موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة25 سبتمبر 2020 08:41
للمشاركة:

كيف قدمت إيران سرديتها الاستراتيجية للتدخل في سورية؟

السردية الإيرانية للتدخل في سوريا.. الأسس والاتجاهات والنتائج

لدى كل إنسان خطة، حتى يتلقى لكمة على وجهه. هذه مقولة لأشهر ملاكمي جيلنا مايك تايسون. لكن ماذا بعد اللكمة؟ بعد ذلك، يستعيد الملكوم التوازن بسرعة، ويحاول العودة إلى القتال، أو يكون عليه القبول بالخسارة بالضربة القاضية.
ينطبق هذا المثل على معظم المواجهات. فاستعادة التوازن والإصرار على الاستمرار عاملان رئيسيان في مسار محاولة الانتصار.  الخطة هنا قد تكون في المواجهة المباشرة، وقد تكون في المواجهة غير التقليدية على جبهات التأثير والإعلام وفرض السرديات، كما سيأتي في النص أدناه. ولعلّه من المفيد الاستئناس بقول آخر هذه المرة لونستون تشرشل، أعظم رؤساء وزراء بريطانيا في القرن العشرين: “ما من نجاح دائم والفشل ليس بقاتل، ما يمكن التعويل عليه  دوما هي الإرادة بالاستمرار”.

منذ عام 2011 تبدو منطقة الشرق الأوسط أشبه بحلبة ملاكمة كبيرة. هذا ما دفعني لاستخدام مقولة من مايك تايسون في البداية.  ولأنّي متخصص في الشأن الإيراني، أتابع ما يحدث في المنطقة على نحوٍ عام، لكني أترك عينًا مفتوحة دائمًا على إيران وتفاعلها وتأثرها، منذ لحظة إشعال محمد البوعزيزي جسده في تونس، وحتى لحظة كتابة هذه الكلمات.

مع بداية ما يعرف بالربيع العربي اصطلاحا، احتفت إيران بالانتفاضات العربية، من تونس إلى مصر وليبيا والبحرين واليمن. في العين الإيرانية، كان ما يجري جزءا من صحوة إسلامية عارمة. ومن المفيد هنا اقتباس كلام المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي: ” صحوة الشعب المصري الإسلامي هي حركة تحرير إسلامية، وأنا باسم الحكومة الإيرانية أحيي الشعبين المصري و التونسي”.  وصف خامنئي الظاهرة بالصحوة الإسلامية كما أسلفنا، ونظمت إيران فيما بعد فعاليات عديدة للاحتفاء بها. لكن الآية تبدّلت في سوريا، فكانت نظرة إيران لما يجري في سوريا، مختلفة عن نظرة إيران تجاه الانتفاضات الأخرى.

بداية، يتبادر إلى ذهن المتابع سؤال بديهي: لماذا تختلف سردية إيران حول انتفاضات مصر وتونس وليبيا والبحرين واليمن عن تلك التي في سورية؟ ولماذا لم تكن التظاهرات في مدن هذه الدول جزءًا من مؤامرة غربية للإطاحة بمؤسسات  السلطة، كما هو الحال في قراءة إيران للانتفاضة السورية؟ الجواب من زاوية الرؤية الإيرانية، هو أن هذه الدول يحكمها بالفعل قادة موالون للغرب، أو من لا يشكلون أي تهديد للنفوذ الغربي في المنطقة، بينما الحال في سورية مختلف، كما أن هناك أيضًا إجابة أخرى. فالذين يتوقع أن يحلوا محل القيادات التي أُطيح بها في تلك الدول، يصنفون على أنهم مقربون نسبيًا من إيران، أو تعتبرهم طهران غير معادين لها، كالإخوان المسلمين في مصر، وحركة النهضة في تونس، والإسلاميون في ليبيا، وتحالف كان يمكن أن يجمع الحوثيين وحركة الإصلاح في اليمن في ذلك الوقت.

 في سوريا، الرئيس بشار الأسد ليس مجرد زعيم في المنطقة، بل هو أقرب الحلفاء لإيران، وحلقة الوصل التي تربط النظام الايراني بأهم امتداداته العضوية العقائدية، أي حزب الله في لبنان. لهذا فإن سورية يمكن وصفها بمرساة نفوذ طهران في المنطقة، وبالتالي لم يكن لدى طهران رفاهية الخيارات لتسمح بسقوط نظام بشار الأسد، ما دفعها لاعتباره خطا أحمر رسم على أعلى مستوى في القيادة الإيرانية، وجرى إبلاغ مختلف صفوف القيادة في إيران وحزب الله في لبنان، أنه ما من خطة “ب”  في سورية، وأنّ الخطة الوحيدة هي بقاء الأسد.

نظمت إيران فعاليات عديدة للاحتفاء بالانتفاضات العربية من تونس إلى مصر وليبيا والبحرين واليمن . لكن الآية تبدّلت في سوريا، فكانت نظرة إيران لما يجري في سوريا، مختلفة عن نظرة إيران تجاه الانتفاضات الأخرى.

تدريجيًّا، بدأ تدخل إيران في سورية لمنع سقوط الأسد، ليصل هذا التدخل ذروته مع التفجير الذي طال خلية الازمة، وأودى بحياة الصف الأول من القيادات الأمنية للدولة في سورية. بعد اغتيال خلية الأزمة نقلت شخصية من حزب الله رسالة الى الرئيس السوري بشار الأسد، مفادها أنّ تحركاً سريعًا سيتم من إيران وحزب الله لإيقاف الانهيار. بعد ساعات حطت طائرة إيرانية  في مطار دمشق الدولي، وعلى متنها مجموعة من كبار ضباط الحرس الثوري، يترأسهم القائد السابق لفيلق القدس الفريق قاسم سليماني، وتم تقسيم العمل العسكري على جبهتين. الأولى في محيط دمشق من منطقة السيدة زينب الى المطار، والثانية كانت لضمان عدم سقوط العاصمة أو تعرض قصر الرئاسة لأي تهديد.

استخدمت إيران مصطلح “مستشارون عسكريون” لتحديد طبيعة عمل قواتها في سوريا. ولهذا المصطلح جذوره التاريخية في إيران. فقد استخدمته الملكية الإيرانية لوصف مشاركتها في اليمن، أثناء الحرب الأهلية (1962-1968) ولكنها نأت عن استخدامه في تدخلها لحماية سلطان عمان قابوس بن سعيد في مواجهته لتمرد ظفار (1972-1975)."1" يمكن ايراد الكثير من التفاصيل في هذا الصدد، لكنها ربما تحتاج لكتاب أو ورقة بحثية تفصيلية، لذلك ونظرا لمحدودية البحث سأنتقل مباشرة لجوهر ما أريد الحديث عنه، السرديات الاستراتيجية.

أقتبس أولًا مِن لورانس فريدمان تشريحه للمصطلح: السرديات يمكن أن تشرح الأحداث بشكل مقنع وتسمح ببناء رأي عليها، والتوصل منها لاستخلاص استنتاجات”. ويكمل فريدمان أنها وصفت بـ”الاستراتيجية” لأنها تستغرق وقتًا للتشكل، وتُحيط بالمسائل ذات الأهمية القصوى.
كان التدخل الإيراني في سوريا بحاجة لسردية متماسكة متعددة الأوجه، وأهم خطوطها موجه إلى الداخل الإيراني، أي السردية التي ستقدم للشعب، الذي يشكل قبوله بالسردية نصف الطريق إلى المعركة. وبالرغم قبضة النظام القوية في البلاد، إلا أن المجتمع الإيراني شديد التعقيد، ولا يزال  قادرا على التأثير ومواجهة السلطة ومقارعة قراراتها التي لا تعجبه. كما أنه لم يكن قد مرّ أكثر من عامين على الانتفاضة الخضراء في إيران، التي اشتعلت على خلفية نتائج الانتخابات الرئاسية، حيث رفض الإصلاحيون القبول بها. التظاهرات الضخمة التي نتجت عن ذلك الرفض حملت شعارات عديدة، لكن واحدا منها ترك اثرا كبيرا ولا سيما على مستوى المتلقي الخارجي: “لا لغزة لا للبنان، روحي فداء لإيران”. ورغم أن الانتفاضة انتهت، و توزع قادتها بين الإقامة الجبرية والمنافي وجزء ثالث لا يزال في طهران، إلا أن تأثير هذا الشعار جعل من أولى أولويات صانع السياسة الإيرانية، تقديم أي تدخل خارجي على أنه يخدم المصلحة الإيرانية، بل وتقديم رواية تجعل التضحيات الإيرانية مِن أجل سوريا على أنّها فداء لإيران.

يسمّي الإيرانيون الحرب مع العراق (1980-1988)  بالدفاع المقدس، وهو اسم هدف إلى ربط الدين (المقدس) بالهوية الوطنية (الدفاع عن الوطن)، وكانت مرحلة مبكرة من عمر الثورة، والبعض يشعر بأن تمثيله في النظام الجديد لم يكن بشكل جيد. لذا دمج مفهوم القداسة مع الوطنية لضمان أعلى نسبة قبول للحرب لدى الايرانيين.
أما في حالة سورية فكانت هناك ضرورة لبناء سردية تشرك الجميع مجددا، وتمنح المتطوعين الراغبين للذهاب إلى هناك سببًا للانخراط مع أعضاء آخرين في المجتمع، في ما يتعلق بقرار حرب صدر عن الحكومة في ذلك الوقت. لذا استخدمت تسمية “المدافعون عن الضريح” وتطلب هذا العنوان الكثير من الأبحاث في ايران، وساعد في خلقه شعارات طائفية رفعتها بعض مجموعات المعارضة السورية.

يشير اسم  المدافعين عن الضريح إلى رمز ديني ذو أهمية عالية بالنسبة لمعظم الإيرانيين – قبر زينب، ابنة الإمام علي بن أبي طالب، أول إمام للشيعة وحفيدة النبي محمد.
استدعى خطاب “الدفاع عن الضريح” صوراً من التاريخ الشيعي، إضافة الى إبراز روايات في المذهب الشيعي تتحدث عن ظهور المهدي والتي تتحدث عن مذابح وفتنة في أرض الشام. هذا المشهد كان كافيا لتصوير التدخل في سوريا على أنه حرب مقدسة، لا مفر منها،  للذود عن رموز التشيع الذين تعرضوا للاضطهاد منذ 1300 عام، ولمنع وقوع الظلم المذكور في الروايات المذكورة أعلاه.

ساعد ذلك في كسب الدعم من الحركات الشعبية في إيران، وعزز أيضًا مكانة إيران في العالم الشيعي كمدافع رئيسي عن المذهب ضد “التكفيريين”، أي تنظيمي القاعدة  وداعش. وتم تصوير ذلك بعدة طرق، أولها وهي البديهية من خلال التصريحات الرسمية على لسان القائد الأعلى والحكومة ووزارة الخارجية والبيانات الرسمية. وعلى الرغم من الاختلافات الهامشية التي قد تطرأ داخل السلطة الإيرانية حول كيفية التعامل مع المعضلة السورية، فقد قدمت جميع مراتب الدولة خطابًا ثابتًا وهو “إيران موجودة في سوريا لمحاربة المتطرفين”.
بعد توسع سيطرة داعش في العراق وسوريا وتهديده لسامراء وحلب، برز تأكيد خامنئي ، في مناسبات عدة، على أن قتال إيران في حلب هو لتجنب القتال في كرمانشاه (مدينة إيرانية قريبة مِن الحدود العراقية).

المستوى الثاني مِن الرواية كان أكثر وضوحًا على وسائل التواصل الاجتماعي، وفي الشوارع ومحطات المترو، حيث ظهر هاشتاغ “لماذا علينا أن نحارب”. وأبرزت الملصقات رواية تؤكد أنه إذا لم تكن إيران في سوريا ولاحقًا في العراق، لكانت ستُجبر على القتال في همدان ومدن إيرانية أخرى. إلى جانب ذلك، كان هناك  دائمًا، سواء كان ذلك في وسائل الإعلام الحكومية أو في وسائل إعلام آخرى، إصرار على تصنيف كل فصائل المعارضة السورية تحت مظلتي تنظيمي النصرة وداعش، وبالتالي فإن كل من يقاتل ضد الحكومة السورية إما إرهابي أو متطرف.

كيف قدمت إيران سرديتها الاستراتيجية للتدخل في سورية؟ 1

على الرغم من حقيقة أن المعركة وعناصرها كانت واضحة للجميع على مستوى هدف تثبيت بشار الأسد في الحكم، إلا أن وسائل الإعلام الحكومية الإيرانية والمسؤولين تجنبوا الحديث عن هذا الجانب بشكل مباشر، فإيران لا تريد أن تقول إنها في سورية للدفاع عن الأسد، رغم أنه في بعض الأحيان كان هناك عدد قليل من المسؤولين الذين قدموا في تبريرهم للتدخل، معلومات تذكر وقوف سورية إلى جانب إيران خلال الحرب العراقية الإيرانية. أبرز هؤلاء كان القائد الأسبق للحرس الثوري ومستشار القائد الأعلى العسكري رحيم صفوي، والذي تحدث في خطاب أمام متطوعي منظمة البسيج شبه العسكرية في جيلان شمالي إيران عن دور سوريا خلال الحرب العراقية الإيرانية في تزويد ايران بالصواريخ والأسلحة، ودعمها لتعليم الإيرانيين صناعة الصواريخ مستدعيا إلى الذاكرة أن أبو المشروع الصاروخي الإيراني حسن طهراني مقدم (الذي قتل في انفجار اثناء تجربة كان يجريها على صواريخ مرصاد شرق طهران)  كان قد تعلم آلية عمل الصواريخ في سوريا.

بدأت صور المتطوعين الإيرانيين بالانتشار تدريجيا، تماما كما بدأت تقام مراسم الجنازات بشكل علني، وهذا يناقض تقارير منشورة حول إخفاء إيران لقتلاها في الحرب السورية. من المهم هنا أيضًا فهم العقلية الإيرانية في التعامل مع مبدأ الشهادة في مثل هذه الحروب. فسردية الدفاع عن المزارات جرى توجيهها من البداية، للتقاطع مع رواية معركة كربلاء والتي تعتبر نقطة فاصلة عند المسلمين الشيعة. هنا يشبه المقاتل بالعباس بن علي بن أبي طالب أخ الحسين وزينب، والذي أوكل له حماية شقيقته وبنات وزوجات آل البيت في كربلاء.

 هذه الصورة استفاد منها المداحون، أو ما يعرف بقراء اللطميات الإيرانيين الذين ربطوا في مقطوعاتهم الدينية بين الضريح في سورية، وبين زينب في كربلاء، وتخطى الانتاج حصرية اللغة الفارسية إلى العربية وغيرها وشكل هذا عامل تعبئة، ليس فقط في إيران بل في لبنان حيث رفع شعار كلنا عباس يا زينب وفي العراق حيث شعار “اخوة زينب” الى أفغانستان وباكستان حيث شكل المتطوعون من هذين البلدين ماعرف بقوة الفاطمييون والزينبيون. اذا دققنا بالاسماء سنلاحظ أنها جميعها تتقاطع مع محورية ضريح زينب بنت علي لتثبيت فكرة الدفاع عن الضريح.

هكذا بات الشاب الشيعي في إيران أو لبنان أو العراق وأفغانستان وباكستان، يشعر مباشرة بأنه رديف العباس ويقوم مقامه في الدفاع عن ابنة بنت رسول الله وبنت علي وفاطمة، وهذا ليس تفصيلا عابرا في لحظة اصطفاف طائفي وتحريض مذهبي وشعور بالاستهداف.  

لم تتوقف السردية هنا. فعلى رفوف بعض المكتبات في إيران، بدأت تظهر زوايا خاصة ليوميات المتطوعين أو المدافعين عن الحرم كما يوصفون في إيران، واتجهت مؤسسات كتابة التاريخ لمرافقة المقاتليين، وتسجيل كل ما يقولونه ليتحول لاحقا الى مذكرات وكتب تتحدث عن الفداء والتضحية. هناك صادفت كتاب ” پیغام ماهی ها ” أو رسائل الأسماك والذي جمع عن لسان قائد قوات الحرس الثوري الإيراني السابق في سورية العميد حسين همداني، والذي اغتيل جنوبي حلب في بلدة خناصر. الكتاب حمل أول توثيق رفيع المستوى لكيفية اتخاذ إيران قرارها بالتدخل في سورية.

كيف قدمت إيران سرديتها الاستراتيجية للتدخل في سورية؟ 2

جاء سقوط الموصل في يد ما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ليدعم السردية الإيرانية داخل البلاد، وحسم أمرها بشكل كبير هجمات متعددة للتنظيم على أهداف داخل الجمهورية الإسلامية، وهو الذي أنهى في العلن معظم الجدل الذي كان دائرا حول التدخل في سورية والجدوى منه. هذا الجدل دخل على خطه في لحظة ما الرئيس الأسبق الراحل هاشمي رفسجاني، إلى جانب بعض الحوزويين والكتّاب الإصلاحيين. 

مستوى ثالث من صناعة السردية كان الإنتاج المصور، وهنا لا بد من الإشارة إلى فيلم بتوقيت دمشق (به وقت شام) الذي أخرجه إبراهيم حاتمي كيا أحد أبرز المخرجين الإيرانيين، وصاحب مدرسة إخراجية حربية من زمن الحرب الإيرانية العراقية.  قدّم ” به وقت شام ” صورة المستشار الإيراني الذي يضحي بكل شيء من أجل هزيمة داعش. الفيلم روجت له شخصيات رفيعة على رأسها قائد فيلق القدس السابق الذي تم اغتياله مطلع عام 2020 اللواء قاسم سليماني، ووزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف الذي ظهر خلال الترويج للفيلم باكيا. ولم يكن الفيلم موجهاً للجمهور الإيراني فقط، بل تم إصداره لاحقًا بترجمة عربية في بيروت ودمشق وبغداد.

ليس” به وقت شام” الإنتاج الوحيد، فهناك عشرات الأفلام الوثائقية التي جرى عرضها على الشاشات الإيرانية خلال السنوات الماضية، إلى جانب أعمال درامية وغرافيكس وتصوير من الميدان ورحلات ميدانية لشخصيات إيرانية مؤثرة في الرأي العام إلى مناطق القتال في سورية، لأجل نقل الصورة إلى الداخل الإيراني بما يتناسب مع السردية الاستراتيجية الإيرانية.

هذا على مستوى الداخل الإيراني، لكن ماذا على مستوى المنطقة؟

أخذت السردية الإيرانية على مستوى المنطقة اتجاهين، احدهما موجه نحو الشيعة العرب ولم يختلف كثيرا عن ذلك الموجه للداخل الإيراني، على مستوى الأدوات مع بعض التعديلات التي تناسب الثقافات المحلية. المنحى الآخر استهدف إلى جانب حلفاء إيران من العلمانيين والقوميين العرب السنة العرب بشكل عام، لا سيما أولئك الذين يقفون إلى جانب المقاومة  ضد إسرائيل.

جرى تصوير القتال في سوريا على أنه معركة بين محور المقاومة وحلفاء إسرائيل، لكن هذه السردية لم تنجح بالعبور بشكل كبير، ولا سيما مع بروز خلاف داخل محور المقاومة بين إيران وبين قسمٍ من حلفائها الفلسطينيين وتحديدا حركة حماس. هذه السردية بقيت مهزوزة لأسباب عديدة، أولها اعتبار كثر من المسلمين السنة في العالم العربي أن إيران تقود حربا طائفية للدفاع عن حليف علوي في مواجهة المعارضة السنية. وقد غذى هذا الاتجاه السردية الإيرانية الأولى الموجهة للشيعة في المنطقة، التي ربطت بين الحرب وبين الأضرحة وتقديم الحرب بشكل مقدس. وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه في عصر وسائل التواصل الاجتماعي والمساحات المفتوحة، كان من المستحيل تقريبًا عدم وجود هذا التصادم بين السرديات.

فشلت الرواية الإيرانية في الوصول إلى غالبية المسلمين السنّة العالم العربي، ولكن مع شعور الأقليات المسيحية بالخطر، جرى تقديم سردية جديدة أخذت بعدا تجاوز المنطقة، ومفادها دفاع إيران ومحورها عن الأقليات المعرضة للخطر من قبل المتطرفين في المنطقة. هذه السردية تبنتها الدبلوماسية الإيرانية وحلفاء إيران، وبدا واضحا أنها تركت أثرا خاصة مع تعاظم خطر داعش وتهديده للداخل الأوروبي عبر عمليات عديدة. لم تتخلًّ السردية الاستراتيجية الإيرانية عن محاولات كسب جمهور إقليمي، وساهم ظهور داعش بتقديم فرصة لها لإلقاء اللوم بشكل منهجي على الغرب والولايات المتحدة تحديدا لتسعير الطائفية"2" . ومع ذلك، فإن هذه الرواية لم تقدم لطهران الجمهور الذي تسعى إليه، حيث كان الانقسام الطائفي يزداد اتساعًا.

الهوامش

"1"

Orkaby, A. 2014. The International History of the Yemen Civil War, 1962-1968. Doctoral dissertation, Harvard University

"2"

Akbarzadeh, S. (2017). Iran’s Uncertain Standing in the Middle East. The Washington Quarterly,40(3), 109-127

جاده ايران واتساب
للمشاركة: