقى الإيرانية محمد رضا شجريان وبعض محطات حياته وقد ترجمت "جاده إيران" هذا المقال كاملًا.

توفي محمد رضا شجريان “أمير الموسيقى الفارسية” في 8 أكتوبر، تاركًا الإيرانيين داخل وخارج وطنهم في حداد. مَن كان هذا؟ ما هي أهميته بالنسبة للإيرانيين؟ كيف يُمكنني أن أنقل عمق ألم خسارته لغير الإيرانيين؟

فكر  في أم كلثوم ماذا تعني للمصريين والعالم العربي أجمع، فكر في نصرت فاتح علي خان لباكستان وشبه القارة الهندية، فكر في مرسيدس سوسا للأرجنتين وعالم أميركا اللاتينية. فكر في إيديث بياف ، تشارلز أزنافور ، لوتشيانو بافاروتي، فكر في إيلا فيتزجيرالد ونينا سيمون، فكر في ديميس روسوس، نانا موسكوري، فكر في مريم حسن في الصحراء الغربية وموريتانيا. الآن أضف إليهم أي شخص في فنهم تحبه وتعجب به، لعله فاتني أحدهم وأجمعهم معًا في خيالك.

بالنسبة للإيرانيين في جميع أنحاء العالم، كان محمد رضا شجريان، كما يقول دبليو إتش أودن، “شمالهم وجنوبهم وشرقهم وغربهم، أسبوع عملهم وراحتهم يوم الأحد، ظهرهم، ومنتصف ليلهم، حديثهم، أغنيتهم”. وعندما قضى أنفاسه الأخيرة في وطن أحبه بفرح، التفتوا إليه، مع لحن جنائزي حزين، بكلمات ويستن هيو أودن:

أوقفوا كلّ الساعات، اقطعوا الهاتف،
امنعوا الكَلب من العواء و اللهاث بعظمته،
صَمْت، بيانو يعزف وصوت كظيم يئن من طبله
أحضروا التابوت هنا، وأقم الحِـداد.
صوت أمة

أصبح محمد رضا شجريان، الذي توفي في طهران في 8 أكتوبر/ تشرين الأول، عن عمر 80 عامًا، أسطورة أبدية خلال حياته. وكان يعلم جيدًا أنه فرحة وفخر شعبه.

في مايو 2014، عندما توفي صديق شجريان ومساعده لفترة طويلة عازف الآلات الموهوب محمد رضا لطفي قمت بالكتابة عن الطريقة التي فتحا بها الأبواب المغلقة للموسيقى الكلاسيكية الفارسية للجمهور بشكل عام، ومع وفاة شجريان، يجلس هذا الجمهور العالمي الذي صنعوه في حداد على فقدان عندليبهم.

بكت عناوين الصحف في الثانية التي أُعلن فيها خبر وفاة ” محمد رضا شجريان” وضربت موجات الحداد ووسائل التواصل الاجتماعي. توقف الإيرانيون داخل وخارج وطنهم للحظة لالتقاط أنفاسهم، مدركين أنهم كانوا شاهدين على التاريخ. في موسيقاه، ربط شجريان الثورة الدستورية 1906-1911 بالثورة الإيرانية 1977-1979 ، ومن هنا ضم كل تطور كبير وثانوي في تاريخهم المعاصر، ومن هنا إلى الأبد.

على الفور، تجمع المعزون أمام مستشفى جام حيث توفي شجريان. قام شخص ما في الحشد ببث التجمع ليراه العالم بأسره. وسرعان ما خرج هومايون شجريان، ابنه الأكبر والمغني الموهوب كذلك، لمناشدة الجميع بمراعاة إجراءات الصحة العامة المتمثلة في التباعد الاجتماعي وارتداء الكمامات بسبب جائحة كورونا. وأيضًا لإخبار الجميع أن جسد والده سيتم نقله جواً إلى مشهد، مسقط رأسه في شمال شرق إيران، ليدفن على الأرض المقدسة لضريح الشاعر الفارسي الأسطوري أبو قاسم الفردوسي، سأل أحدهم في الحشد: “لماذا لن يُدفن بطهران؟”.

ظاهريًا، يعد هذا أمرًا فظًا أن أقوله لابن حاد على والده. ومن الواضح أن الأمر متروك للعائلة لتقرر مكان دفن شجريان. لكن هذا الصوت المجهول تحدث نيابة عن كل إيراني في جميع أنحاء العالم يعتبر وفاة الفنان خسارة شخصية له، وكذلك خسارة عامة وتاريخية. لم يكن الرجل يطلب عدم دفن شجريان في مسقط رأسه. كان يطلب دفنه في قلبه.

اعترف الابن الحزين بهذا، وقال: أنت ضيف على هذا الحداد، وأهدى جسد أبيه الرمزي إلى الناس الذين أحبهم. لم تكن هناك منذ وفاة عباس كياروستامي في تموز (يوليو) 2016، وقبله وفاة أحمد شاملو في تموز / يوليو 2000  موجة من الحزن على أيقونة ثقافية عامة في إيران كتلك اللحظة العابرة التي صنعتها وفاة شجريان للإيرانيين، يسارًا ويمينًا، غني وفقير، يَحكم ويُحكم أُمة. وأرسل الكثير مِن الرئيس حسن روحاني إلى الملكة السابقة فرح تعازيهم القلبية.

لكن لماذا؟ ماذا فعل شجريان وما معنى اسمه؟
صوت وغضب تاريخنا

ولد محمد رضا شجريان في 23 سبتمبر 1940 في مشهد بإيران لعائلة مسلمة متدينة – وهي عائلة تفتخر بوجود عدد من كبار قراء القرآن فيها. أفتتن بالموسيقى في سن مبكرة جدًا في بيئة شديدة التقوى حيث كان الصوت البشري مقدسًا، هدية، ونعمة إلهية، وعلامة على سمو الأصول. ونظرًا لأن والده المتدين لم يكن يريده أن يمارس مهنة في مجال الفن الموسيقي، فقد تدرب سراً واتخذ اسمًا مستعارًا  وهو “سياوش” شخصية رئيسية في ملحمة الشاهنامة للفردوسي الطوسي، ما أدى لعلاقة مضطربة مع والده.

بمرور الوقت، ومع حلوله الثانية عشرة من عمره، كان شجريان قد أتقن تراث الفارسية الكلاسيكي، بالإضافة إلى مجموعة الألحان الشفوية القديمة المعروفة بـ “موسيقى الراديف”، وبحلول أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، كان يغني في راديو خراسان، وبحلول أوائل الستينيات، أصبح اسمه وصوته وتنغيماته المذهلة للموسيقى الفارسية ونبرته الصوتية المتميزة  جزءًا لا يتجزأ من حياة الإيرانيين.

اليوم، يمكن لكل إيراني أن يسمي أغنية تاريخية أو تسجيلًا لشاجريان يمثل بالنسبة له ذكرى “زمان ومكان” يتوق إليهما. بالنسبة لي، هو التسجيل الذي غنى فيه قصائد عمر الخيام إلى جانب الموسيقى الرائعة لفريدون شهبازيان وتلاوات أحمد شملو.

كان الكاسيت، الذي ما زلت أملكه، في حقيبتي الصغيرة عندما غادرت إيران متوجهاً إلى الولايات المتحدة في عام 1976 كخريج جامعي هائم على وجهه، كان هذا هو تعريف الوطن بالنسبة لي، لم أفتقد إيران أبدًا لأنني قمت بتهريب جوهر وطني في هذا الكاسيت عبر جميع الحدود التي عبرتها.

بعد ذلك قابلت شجريان شخصيًا في العديد من المناسبات العامة والخاصة بما في ذلك حفل عشاء في منزل صديق للعائلة في لندن عندما غنى لنا على أنغام موسيقي شاب موهوب.

تراث الجذور يزدهر

يُقال الكثير اليوم عن “سياسة” شجريان، ومعظمها صدر من قبل إذاعة “بي بي سي الفارسية المشينة”، والتي تُعد صورة طبق الأصل عن “سيدا وسيما”، وهي إذاعة الدعاية الرسمية للجمهورية الإسلامية.

في كل خبر أو برنامج حواري عرضوه، فإن همهم الوحيد والأهم هو إدانة الجمهورية الإسلامية الحاكمة لسوء معاملة شجريان، أو أنه استنكر استبدادهم. هذه هي الحقائق البديهية التي تخفي تمامًا الخسارة الأهم بكثير لشخصية شاهقة تمثل أمة بأكملها. ولا علاقة لوفاة شجريان بالدولة الحاكمة. من يعرف أو يهتم بتذكر من كان حاكم شيراز عندما كان حافظ على قيد الحياة، أو حكم الأناضول عندما كان الرومي في قونية، أو على دلهي عندما كان بيدل على قيد الحياة.

شخصيات بارزة مثل شجريان تجاوزت التاريخ. هذا إساءة جسيمة لذاكرة شجريان الثمينة. لم يكن شجريان سياسيًا بالمعنى العادي للكلمة. كان هو وموسيقاه جوهر الحب، لم يكن هناك ذرة من الكراهية في شخصيته، كان دائمًا مع شعبه، وكانت هذه “سياسته”.

 من الثورة الإيرانية 1977-1979 إلى الحرب العراقية الإيرانية 1980-1988 خلال الأيام المؤلمة للحركة الخضراء، ثم الآن عندما يخضعون للعقوبات الاقتصادية الأميركية الخبيثة. مكث معهم منذ أن غنى لهم: “أعطني بندقيتي”، إلى اللحظة التي أعاد بها التفكير مع نفسه وغنى: “ضع بندقيتك”.

كان أصل “سياسة” شجريان في شعرية موسيقاه. لقد كان فنانًا كلاسيكيًا بارعًا، ومع ذلك فهو فنان جريء ومبدع، دخل عالم موسيقى الراديف وأتقنها للتغلب عليها.

لقد كان واثقًا بدرجة كافية من إتقانه ليملك الجرأة لتحدي العناصر الفنية القائمة ويمهد الطريق بحذر ولكن بثبات للجيل القادم لجعله ملكًا له. أسفرت جهوده عن الموسيقى الأيقونية لمحسن نامجو – مغني ثوري تأثر كثيرًا بالبلوز والروك مثلهم مثل الكلاسيكيين الفارسيين.

لا يهم ما إذا كان شجريان قد وافق أو لم يوافق على محسن نامجو – ما يهم هو أنه ابتكر تقليدًا موسيقيًا لا يزال راسخًا في جذوره ولكنه يتيح ازدهار كنز دفين أغنى الخيال الجمالي لشعب بأكمله. لن يقترب أي كلاسيكي من جيله من أي مكان قريب من قصيدة لنيما يوشيج ، الأيقونة الإيرانية لشعر الحداثة. عندما غنى شجريان “الأسطورة/ أفسانة ” لنيما، ارتجفنا من الخوف والنشوة لأنه يعرف التأملات الداخلية لأرواحنا جيدًا. حتى يومنا هذا، أشعر بفرح جامح عندما أتذكر صوت شجريان يغني: يا رسول الأيام الغائمة متى يأتي المطر؟

إذا كنت تريد الاستماع إلى أغنية واحدة فقط من أغانيه، فليكن يغني هذه القصيدة الرائعة التي كتبها علي معلم عن المطر لموسيقى السيد كيهان كالهور الشهيرة. يبدأ الأمر بتعديلات بسيطة: “مطر يا غيوم الربيع، مطر، مطر على الجبال والسهول، مطر …” حتى منتصف الأغنية حيث يغني بألم تاريخ شعبه كله في صوته: “مطر على ذكريات عشاق هذه الأرض، عشاق بلا قبور…”

ارقد بسلام، شجريان!

المصدر/ الجزيرة الإنجليزية

جاده ايران واتساب
للمشاركة: