موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة16 يونيو 2020 16:22
للمشاركة:

كيف ساهمت العقوبات النفطية في تشجيع إيران على التجارة الإقليمية؟

دأبت إيران منذ سنوات طويلة التأكيد على أنها تسعى لتقليل اعتماد موازنتها السنوية على عائدات النفط، لكن يبدو أنها أصبحت تحت ضراوة العقوبات الأميركية المستمرة خلال الأشهر الماضية مضطرة لحث الخطى في هذا المجال، الأمر الذي أدى بحسب الكاتب الإيراني- البريطاني اسنفنديار باتمنعليدجي إلى نمو القوي للصادرات الإيرانية غير النفطية على المستوى الإقليمي، وهذا ما قد يعطي وفق مقالة الكاتب المنشورة معهد دول الخليج العربية في واشنطن إلى إيلاء أهمية قصوى للأمن الإقليمي من خلال عدة مسارات مُوضحة في مضمون المقال الذي ترجتمه جاده إيران

قضت إيران 18 شهر تحت ضغط العقوابات القصوى المفروضة من إدارة ترامب، بالإضافة إلى إعادة فرض عقوبات ثانوية جديدة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2018 أدت إلى ضغوطات إقتصادية هائلة، أبرزها حدوث عجز كبير بالموزانة العامة للدولة، وتهاوي قيمة العملة الإيرانية، وتضخم جنوني. كان الاقتصاد الإيراني في حالة أزمة نتيجة العقوبات وزادت حدتها سوء الإدارة، ما جعل المواطنين الإيرانيين يعانون أكثر نتيجة تآكل قدرتهم الشرائية. 

كانت إدارة الرئيس دونالد ترامب تأمل أن تؤدي الأزمة الاقتصادية الطاحنة في إيران إلى إنهيار تام، لكن يبدو أن تكتيك عقوبات الضغط الأقصى لم يحقق إلا مكاسب هامشية بمرور الوقت.

تقلص الاقتصاد الإيراني في الفترة بين مارس 2019  ومارس 2020 (سنة 1398 بالتقويم الإيراني) بنسبة 7%، وكان هذا انكماش حاد لثاني سنة على التوالي، لكن، يرجع هذا الانخفاض بالأساس لانكماش سوق والنفط وانخفاض صادرات النفط الإيرانية بنسبة 35%، ولكن، الصورة في القطاعات الاقتصادية غير النفطية التي تم تجاهلها إلى حد كبير كانت أكثر إيجابية بكثير. وفي حين واجهت قطاعات مثل الزراعة والتصنيع والخدمات صعوبة بالغة حتى تكيفت مع الوضع الجديد الذي فرضته العقوبات الثانوية فقد كشفت البيانات الصادرة عن المركز الإحصائي لإيران مرونة مفاجئة في العام الماضي فقد نمت القطاعات السابقة بنسب 3٪ و 0٪ و -2٪ على التوالي،  وهذه الأرقام وإن كان بها نمو بالسالب إلا أنها أقل بكثير من الصورة الدرامية المتوقعة عن انهيار النمو.

والأهم من ذلك أنه بحلول الربع الأخير من العام، عاد قطاع الصناعات التحويلية في إيران إلى النمو بنسبة 2.4٪. ويعمل بقطاع التصنيع الإيراني قرابة ثلث القوى الإيرانية العاملة، والبالغ عددهم حوالي 24 مليون نسمة، وهذا ما ساعد إيران على البقاء مندمجة في الاقتصاد العالمي حتى في ظل العقوبات التي عزلتها عن أسواق النفط العالمية.

اجتاح فيروس كورونا  إيران، ما أدى إلى وفاة قرابة 9000 شخص، وتباطؤ النمو الاقتصادي للبلاد حيث فرضت السلطات إغلاقًا كامل على مستوى البلاد. لكن، مثل العديد من بلدان العالم اختارت الحكومة الإيرانية إعطاء الأولوية للانتعاش الاقتصادي للبلاد على الصحة العامة. وتم إعادة فتح المصانع واستئناف حركة التجارة بالرغم من الخسائر البشرية، وبدأت مؤشرات المرونة الاقتصادية في إيران تظهر مرة أخرى.

بين مارس 2019 ومارس 2020، بلغت عائدات الصادرات غير النفطية الإيرانية 41 مليار دولار. وفي نفس العام بلغت عائدات صادرات النفط 9 مليارات دولار فقط منخفضة من ذروة بلغت 119 مليار دولار قبل بضع سنوات فقط، وكانت تذهب نصف القيمة الإجمالية لشراء السلع المصنعة. ولقد مكنت عائدات الصادرات غير النفطية الساسة الإيرانيين من أجل إعادة هندسة ميزانية البلاد وتشكيل الهيكل الاقتصادي العام مهمشين الاعتماد على العوائد النفطية، وهذا كان هدف مُعلن منذ فترة طويلة.

بالنظر إلى أن إيران تتميز بسوق محلية تضم 80 مليون شخص ربما يكون من غير المُستغرب أن تكون البلاد قد طورت قطاعًا صناعيًا قويًا، لكن ما يثير الدهشة هو النمو القوي للصادرات الإيرانية غير النفطية على المستوى الإقليمي، وهو ما يشير للكفاءة الاقتصادية للبلاد.

بين مارس 2019 ومارس 2020،  كانت الصين الوجهة الأولى للصادرات الإيرانية غير النفطية، وبلغت عائدات التصدير الإيرانية 9.5 مليار دولار، وكانت الوجهات الأربع الكبرى التالية للصادرات الإيرانية تقع جميعها في الجوار: العراق (9.0 مليار دولار) ، وتركيا (5.0 مليار دولار) والإمارات العربية المتحدة (4.5 مليار دولار) وأفغانستان (2.3 مليار دولار).

منذ 2008 بدأت التجارة الإقليمية لإيران تنمو بشكل فعلي مدفوعة بعدة عوامل على رأسها دخول إيران مع بدايات العقد الأول من القرن الحادي والعشرين حقبة التصنيع المتقدم، وأنشأت في هذا الإطار عدة مشاريع مشتركة مع شركات أوروبية لصناعة السيارات والصلب والسلع الاستهلاكية وغيرها من السلع. وبدأت برفع جودة المنتجات التي تحمل علامة “صُنع في إيران” ما جعل السلع الإيرانية المحلية قادرة على المنافسة بشكل مباشر مع السلع المستوردة. ومع نمو حصة السوق المحلية، احتاج المصنعون الإيرانيون إلى البحث عن أسواق جديدة لزيادة النمو.

بين مارس 2019 ومارس 2020، بلغت عائدات الصادرات غير النفطية الإيرانية 41 مليار دولار. وفي نفس العام بلغت عائدات صادرات النفط 9 مليارات دولار فقط منخفضة من ذروة بلغت 119 مليار دولار قبل بضع سنوات فقط

في ظل هذا التحول الإيراني تم فرض عقوبات متعددة الأطراف لأول مرة على إيران في عام 2008، وزادت حدة الضغط على التصنيع الإيراني مع العقوبات المالية الصارمة في 2012، لكن التخفيض الإجباري للعملة الإيرانية نتيجة عدم اليقين في مدى صمود الاقتصاد وقلة عائدات إيران من النقد الأجنبي، جعل السلع الإيرانية التي تحسنت جودتها تحجز مكان في الأسواق الإقليمية، وقد سعى المصنعون الإيرانيون إلى زيادة صادرتهم من أجل كسب المزيد من العائدات النقدية الأجنبية لتعويض إرتفاع تكاليف المواد الخام المستوردة وغيرها من المدخلات اللازمة للتصنيع.

جاء التركيز الإيراني على الأسواق الإقليمية كنتيجة لحقيقة بسيطة مبينة على الجغرافيا الإيرانية التي تمنح الشركات سهولة الوصول للعديد من الاسواق الاستهلاكية الكبيرة، فقد كانت التجارة الإقليمية مع اعتمادها على قنوات لوجيستية ومالية بسيطة أصعب من السيطرة عليها عبر العقوبات الثانوية لإدارة أوباما من أجل خنق الإقتصاد الإيراني، صحيح أن العقوبات أدت لتراجع التجارة الإيرانية مع أوروبا والهند واليابان وكوريا الجنوبية وغيرها من الأسواق الرئيسية الدولية عبر الحاويات وكذلك نجحت العقوبات في الضغط على شركات النقل والبنوك الكبرى، لكن التجارة الإيرانية في الشرق الأوسط ازدهرت، فقد أفلتت الشاحنات والسفن الصغيرة والبنوك الصغيرة من العقوبات الأميركية.

يرى أنصار سياسة “أقصى ضغط” أن الصادرات غير النفطية الإيرانية على المستوى الإقليمي تشكل تحدي، ولهذا حاوت إدارة ترامب مؤخرًا بذل مزيد من الجهود لإستهداف قطاع الصناعة الإيراني.

تعد إيران أول منتج رئيسي للنفط في الشرق الأوسط ينتقل إلى الاعتماد الكلي على الصادرات غير النفطية، ويمثل هذا التطور في إيران نموذج للباحثين عن مسارات للنمو الاقتصادي المستقر في الشرق الأوسط. لقد قامت إيران بذلك على مضض وبتكلفة باهظة، لكن، بافتراض أن الصادرات غير النفطية ستستمر في دعم الاقتصاد الإيراني فإن هذا يمثل تحسنًا جوهريًا في السياسة الاقتصادية للبلاد، ومع النمو الناتج عن القطاعات الأخرى للاقتصاد كالقطاع الخاص سيصبح الملايين من العمال أصحاب الياقات الزرقاء يتمتعون بنفوذ أكبر.

علاوة على ذلك، يمنح الحافز الاقتصادي للتجارة الإقليمية بين إيران وجيرانها أهمية قصوى للأمن الإقليمي وذلك لم يكن موجودًا من قبل. وبينما كان التنافس بين دول الشرق الأوسط لعقود في أسواق النفط الدولية سبب لعدم الاستقرار الإقليمي والصراعات الحدودية وهذا ما كان يحد من إنتاج النفط والصادرات بين منافسي أوبك قد يشكل التحول الأخير نحو التجارة غير النفطية داخل المنطقة طريقًا لتحقيق الرخاء ويكون أكثر انسجامًا مع السعي لتحقيق السلام.

لذا ينبغي النظر لاعتماد إيران على التجارة الإقليمية على أنه فرصة لخطوة جديدة نحو دبلوماسية إقتصادية في الشرق الأوسط، حيث هناك مجالات مهمة مطروحة للحوار مثل: حرية الملاحة، وتنسيق التجارة  وحتى الاستثمار العابر للحدود. حتى الآن، لم تبذل القوى الغربية أي جهود مُتضافرة لدعم التنمية الاقتصادية في السياق الإقليمي للشرق الأوسط، لكن جرس الفرصة قد دُق، ومن المرجح أن وقف الصراع يمكن أن يحقق مكاسب عدة لو بُذلت الجهود الآن.

المصدر/ معهد دول الخليج العربية في واشنطن

جاده ايران واتساب
للمشاركة: