موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة18 أبريل 2020 15:03
للمشاركة:

رحلة حسن روحاني من الحرب إلى الحرب

شخصيات إيرانية.. 360 ْ كما لم تعرفها من قبل

ما من مفصل تاريخي في إيران ما بعد الثورة إلا ولحسن روحاني حصة فيه، هكذا يقول تاريخ الرجل الذي أصبح رئيسا لإيران في العام 2013 رافعا شعار المفتاح. روحاني نفسه كان مفتاحا للكثير من الأبواب خلال عقود خدمته في مناصب مختلفة في الجمهورية الإسلامية منذ الثورة في العام 1979، بل وقبلها.
من القصص التي تروى عنه أنه كان خلف إطلاق لقب الإمام على آية الله روح الله الخميني في العام 1977 وبعد وفاة نجله مصطفى، خلال مرحلة نفيه في مدينة النجف. يقول روحاني إنه في ذلك الوقت كان ممنوعا من القاء الخطب على المنابر، لكن رجل الدين الثوري الراحل مرتضى مطهري هاتفه وطلب منه إلقاء كلمة في مسجد آرك القريب من بازار طهران لما للمناسبة من أهمية كبرى. فكّر في مضمون الخطاب وقرر أن يربط بين النبي إبراهيم الخليل وبين الخميني، تضحية كلاهما بولده، والضغط الذي يتعرض له وهكذا في نهاية الكلمة إستخدم الآية الكريمة “إني جاعلك للناس إماما” ليقترح على الجمع الحاضر إطلاق لقب الإمام على آية الله الخميني، ليصبح الإسم المتعارف عليه منذ ذلك الوقت “الإمام الخميني”.

إنتصرت الثورة وأصبح إبن بائع البهارات القادم من سرخه قرب سمنان والذي كان يبلغ من العمر حينها ثلاثين عاما، أصبح عضوا في أول برلمان ينتخب في البلاد في زمن الجمهورية الإسلامية. حينها كان قد أمضى في الدراسة الحوزية ما يزيد عن نصف عمره وحاملا لشهادة في الحقوق من جامعة طهران. في تلك الأيام كان روحاني الذي سيتحول لاحقا إلى مؤسس تيار الإعتدال، متشددا، بل إنه في كتاب مذكراته يروي كيف أطلق فكرة الحجاب الإجباري في إيران في بدايات الثورة، وهو ذات الأمر الذي وضعه محل جدل عندما أصبح رئيسا ودعا لتعزيز الحريات الشخصية والاجتماعية.

في مساره السياسي كان روحاني قريبا منذ البدايات بمعلمّه أكبر هاشمي رفسنجاني، فكان نائبا له في رئاسة البرلمان الإيراني وكان لصيقا به خلال فترة الحرب الإيرانية العراقية حيث تولى مناصب عسكرية وأمنية عديدة، عضوا في مجلس الدفاع الأعلى، نائبا لقائد الحرب، قائدا لمقر خاتم الأنبياء، وقائدا للقوات الجوية، ولعل من المحطات الأكثر إثارة للجدل في حياته لقائه بروبرت ماكفرلاين سكرتير الأمن القومي الأميركي في طهران في العام 1986 في إطار التفاوض على ما عرف لاحقا بصفقة إيران كونترا.

يقول عارف بروحاني إنه كان رجل المهام الصعبة في اللحظات الصعبة، فهو يجمع بين الإلتزام الثوري والمرونة الواقعية، ما يجعله رجل مفاوضات عند الحاجة كما هو رجل حرب.
مع وفاة الإمام الخميني وتعديل الدستور واستحداث مؤسسات جديدة في النظام، شغل حسن فريدون، وهو اسمه الأصلي، منصب أمين مجلس الأمن القومي الإيراني وممثل المرشد الأعلى آية الله خامنئي فيه، واستمر في هذا المنصب حتى العام 2005 عندما انتخب محمود أحمدي نجاد رئيسا للجمهورية. يروي الدبلوماسي الإيراني حسين موسويان قصة استقالة روحاني من منصبه في كتابه عن العلاقات الأميركية الإيرانية، يقول إن روحاني حذّر أحمدي نجاد من عواقب تحويل ملف إيران إلى مجلس الأمن الدولي في حال فشل إيران في التفاوض مع الأوروبيين حول برنامجها النووي، وأن الغربيين بشكل عام هم أكثر المساهمين ماليا في الوكالة الدولية للطاقة الذرية وبالتالي فإن المعركة معهم خاسرة، يقول موسويان إن أحمدي نجاد رد على روحاني بالقول “اتصل بمحمد البرادعي (كان رئيسا للوكالة) وأخبره أن إيران ستسدد كامل ميزانية الوكالة.” لم يحتمل روحاني حينها كلام أحمدي نجاد الذي جادله بأنه الرئيس وصاحب القرار و”عليك أن تطيع” فما كان منه إلا أن استقال.

لكن روحاني الذي يحمل لقب مجتهد وهو عضو في مجلس الخبراء منذ العام 1999، يحمل في قلبه وجعا من العام 1992 عندما وجد ابنه ميتا في وفاة وصفت بالغامضة، قيل إنها كانت انتحارا. بقيت أسرة روحاني خلف الستار في معظم المراحل، مع أن شقيقه حسين لعب أدوارا عديدة خلال السنوات الماضية، بما في ذلك في المفاوضات النووية الأخيرة في فيينا عام 2015 وانتهى دوره بحكم محكمة إيرانية عليه بالسجن بتهم فساد في عهد أخيه.

في السنوات التي سبقت انتخاب أحمدي نجاد رئيسا، كان روحاني شخصاً محورياً في المفاوضات النووية مع الغرب، حين كان كبيرا للمفاوضين الإيرانيين، حينها أُسبغ عليه لقب شيخ الدبلوماسية، ولعل تلك المرحلة من عمره كانت بوابة له لاحقا ليصبح رئيسا للبلاد عندما أضحى الملف النووي في مرحلة تحتاج لإدارة تجنح نحو التسوية بعد ثماني سنوات من المواجهة. خلال فترة المفاوضات بنى روحاني علاقات مميزة مع شخصيات غربية عديدة أبرزها جاك سترو، وزير خارجية بريطانيا، الذي يصفه في كتابه “الوظيفة الإنجليزية” بصاحب معرفة موسوعية لكيف يعمل النظام في إيران. سترو زار روحاني في مناسبات عديدة رسمية وقبل سنوات بعد انتخاب روحاني وتنحي الوزير البريطاني عن مقعد البرلمان الذي كان يشغله عن مدينة بلاكبيرن.

يجمع روحاني بين الإلتزام الثوري والمرونة الواقعية، ما يجعله رجل مفاوضات عند الحاجة كما هو رجل حرب.

كانت انتخابات العام 2013 البوابة التي عاد منها روحاني إلى الواجهة مرشحا للانتخابات. حينها كانت يشغل منصب رئيس مركز الدراسات التابع للمجمع تشخيص مصلحة النظام، ولكثر لم يكن محسوبا بين المحظوظين بالفوز لا سيما مع ترشح هاشمي رفسنجاني في ثمانيناته واسفنديار رحيم مشائي نسيب أحمدي نجاد ومفضله للرئاسة. من حسن حظ الأقل حظا أن الأكثر حظا لم يمرا على مجلس صيانة الدستور، بالتالي وقف روحاني في مواجهة خمسة من رجال النظام الأقوياء، كبير المفاوضين السابق أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي في حينه سعيد جليلي، وزير الخارجية السابق ومستشار المرشد الأعلى علي أكبر ولايتي، عمدة طهران وقائد القوات الجوية في الحرس الثوري السابق محمد باقر قاليباف، وقائد الحرس الثوري السابق محسن رضائي. فاز روحاني صاحب شعار المفتاح، وكان مفتاحه الموعود للرخاء الاقتصادي اتفاقا نوويا ينهي الخلاف حول برنامج إيران النووي.

خاض روحاني معركته في المفاوضات بأدوات جديدة، وخاض معركة أخرى داخل البلاد رافعا شعار الاعتدال، في كلا الجبهتين وجد نفسه في مواجهة التيار الأصولي الجديد المنبثق عن الأصوليين التقليديين والأكثر تشددا منهم. الدبلوماسي الذي يوصف بمدير الأزمات أصبح أكثر توترا وغضبا، وعبّر عن ذلك مرارا على الملأ، لا سيما مع الحملات التي كانت تُشن عليه وتصفه بالمفرط بحقوق إيران.

كان رهانه على الاتفاق النووي في لحظة ما صحيحا، لكن الرهان سقط استراتيجيا، وأسقط معه مفاتيح روحاني والكثير من ثقة الناس فيه وبحلوله. قضية الفساد التي حوكم فيها شقيقه اضعفته أيضا، صراعه مع الحرس الثوري حول الاقتصاد ورغبته في اخراجهم من القطاع الاقتصادي أوصلته إلى مرحلة أصبح ينظر إليه فيها الشارع الثوري على أنه يخون الثورة. بل إن صورته كانت توزع على حسابات التواصل الاجتماعي وعليها عبارات هجومية تربطه حينا بأميركا وأحيانا ببريطانيا التي حصل منها في العام 1999 على دكتوراه في القانون الدستوري. الدكتوراه كانت أيضا محل تشكيك فيه إذا اتهم بنسخ مقاطع كاملة مما كتبه الكاتب الأفغاني محمد هاشم كمالي.

رغم اهتزاز الاتفاق النووي مع بدء عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فاز روحاني في العام 2017 بولاية رئاسية ثانية في مواجهة مع رجل الدين إبراهيم رئيسي، في انتخابات وصفت حينها بأنها أبعد من صراع على الرئاسة، إنما مواجهة بين شخصيتين على لائحة المتوقعين لخلافة المرشد خامنئي الذي كان قد قارب الثمانين من عمره حينها.
كان انتصار روحاني إيذانا له ببدء مرحلة جديدة، مرحلة المواجهة الشاملة مع الولايات المتحدة التي خرج رئيسها من الاتفاق النووي في منتصف 2018، وأعاد فرض عقوبات على إيران أكثر قسوة مما مرّ عليها خلال العقود الأربعة الماضية.

دارت الدائرة بروحاني مجددا من خط الحرب إلى حافة الحرب، وبلاده في مواجهة صعبة مع الولايات المتحدة وصلت إلى حد اغتيال الأخيرة لقائد قوة القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني ورد إيران عليها بقصف قواعد عسكرية أميركية في العراق. ذابت دبلوماسية روحاني أمام لهيب الصراع الذي لا يبدو وكأنه سيتوقف عما قريب بين البلدين. مفاتيحه التي كان يأمل بأن تفتح أقفال مشاكل البلاد يبدو وكأنها هي أيضا ذابت، وما لم يذب منها أصابه الصدأ، فأضحى وقد رحل ظهيره رفسنجاني في بداية العام 2017 مجردا من السند الذي كان يعوّل عليه دائما في الشدائد، وما أكثرها، وربما لن يكون انتشار وباء كورونا في إيران، من بين دول العالم الأخرى، آخرها.

قد يكون فيروس كورونا خشبة نجاة للرئيس السبعيني رغم انه في البداية بدا وكأنه رصاصة الرحمة لعهده. فروحاني الجانح نحو السلم خارجيا يهوى المعارك الداخلية، ومعركته الأخيرة كانت حول كيفية التعامل مع كورونا. المؤسسة العسكرية تريد اقفالا يشبه النموذج الصيني، والرئيس يريد نموذجا هجينا يجمع بين الحجر ومناعة القطيع. أصر روحاني على موقفه وبحسب المعلومات المتوفرة فقد حظي بدعم المرشد، فلا حاجة برأي الرجلين لقوات عسكرية في الشوارع تفرض الحجر، والبلاد لا تحتمل اغلاقا تاما في ظل أزمة اقتصادية عارمة. هكذا أغلق روحاني فصلا آخر من فصول معاركه، فهل يواجه المزيد فيما تبقى من شهور عهده؟

جاده ايران واتساب
للمشاركة: