موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة11 أكتوبر 2020 05:47
للمشاركة:

السياسة تفرّق ما يجمعه الفن: رحيل شجريان بين الأصوليين والإصلاحيين

ودّعت إيران، في 8 تشرين الأول/ أكتوبر، الفنان محمد رضا شجريان، الذي توفي عن عمر ناهز 80 عاماً بعد صراع طويل مع مرض السرطان. بعد وفاته، تجمع المئات من الإيرانيين أمام مستشفى جم في طهران، منادين بهتافات مناهضة لهيئة الإذاعة والتلفزيون قائلين إنها "عار على الإيرانيين"، بعد أن منعت بث أعمال شجريان منذ 10 سنوات على خلفية مواقفه السياسية التي أيد فيها مظاهرات عام 2009 ضد إعادة انتخاب الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد.

الصحف الإيرانية، في أول إصدار لها عقب الوفاة، أظهرت انقساماً في التعاطي مع رحيل الفنان شجريان، فالصحف الأصولية بعددها في 10 تشرين الأول/ أكتوبر، لم تنشر على صفحاتها الأولى أي خبر متعلّق بوفاة الفناة، باستثناء صحيفة “جوان” التي نشرت مقالاً على الجانب الأيسر للصفحة الأولى حول هذا الموضوع. قالت فيه: “بالنسبة لمحبي الأغنية الإيرانية التقليدية فإن هذا الخبر يصعب قبوله، فالأغنية الإيرانية التي غنّاها شجريان تغذّي روح المستمعين”، معتبرة أن “خبر وفاة أحد أساتذة هذا النوع من الموسيقى يعد خبرًا سيئًا بالنسبة لأولئك الذين يحبون الموسيقى والأغاني الإيرانية الأصيلة مع الآلات الصوفية”.

في البعد السياسي لحياة شجريان، رأت الصحيفة أن “حياة شجريان كانت فنية وثقافية فقط، لكن في العقد الأخير من حياته، خلقت بعض القضايا وبعض تعليقاته الاجتماعية والسياسية تحديات له”، مؤكدة أن “هذه التحديات لم تكن لتواجهه لو كان هناك إدارة أفضل لأحزاب هذا البلد، ولكن يبدو أن مجتمعنا أكثر استعدادًا لتحدي العقبات بدلاً من تجنبها”.

كما تطرقت الصحيفة إلى التجمعات التي شهدتها مستشفى جم حيث توفي شجريان، معتبرة أن “البعض لم يرغب في إنهاء بعض الإشكاليات التي حصلت في حياة الفنان، بل أصرّ هؤلاء على تسييس الفنون”، وأشارت إلى أن “عدم بث أعماله في الإذاعة والتلفزيون له أسباب عديدة”، مضيفة “في بعض الأحيان، في الفترة القصيرة بين نهاية البرنامج وبداية بث الأخبار، قامت وسائل الإعلام الوطنية، التي لم يكن لديها في ذلك الوقت الكثير من الإعلانات التجارية، بسد هذه الفجوة ببث أحد مؤلفات شجريان، وكلما جاء خبر جديد، كان يتوقف بث الأغنية في منتصفها، وهذا بمثابة قتل للأغنية، فاستخدام الأعمال الفنية والغناء والموسيقى لسد الفجوة بين برنامجين، يفقدها قيمتها. لذا قرر الخبراء تغيير هذا النهج الخاطئ في الإعلام الوطني، وتم أخذ قرار بأن عرض هذه الموسيقى يكون في برنامج موسيقي احترافي وفي وقت مناسب، وتم عرض هذا البرنامج على الشبكة الثقافية للإذاعة والتلفزيون إلا أنه لم يستمر حتى النهاية”.

كذلك، رأت الصحيفة أن “النقاشات التي حصلت عقب انتخابات عام 2009 لم تكن ضرورية، خصوصاً وأن أغاني شجريان بداية الثورة كان لها زخمها في جبهات القتال عند المقاتلين وشجعت الشباب الإيراني على مواجهة العدو، كما أن حفلاته بقيت مستمرة بعد الثورة وأصدر الكثير من الأغاني”، خاتمة “كان شجريان فنانًا بارزًا ووطنيًا وكان هذا مهمًا وكافيًا لشعب إيران، وربط صوته في شهر رمضان بالإفطار، إضافة للمشاعر التي خلقها بين جمهوره بالتصوف والشعر الصوفي الفارسي الغني”.

السياسة تفرّق ما يجمعه الفن: رحيل شجريان بين الأصوليين والإصلاحيين 1

في مقابل هذه النظرة للصحف الأصولية، اهتمّت أغلب الصحف الإصلاحية بوفاة محمد رضا شجريان، وأعطت هذا الخبر حيّزاً مهماً من صفحاتها الأولى. فمنها من اكتفى بعرض سيرة حياة الفنان الراحل، ومنها من نشر الأشعار التي غنّاها، وصحف أخرى تطرّقت إلى هذا الموضوع من الجانب السياسي.

صحيفة آرمان ملى، عنونت في مانشيت عددها “ارتفع صوت الأغنية الإيرانية”، مشيرة إلى أن “الجميع كان يأمل أن يكون خبر وفاة الأستاذ محمد رضا شجريان كاذباً، ولكن للأسف، كان الخبر صحيحاً”، وأضافت أن “العديد من أحباب الفنان ذهبوا إلى المستشفى ليتأكدوا من صحة الخبر بعيونهم”.

واعتبرت الصحيفة أن “أصوات صيحات المعزين في محيط المستشفى أوضحت أن محمد رضا شجريان لم يكن مجرد مطرب، بل مصلح عانى من أجل سلام شعبه، وكان مع الناس وإلى جانبهم، وأثناء سنوات عمره الثمانين لم يكن يغني إلا للناس وللناس”، مشيرة إلى أن “شجريان تعرّض للعديد من الهجمات والفظاظة من أجل أن يكون صوت الشعب، لكنه لم يقبل قط أن يخلق مسافة بينه وبين الأمة، وقد وُصِم فنه بأنه سياسي وذريعة جيدة للحد منه، بينما قال هو بنفسه “السياسة دخلت كل أركان الحياة الاجتماعية للناس. في إيران ، تم تسييس كل شيء. حتى لو كان هناك احتجاج على وضع الدقيق في المخبز، يقولون إن هناك عمل سياسي”.

الصحيفة الإصلاحية، ركزت على أن “شجريان كان منتقدًا لبعض السياسات خصوصاً بعد انتخابات عام 2009، خصوصاً بعد طلبه من في العام 2016 عدم بثّ أغانيه عبر الإذاعة الرسمية”، لافتة إلى أن “الحظر الذي كان على أغاني شجريان وحتى على نشر صوره منذ العام 2009، انتهى عند وفاته وبثت القنوات لتلفزيونية نبأ الوفاة، لكن للأسف فات الأوان”، وذكّرت الصحيفة بأن “الشعب الإيراني عبّر مرارًا وتكرارًا عن استيائه من القرار غير العقلاني الذي اتخذته الإذاعة الرسمية بعدم عرض أغانيه، وظهر ذلك في التجمع أمام المستشفى”.

بدورها، أجابت صحيفة “ستاره صبح” الإصلاحية، على سؤال طرحته في عنوانها “لماذا ستبقى أغاني شجريان وسيزيد تأثيرها بمرور الوقت؟”، معتبرة أن “الشخصيات التي خلدها التاريخ مثل فردوسي، حافظ، الرومي، علي شريعتي، شكسبير، فيكتور هوغو، كانت مضطهدة من قبل الملوك المستبدين في عصرهم”، وأوضحت أن “هؤلاء حاولوا التحدث على شكل شعر وأدب وروايات وأفلام، وركز هؤلاء الأشخاص على موضوعات متوافقة مع الطبيعة البشرية والطبيعة”.

وأكدت الصحيفة أن “محمد رضا شجريان ترك ملايين الإيرانيين وغير الإيرانيين في حداد، وكان من الفنانين الذين كانوا مع الناس خلال حياته الفنية وليس مع السلطات”، مشيرة إلى أن “شجريان دعم مير حسين موسوي في الانتخابات الرئاسية وعندما وصف محمود أحمدي نجاد المتظاهرين بـ “الأوغاد” ، رد شجريان بقوله “أنا وغد”. لقد كان الكثير من الفنانين والكتاب والكتاب أقوياء، لكن شجريان، كان صوت الناس”، وتابعت بالقول إن “الإثارة التي أعقبت وفاة شجريان في الفضاء الإلكتروني والحشد الذي اندلع أمام مستشفى جام بطهران رغم وباء كورونا، أوصل رسالة أن إزالة صوته من الإذاعة لن يخرجه من قلوب محبيه”.

السياسة تفرّق ما يجمعه الفن: رحيل شجريان بين الأصوليين والإصلاحيين 2

صحيفة “إيران” الحكومية، عرضت في صفحتها الأولى صورة لشجريان، ونشرت أكثر من مقال تحدثت فيه عن حياة الفنان الراحل وأبرز التعليقات على هذا الحدث. وفي مقال لمسؤولة قسم الثقافة في الصحيفة ندى انتظامي، شبّهت فيه شجريان بسياوش (هو شخصية رئيسية في ملحمة الشاهنامة للفردوسي الطوسي خلاصة قصته أنه قُتل غدراً على يد أحد أعداء الدولة الإيرانية)، لافتة إلى أنه “في كل مرة كانت تصدر إشاعة عن وفاة شجريان كان يتجمع المحبون أمام المستشفى، ما يدل على حساسية المجتمع تجاه فنانهم”، وتساءلت “لماذا هو مؤلم ومفجع للغاية رحيل فنان لم يُسمح له بإقامة حفل موسيقي في بلده لأكثر من عقد من الزمان وكان طريح الفراش طوال السنوات الأربع الأخيرة من حياته؟”، وتابعت مجيبة “يمكن العثور على الجواب في جملة كتبها همايون شجريان على مواقع التواصل الاجتماعي ، عندما أكد الحادث المرير: “تراب الشعب الإيراني طار إلى ديار معشوقه”، في إشارة إلى ان محمد رضا شجريان كان يوقع دائما باسم “تراب الشعب الإيراني”.

واعتبرت الصحيفة أن هذا التوقيع “دليل على حب شجريان للناس بصدق”، مضيفة “سافر شجريان إلى بلدان مختلفة، ولكن في كل مرة عاد إلى إيران لسبب ما. كان يحب إيران”.

السياسة تفرّق ما يجمعه الفن: رحيل شجريان بين الأصوليين والإصلاحيين 3

ما سبق، يُبرز أن وفاة شجريان، شكلت فرصة لإظهار واقع الشرخ الموجود في الحياة السياسية الإيرانية بين الإصلاحيين والأصوليين، والتي قد يكون للانتخابات الرئاسية في العام ٢٠٠٩ نقطة تحول دائما ما تظهر على السطح عند أي حدث.

جاده ايران واتساب
للمشاركة: