موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة25 مارس 2020 12:59
للمشاركة:

طهران في الحجر الصحي: نعلق لافتاتنا كي لا يهرب الربيع

لا يبالي الربيع بفيروس كورونا، لن يتفهم خوفنا واختباءنا خلف الجدران. سيدخل طهران فجأة مثل كل عام. سيبحث عن الضحكات والقلوب التي تترقب الفرح، سيبحث عن الزينة، عمّن يلتقطون الصور، عمّن يغنون له ويرحبون به. لكنه لن يجدنا، لذا كتبنا له على الشبابيك لينتظرنا. هكذا انطلقت مبادرة عدد من الشابات الإيرانيات لكتابة لافتات بخط اليد، ترحيباً بالربيع في منطقة اكباتان غرب طهران، قبل انتقالها بسرعة إلى بقية المناطق كفيروس كورونا.

في لحظة بداية السنة الفارسية من كل عام، تضج المدن الإيرانية بلحظات من الفرح العارم، وكأن الناس تنتظر دخول موكب ملك عادل إلى المدينة. تمتلئ الأسواق بالناس ورموز الاحتفالات وتنتشر الزهور وتتزين الشوارع احتفالاً بعيد النوروز الفارسي، الذي صادف هذا العام يوم الجمعة 20 آذار / مارس، مبكراً في قدومه يوماً كاملاً، كما يحدث في كل سنة كبيسة، لكن الربيع دخل وموكبه هذا العام دون أي حفاوة به. دخل محفوفًا بالمرض.

أيها الربيع.. نحن هنا خلف هذه الشابيك لا تهرب

تقول الرسامة الإيرانية غُلرخ نفيسي (Golrokh Nafisi) لجاده إيران: “وقفت خلف شباك غرفتي في منزلي، ملتزمةً إياه كحجر صحي طوعي كبقية الإيرانيين هذه الأيام. وأنا أنظر إلى براعم الشجرة البعيدة رادوتني فكرة مرعبة، هل يهرب الربيع هذا العام؟ كيف له أن يدرك شوقنا له، ونحن هنا خلف هذه الجدران لا يمكننا الركض نحوه والرقص مع أغصانه؟”.

فتحت غُلرخ نافذتها لترفع صوتها مرحبة بالربيع في شوارع شبه خالية من الناس، وهنا انطلقت مبادرتها الصغيرة الرمزية لاستقبال الربيع، وهي كتابة أشعار على أقمشة ترحيباً بالفصل، وتعليقها من النوافذ لترسم البسمة على وجوه هؤلاء القابعين في النوافذ الأخرى، وكي تقول للربيع: “أيها الربيع.. نحن هنا خلف هذه الشابيك لا تهرب”.

وتضيف غُلرخ نفيسي: “بدأت مع صديقتي برستو بكتابة الأشعار على الأقمشة، وكان لدينا ما نحتاجه، لذلك بطبيعة الحال في المنزل وبحكم عملي كرسامة، ولكن عندما نشرنا الصور على فيسبوك بدأ الأصدقاء بالتواصل معنا أيضاً، ثم الجيران طلبوا منا أيضاً كتابة أشعار لهم، كان الأمر حماسياً وخاصاً جداً فنحن لا نستطيع فعل شيء في الوقت الذي تمر به أيام عيد النوروز على الجميع بطريقة سيئة جدًا، بسبب انتشار فيروس كورونا”.

على إحدى النوافذ عُلّقت لافتة كتب عليها بيت للشاعر الإيراني المعاصر فريدون مشيري: “افتح النوافذ وصدّق الربيع”، وأخرى كتب عليها: “ابتسم لأن الورد يرافق الربيع”، يبدو الشارع أكثر جمالًا مع هذه اللافتات الملونة، والعمل ما زال مستمراً في بيت غلرخ التي ترسل ما تكتبه هي والصديقات من النافذة إلى الآخرين، وهم يتوخون الحذر بدورهم ولا يأتون إلى البيت منعاً للتجمعات.

تبدو كتابة اللافتات تقليدية جداً في بادئ الأمر، لكن التفاصيل مختلفة، فهي محاولة للتصالح بالكتابة والكلمات الحقيقية مع الطبيعة، محاولة لنكون بسطاء مثل الطبيعة دون تعقيدات نخاطبها روحًا لروح، ونخاطب الإنسان الآخر أيضاً. كتب أصحاب المبادرة هنا مثلا (مرحبا بالربيع) و (سنة سعيدة يا جيران)، يبدو أن الإنسان في لحظات الضعف يعود إلى أداته الأولى؛ اللغة والكلمات ليبني من جديد جسوره مع من حوله.

تقول هليا همداني، إحدى المشاركات في هذ المبادرة لجاده إيران: “مررنا بسنة رهيبة ملئية بالأحداث الدموية. كان هناك الكثير من الدماء في كل إيران، الأحداث توالت بشكل عجيب. لكل شهر مأساته خاصة، ومع نهاية العام زاد الأمر صعوبة. لقد حُرمنا من الربيع، بالنسبة لنا كإيرانيين نحتفل بالربيع ونرتب سنتنا وأعراسنا ورحلاتنا كلها لتكون في هذا الفصل، ولكن في هذه السنة علينا أن نجلس متباعدين عن بعضنا خلف جدران بشعة صنعناها بأنفسنا هرباً من الطبيعة. الأمر يشبه العقوبة الجماعية، لكن لدينا إيمان كبير أن الربيع سيرى ما نحن عليه وسيساعدنا”.

الحجر الصحي أعادنا إلى الكهف

يبدو الالتزام بالحجر الصحي أشبه بهروب الإنسان إلى الكهف؛ مسكنه الأول، هروبه من عقاب الطبيعة التي عاث فيها فساداً، هروبه ليبقى حياً بعيداً عن الوحوش التي أصبحت صغيرة بحجم فيروس، ولكن الملجأ هو نفسه، كالإنسان البدائي حملنا معنا الكثير من الطعام إلى الكهف، نكتب على جدران صفحات التواصل الاجتماعي، ونرسل رجلاً واحدًا إلى الغابة ليصطاد. نعم المسميات اختلفت، لكن ماهية الأشياء بقيت نفسها، وحدها القصة والكلمات بقيت معنا منذ الزمن القديم حتى الآن.

لافتات الشابات الإيرانيات ترحيباً بالربيع هي أشبه بكتابات مسمارية تُركت لعابر سيقرأ عن بعد. ما لا يمكن قوله في هذه الأيام الصعبة على البشرية، هو توسل للطبيعة واعتراف لها بالشوق، هو نداء للربيع كي لا يهرب في غياب من يحبونه، هو اعتذار صامت للحياة وأمنية لعودة الفرح.

نوروز في سقم

جاده ايران واتساب
للمشاركة: