موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة16 أكتوبر 2020 18:59
للمشاركة:

بركان كاراباخ يقلق إيران

كل الظروف المحيطة بإيران تجعلها في حال لا تحسد عليه، الأزمة الاقتصادية، سياسة الضغط القصوى الأميركية، الخلافات السياسية الداخلية، الضغط الاجتماعي، انتشار وباء كورونا، لكن أزمة أخرى من خارج هذا السياق قد تسبب المزيد من الصداع لها، حرب ناغورنو كاراباخ.

على الحدود الشمالية لإيران تستقر أرمينيا وآذربيجان، كلاهما من إرث الامبراطوريات الإيرانية التي كانت تمتد حدودها قبل قرنين فقط إلى جورجيا شمالا وأفغانستان شرقا. اتفاقية تركمانجاي مع روسيا التي انهت الحرب الإيرانية- الروسية بين عامي 1826 و 1828. أخذت الاتفاقية اسمها من مكان التوقيع عليها، بلدة تركمانجاي في محافظة أذربيجان الشرقية شمالي غرب إيران، والتي لا تبعد سوى كيلومترات قليلة عن موقع سقوط القذائف الأذرية والأرمينية داخل الحدود الايرانية. سلخت تركمانجاي إقليمي نخجوان وايروان من الخريطة الإيرانية وهي تمثل في عصرنا الحالي المساحة التي تمتد عليها أرمينيا وجمهورية نخشوان الآذرية ذات الحكم الذاتي إضافة إلى أجزاء من تركيا الحالية. قبل ذلك بثلاثة عشر عام اقتطعت اتفاقية شبيهة تعرف بغلستان أجزاء أخرى من أذربيجان وكامل جورجيا اضافة إلى داغستان وشمالي أرمينيا لصالح القيصرية الروسية.

كانت الحرب الروسية- الإيرانية تجليا صريحا لمرحلة الأفول الامبراطوري الفارسي التي تزامنت مع صعود السلالة القاجارية إلى الحكم بعد مرحلة تخبط امتدت منذ سقوط حكم نادر شاه افشار الذي وسع خريطة الإمبراطورية إلى الهند ووسط آسيا واعاد السيطرة على القوقاز كاملا وأجزاء من العراق. بمقتله بدأت مراحل الانكفاء التي تجلت في الاتفاقيتين المذكورتين.

نظريا، الحرب الدائرة بين أرمينيا وأذربيجان هي على أراضٍ كانت يوما جزءا من إيران التاريخية، وعمليا الحرب بين قوميتين لهما امتداد في إيران متفاوت بشكل كبير عدديا، لكن لكل واحدة منهما التأثير الكبير على مستويات عديدة. وما تخشى منه إيران حقا أن تمتد هذه الحرب إلى داخل حدودها لا عبر القذائف التي تسقط عن طريق الخطأ فحسب، بل في تطور النزاع ليستقطب امتدادات القوميتين داخل البلاد لا سيما مع التجييش المتزايد وتحول البلدين إلى محط رحال للمقاتلين من الخارج، بعضهم جاء لنصرة قضية قومية أو كجزء من تحالف اقليمي.

في هذه الجزئيات تبدو طهران كمن يسابق الزمن لقطع الطريق أمام تسرب ممكن للتوتر إلى داخل حدودها، فنداء القومية الذي اجتذب مئات المقاتلين الإيرانيين في حرب كاراباخ الأولى للقتال إلى جانب باكو لم يتراجع، بل هو اليوم أكثر إلحاحا في ظل تقاطر مقاتلين أرمن من خارج أرمينيا للقتال إلى جانب وطنهم التاريخي، وأرمن إيران لن يكونوا بالضرورة استثناءً، هذا اذا لم تمتد الحساسيات القومية إلى الداخل الإيراني وتتسبب بتوترات محلية في ظل التماس المباشر بين القوميتين في أكثر من مكان. كما أن حضور مقاتلين من سورية للقتال إلى جانب أذربيجان كجزء من تحالف إقليمي مع تركيا يؤرق طهران بشكل أكبر. فهي تشخص ذلك كخطر على أمنها القومي المباشر وفِي آن إصابة في القلب للرواية الإيرانية حول تدخلها في الحرب السورية، إذ أن احد أهم التبريرات كانت إبعاد الخطر عن الحدود الإيرانية، وفِي هذه الحالة وبناء على سردية طهران ونظرتها لهذه الفصائل فإن الخطر بات على الحدود مباشرة وهو ما قد تكون له تبعات كبيرة في حال طال أمد النزاع.

الأخطر بالنسبة لطهران يبقى أدوار الدول الإقليمية والقوى الدولية في النزاع، لا سيما الحضور الإسرائيلي الصارخ من خلال تسليح أذربيجان بأسطول طائرات بدون طيار يمكن لها أن تستخدم بسهولة لجمع المعلومات ميدانيا حول إيران وفِي ذات الوقت وفِي ظل الفوضى الاستفادة من ثغرات لتنفيذ أعمال داخل الاراضي الإيرانية. ولعله من المفيد التذكير أن الأجواء الآذرية شكلت سابقا منطلقا لنشاطات قالت طهران إنها اسرائيلية بينما نفت باكو ذلك، كما في الطائرة بدون طيار التي اسقطت في العام 2014 وهي في طريقها إلى مفاعل نطنز النووي. وهنا اشارة أخرى إلى اتهام وجهه الحشد الشعبي في العراق في معرض تحميل المسؤولية لهجمات جوية مجهولة على قواعد له في البلاد لطائرات بدون طيار أتت من الأجواء الأذربيجانية لتنفيذ الضربات.

الدور الإسرائيلي قد يكون الأكثر إلحاحا بالنسبة لطهران، لكن أدوارا أخرى لروسيا وتركيا على حدودها المباشرة لن تشعرها سوى بالقلق الشديد مع إمكانية دخول أطراف أخرى على خط النزاع وهو ما يفقد إيران ورقة قوة كانت تستفيد منها في صراعاتها، ألا وهي بناء مسافة أمان بين حدود الأمن القومي والعمق الاستراتيجي له، حتى في ظل الأزمات العراقية المتلاحقة. تبدى ذلك في الاستنفار الإيراني المباشر عندما اقترب مقاتلو تنظيم داعش من الحدود الإيرانية في صيف 2014، وكانت النتيجة تدخلا إيرانيا مباشرا منع أي تمركز قريب للتنظيم على الحدود.

في حالة الحرب الآذرية الأرمنية مساحة المناورة الإيرانية ضيقة جدا، أكان على صعيد التدخل، أو ابعاد اللظى عن القش الإيراني، بعبارة أخرى، فقدان إيران السيطرة على أوراق اللعب في هذه الأزمة يدفعها لبذل جهد لوقف اللعبة بأكملها لأن اللعب هنا قد يتحول في ظل الظروف الموضوعية إلى كتلة لهب ليس لدى طهران أي استعداد لإضافتها إلى كرات اللهب الأخرى التي تحاول أن تتجنبها.

جاده ايران واتساب
للمشاركة: