موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة27 أغسطس 2020 18:53
للمشاركة:

إيران تُطلق سهمها المزدوج.. قصة المفاوضات بين طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية

يبدو أن اجتماع مجلس حكام الوكالة الدولية للطاقة الذرية في أيلول/ سبتمبر المقبل سيكون مختلفًا عن الاجتماع السابق الذي أُدينت فيه إيران

توّجت زيارة المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافايل ماريانو غروسي إلى إيران، والتي بدأت مطلع هذا الأسبوع، باتفاق بين الجانبين، بعد أشهر من التوتر على خلفية اتهام طهران من قبل مجلس حكام الوكالة في حزيران الماضي بأنها قامت بأنشطة نووية غير معلنة في مطلع سنوات 2000 قرب طهران وأصفهان. الاتفاق الذي نتج عن زيارة غروسي، ينص على “منح إيران بشكل طوعي للوكالة الدولية للطاقة الذرية حق الوصول إلى موقعين محدّدين من جانب الوكالة”.

في موازاة هذا الإتفاق، نشطت أميركا في مجلس الأمن الدولي وعملت على إصدار قوانين دولية تزيد الحصار على إيران. إلا أن موقف الدول الأوروبية أتى عكس ما تشتهي واشنطن. فقد رفضت الغالبية الساحقة لأعضاء مجلس الأمن قبول رسالة الولايات المتحدة التي طلبت فيها تفعيل “آلية الزناد” لإعادة الحظر الأممي على إيران.
من هنا، يأتي الإتفاق بين إيران والوكالة الدولية ضمن سياق مركّب: الأول دولي مبني على الرهانات الإيرانية على الأوروبيين من أجل الخروج من أحادية أميركا في اتخاذ القرارات وفرض العقوبات، والثاني داخلي مبني على قلق من صدق النوايا الأوروبية وصدق الوكالة الدولية تجاه طهران.

مخاض صعب

تشهد إيران منذ العام 2018، تاريخ انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الإتفاق النووي مع إيران، أزمات إقتصادية متسارعة ناتجة بمعظمها عن العقوبات المتزايدة. ولمواجهة هذه التحديات، حاولت إيران التقرّب من الأوروبيين لكسر الجمود الحاصل في علاقاتها الغربية.
هذا الإنفتاح الإيراني قابله تباطؤ من قبل الدول الأوروربية المنخرطة في الاتفاق التي حاولت عدم تخطي الخطوط الحمراء الأميركية.

وبقي الوضع على حاله حتى شهر حزيران من العام الحالي، عندما تبنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية تقرير مجلس حكام الوكالة الذي اتهم إيران بالقيام بأنشطة نووية مشبوهة في حقلين، الأول قرب طهران والآخر قرب أصفهان، وهو أول قرار ينتقد إيران بشأن برنامجها النووي تصوت عليه الوكالة التابعة للأمم المتحدة منذ العام 2012. وتبنت هذا الإتهام كل من فرنسا وبريطانيا وألمانيا، فدخلت العلاقة بين الجمهورية الإسلامية والوكالة الدولية في حالة جمود.

بقي الأخذ والرد بين ايران والوكالة مستمراً حتى وصلت التطورات إلى استحقاقين مهمين، الأول تمثل بمطالبات أميركية في مجلس الأمن لفرض عقوبات دولية إضافية على إيران وتفعيل “آلية الزناد” على طهران والتي بموجبها يمنع بيع السلاح لها. أما الثاني يتمثل بطلب مدير عام الوكالة غروسي زيارة طهران، في أول زيارة رسمية له للبلاد.
رغم عدم ارتباط الإستحقاقين عملياً، إلا أن الخلفيات السياسية لتزامن الحدثين كانت تُلعب في الأروقة الدبلوماسية، خصوصاً مع قدرة الولايات المتحدة على نقل هكذا ملف إلى مجلس الأمن.

بداية الحل

أولى التحركات الدبلوماسية جاءت من حلفاء إيران، الصين وروسيا. وحسب مصادر مطلعة أوردتها صحيفة “اعتماد” الإصلاحية في عددها الصادر اليوم الخميس 27 آب/ أغسطس 2020، دعت كل من روسيا والصين إيران إلى النظر في آلية توافقية جديدة مع الوكالة، وبالتوازي، حثّت الدولتين الوكالة الدولية على التوصل إلى خارطة طريق جديدة لحل النزاع مع طهران. ووفق مصادر الصحيفة، فإن “إيران بدأت بعرض هواجسها في الوكالة، ونتيجة للمشاورات، توصّل الجانبان إلى مسودة بيان تعاون تضمن جميع مطالب إيران”. ومن هنا بدأت الاتصالات بين غروسي وطهران للوصول إلى حل للأزمة، وتبعتها زيارة غروسي إلى طهران والوصول إلى الإتفاق بين الجانبين.

وبحسب “اعتماد”، أدت نتائج المشاورات المكثفة التي أجراها الوفد الإيراني في فيينا وطهران خلال الأسابيع القليلة الماضية، إلى حصار طريق فيينا – نيويورك المناهض لإيران والذي أنشأه ترامب. فبعد أن أراد الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو جعل شهر أيلول شهرًا صعبًا بالنسبة لإيران من فيينا إلى نيويورك، تمكنت إيران بدبلوماسيتها صدّ هذه المحاولات بحسب الصحيفة.

من هنا، رأى مسؤول دبلوماسي يعمل في الشأن الإيراني، في حديث مع مجلة Foreign Policy الأميركية، أن كل ما حصل كان بطاقة بيد إيران، إذ كانت تنتظر موقف الدول الأوروبية وتحديداً بريطانيا وفرنسا وألمانيا من الدعوة الأميركية في مجلس الامن، وبالتالي عندما رفضت هذه الدول العقوبات، قررت طهران لعب ورقتها والإنفاح على الوكالة الدولية، واصفاً هذا الموضوع بأنه “خطوة ذكية”.

واعتبرت الصحيفة في مقال لـ”لورا روزن”، أن “الغضب الأوروبي والإحباط كان نتيجة سياسات ترامب الأحادية ومحاولاته المناورة في مجلس الأمن، مع تزايد الشعور بأن إدارة ترامب لا تتعامل بصدق وحسن نية مع هواجس الأوروبيين”. وهذا التحليل نابع من استخدام المسؤولين الأوروبيين عبارة “مخادع” في وصفهم اتهامات وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو بأن الأوروبيين يقفون إلى جانب “آيات الله”.
كما وصفت مصادر مطلعة لصحيفة “اعتماد” الإيرانية أن “إيران تمكنت من إطلاق سهم مزدوج في الأيام الأخيرة، الأول عبر وقف التهديد المتمثل بتحويل ملف البرنامج النووي من الوكالة الدولية للطاقة النووية إلى مجلس الأمن، إضافة لاستغلال ما حصل لفتح صفحة جديدة في التفاوض مع الوكالة وإنهاء المزاعم الإسرائيلية ضدها”.

تخوّف داخلي

داخل إيران، لم تكن النظرة إيجابية بشكل تام لهذا التطور اللافت في العلاقة مع الأوروبيين ومع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
في قراءة لبعض المقالات الصادرة في إيران، نجد تبايناً في المواقف حول هذا الموضوع. حيث رأى خبير الشؤون الدولية في صحيفة “اقتصاد سرآمد” أحمد بخشايش اردستاني أنه “على الرغم من أنّ زيارة غروسي بحسب قول المتحدِّث باسم منظَّمة الطاقة الذرية الإيرانية بهروز كمالوندي لا علاقة لها بجهود البيت الأبيض الأخيرة من أجل تفعيل آلية الزناد، إلا أنه يبدو من سياق الحقائق السياسية والدبلوماسية وكذلك شخصية المدير الحالي للوكالة أنّ كلمات كمالوندي ليست قريبة جدًّا من الحقيقة، خاصّةً أنّ لقاءً كان قد جمع غروسي بوزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في 14 آب الماضي”.
واعتبر أردستاني أن “الزيارة الحالية لمدير الوكالة الدولية للطاقة الذرِّية تتماشى مع تحرُّكات بومبيو الدبلوماسية ووجوده في إسرائيل”، وقال “في الواقع إنّ زيارة غروسي خلافًا لمزاعم المسؤولين المحليين، تُكمِل محاولات واشنطن في تفعيل آلية الزناد، ولن تأتي الزيارة في مصلحة إيران”.

في المحصلة، لا يزال بعيدا بالنسبة لطهران حسم تحقيقها لأهدافها من هذه المعركة. فالثقة لا تزال في حدها الأدنى بين طهران والأوروبيين من جهة وبينها وبين الوكالة الدولية، لكن ما يبدو جليا أن خطوات الولايات المتحدة جعلتها تبدو معزولة ولو نظرياً، عن قدرة اتخاذ القرارات الأحادية في مجلس الأمن، وهذا بدوره قد يكون له ارتدادات كبيرة على مؤسسة الأمم المتحدة في المستقبل.
وعلى الرغم من إدانة إيران في حزيران من قبل الوكالة، إلا أنه يبدو أن الجلسة المقبلة في أيلول بعيدة عن سابقتها، والتي ستكون في فيينا لبحث المفاوضات النووية مع إيران، حيث نجحت مشاورات غروسي في طهران في إخراج علاقة إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية من الجمود الذي ساد لأشهر.

جاده ايران واتساب
للمشاركة: