موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة3 أبريل 2020 14:35
للمشاركة:

بين العلم والخرافة… مقاربات واجتهادات شعبية لمواجهة جائحة كورونا في إيران

في الوقت الذي تجتهد فيه الطواقم الطبية حول العالم في مجابهة جائحة كورونا، وبينما تعكف معاهد ومختبرات الأبحاث للتوصل إلى لقاح فعال يقضي على سلالة الفايروس، تنشط فئات في العديد من المجتمعات حول العالم بالترويج للشائعات واتباع الوسائل والطرق التقليدية، لعلاج الفايروس أو الوقاية منه، حيث كشفت وكالة الصحافة الفرنسية عن علاجات مزيفة وخطيرة، تشمل استهلاك الرماد البركاني للتشافي من كورونا، كذلك استخدام مصابيح الأشعة فوق البنفسجية أو مطهرات  الكلور لمكافحة العدوى.

وفي إيران حيث تجهد الجهات الصحية لمواجهة تفشي كورونا تحت ضغط العقوبات، كشفت الأزمة هناك عن العديد من الاجتهادات الشعبية المبنية على الخرافة والشائعات لمعالجة الوباء أو الوقاية منه، إذ لقي المئات حتفهم جراء تناولهم الكحول المغشوش، بعد انتشار شائعات حول فاعليته في الوقاية من كورونا.

هذه الوصفات شكلت تحديا أكبر للسلطات لا سيما مع اغتنام بعض الذين يعملون تحت مظلة “الطب الإسلامي” الفرصة للترويج لعلاجهم الحصري، وهو سائل يسمى “عطر النبي”.
وقد جرى القاء القبض على احد رجال الدين بعد زيارته مستشفى وتصويره فيديو وهو يقوم بمسح المادة على وجه أحد المرضى، خاصة وأن تقارير سابقة اشارت الى وفاة احد المرضى بسبب علاج مشابه.

ضحايا الكحول الفاسد لا كورونا

أودى الكحول الفاسد بحياة أكثر من 400 شخص في إيران أخيرًا، فيما يرقد المئات على أسرة الشفاء للتعافي من حالات التسمم، وذلك بعد تناولهم للكحول المغشوش والمصنع بواسطة مادة “الميثانول” السامة، التي يؤدي تناول كميات كبيرة منها إلى فقدان البصر وإلحاق الضرر بالكبد وحتى الوفاة. ووفقًا لوسائل إعلام إيرانية فقد توزعت بعض حالات الوفاة كالتالي، 88 حالة في فارس، و82 في خوزستان، 30 في أردبيل، 38 في البرز، و28 في أذربيجان الغربية و25 في أذربيجان الشرقية، 17 في خراسان الرضوية، 9 في أصفهان، 8 في كردستان، 5 في همدان، 15 في كرمانشاه، و17 في مازندان.

وكان المتحدث باسم جامعة “جندي شابور” للعلوم الطبية في مدينة الأهواز، علي إحسان بور، قد صرح في لقاء مع وكالة “إيسنا”، أنّ “شرب الكحول ليس له أي تأثير في الحيلولة دون الإصابة بكورونا”، نافيًا أيّ فاعلية لها في القضاء على الفايروس، ذلك بعد تداول الشائعات حول تأثيرها على مواقع التواصل الاجتماعي.

إنفوغراف: ماذا تعرف عن الكحول في إيران؟

يذكر أن “لجنة مكافحة كورونا” قد سمحت بإنتاج الكحول بشكل مؤقت لمواجهة جائحة كورونا ودون الحاجة لترخيص من هيئات وزارة الصناعة، إذ تواجه بعض مصانع “جيل التعقيم” نقصًا في المواد الكحولية لإنتاج كميات كافية من المعقمات الضرورية.

ملف المشروبات الكحولية في إيران مليء بالتناقضات، فالدولة التي تحرم بيع وشراء الكحوليات منذ عام 1979، ويفرض قانون العقوبات فيها على الشارب والبائع عقوبات تتراوح بين الجلد والسجن والغرامة، ويصل عدد ضحايا الكحول الفاسد فيها سنويًا قرابة ال 100 شخص.

ويلجأ البعض من غير الأقليات الدينية المصرح لها وفق القانون بتناول الكحوليات وتداولها، إلى انتاج الكحول في المنازل أو الحصول عليه من قبل بعض المهربين الذين يجلبونها من العراق أو تركيا. ونظرًا لارتفاع أسعار الكحول المهرب يعتبر التصنيع المنزلي سبيل المدمنين الوحيد للحصول على حاجتهم من الكحوليات، إلا أن هذه العملية محفوفة بالمخاطر فالقائمون عليها لا يضبطون مقدار مادة “الإيثانول” المضاف إلى العنب المقطر الذي يصنع منه النبيذ، على سبيل المثال، كذلك تغيب شروط النظافة والتعقيم، ما يؤدي إلى العديد من حالات التسمم والوفاة.

“عطر النبي”… علاج حصري للقضاء على كورونا

تداول ناشطون إيرانيون أخيرًا، مقطع فيديو يظهر رجل دين يدعى مرتضى كهنسال يقوم بمسح أنوف وأفواه مصابين بفايروس كورونا في مستشفى غيلان بمادة سائلة اسمها “عطر النبي”، وذلك قبل أن يتم القبض عليه من قبل الجهات المعنية.

إلقاء القبض على كهنسال جاء بأمر قضائي بعد وفاة أحد المرضى الذين داواهم بالمادة السائلة، وبعد مطالبة العديد من الهيئات الطبية في إيران التصدي لمروجي هذه الظاهرة، كذلك بعد مطالبة ممثل المرشد الإيراني آية الله علي خامنئي في مدينة غيلان، آية الله فلاحي بملاحقة المدعو وأمثاله، ومحاكمتهم من قبل المحكمة المخصصة لرجال الدين.

كهنسال ليس ظاهرة متفردة، بل امتداد لمدرسة معلمه عباس تبريزيان في “الطب الإسلامي”، والذي أثارت عملية إحراقه لكتاب هاريسون في الطب الباطني، منذ مدّة سخطًا وإدانة من قبل كليات الطب في إيران.
تبريزيان الذي يلقبه تلامذته ب”الحكيم” دائمًا ما يسخر من الطب الحديث بوصفه عاجزًا عن علاج 90% من الأمراض المستعصية، ويعتبر العلاج الكيماوي مخططًا صهيونيًا، فيما يدعو في المقابل إلى إحياء “العلاج بالصلاة”.

المقامات والأضرحة المقدسة… جدل حول “دار الشفاء”

نشرت على وسائل التواصل الاجتماعي العديد من مقاطع فيديو تظهر محاولات مئات الأشخاص اقتحام المقامات الدينية في مدينتي قم ومشهد احتجاجا على قرار السلطات إغلاقها. وكشفت المقاطع المصورة قيام بعض الأشخاص بتقبيل ولعق نوافذ الأضرحة معتقدين أنها “مباركة ولا تنقل العدوى”. جاء ذلك بعد قرار “لجنة مكافحة كورونا” ووزارة الصحة، بإغلاق مقام الإمام الرضا في مدينة مشهد، ومقام السيدة فاطمة المعصومة (شقيقة الرضا) ومسجد جمكران في مدينة قم، كذلك مرقد شاه عبد العظيم الحسني في طهران، حتى إشعار آخر، وذلك بعد تفشي الفايروس في عموم البلاد والتي كانت قم بؤرته الأولى.

وفي الوقت الذي برز احتجاج بعض جال الدين على إغلاق المقامات والأضرحة، خرجت اصوات من المرجعيات الدينية في العراق وايران لتأيّيد إجراءات الحكومة وحثّ المواطنين على الامتثال لأوامر “لجنة مكافحة كورونا” ووزارة الصحة. أبرز تلك الأصوات مرجع التقليد آية الله مكارم شيرازي الذي أكّد، على أن “الالتزام بالتوصيات الصحية الصادرة عن الجهات المعنية في وزارة الصحة الايرانية ضرورة ملحة، كذلك التوسل بآل البيت وتقوية المعنويات والابتعاد عن الترويج للشائعات والأخبار الكاذبة”، معلنًا عن “جواز تقديم ثلث سهم الإمام صاحب الزمان من أموال الخمس لأعمال الإغاثة الصحية من أجل انقاذ المصابين بالفايروس”.

كما أيدت هذا الاتجاه جامعة مدرسي الحوزة الدينية في قم والتي تضم كل مراجع التقليد في البلاد، الا أن المعارضة الشديدة جاءت من طرف بعض انصار المدارس المرتبطة بالمرجع صادق الشيرازي والذي حاول انصاره في إيران دخول ضريح المعصومة في قم والامام الرضا في مشهد ورفعوا شعارات نددوا فيها بالمرشد الإيراني علي خامنئي.

شريحة أخرى ممن اقتحموا الأضرحة كانت من المتطرفين المؤيدين للنظام والذين يادروا إلى ذلك على اعتقاد أن ما يجري اجراءات حكومية مؤكدين انهم لطالما اعتبروا الاضرحة “دار شفاء”، لكنهم فوجئوا لاحقا بأن الخطوة الحكومية كانت مستندة إلى قرار من النظام وهو ما دفعهم للإنكفاء، لكن هذا لا يعني أن الجدل حول ما حدث سيتوقف، لأنه أثار تساؤلات كبيرة لدى طبقة من المتدنيين ممن اعتادت على سلوك بناء على الموروثات ونجد نفسها الآن في مواجهة سردية مناقضة تماما.

جاده ايران واتساب
للمشاركة: