موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة4 مارس 2020 20:34
للمشاركة:

معركة إدلب… سؤال التوازن الإقليمي الجديد

جاده إيران- قراءة تحليلية

على جدار السفارة القطرية في دمشق، ما زالت صورة الرئيس السوري بشار الأسد معلّقة على نحوٍ يلفت النظر، ويشرح، بصريًا، عمق الأزمة القطرية السورية. قرب السفارة المهجورة، يرفرف علم الإمارات العربية المتحدة فوق مبنى سفارتها، حيث تسير فيها الأمور طبيعيةً منذ إعادة افتتاحها نهاية عام 2018. تقاطعات عديدة بين دمشق وأبو ظبي تفرض ذلك، ومن أبرزها العداء مع جماعة الإخوان المسلمين في عموم الإقليم. مع انطلاق المعركة الأخيرة في محافظة إدلب السورية، برز تصريح للأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، ركيزته وجود نيّة لإعادة سوريا إلى مقعدها الشاغر في الجامعة، وتوصيفه للأزمة السورية بأنها باتت محصورة في إدلب.

على هوامش الاشتباك السوري التركي المباشر في إدلب، يرتسم ببطء مشهد قد يمهّد لتحسنّ العلاقة بين سوريا من جهة، والسعودية والإمارات من جهة أخرى. دول ثلاث يفرقّها الكثير إقليميًا، غير أن الاشتباك المتعدد الأوجه مع تركيا يجمعها على قلب رجلٍ واحد، وهو ما يمكن أن تصنعه اللحظة “الإدلبية” الحساسة مع مرور الوقت. لكنّه، ولاعتباراتٍ عديدة، يبقى مؤجلًا ريثما تظهر مؤشرات التوازنات الجديدة بين الأطراف الإقليمية الثلاثة الفاعلة في مشهد الشمال السوري المشتعل: روسيا، تركيا، إيران.

لم يكن ممكنًا لجبهات الشمال السوري الجامدة أن تبقى على جمودها، فهي البقع التي لا يمكن إعلان نهاية الحرب من دون حسم وضعها. ولكلّ طرفٍ من الأطراف المعنية بهذه الجبهة أهداف شديدة الأهمية تختزنها هذه الجبهة:

  • سوريا واستعادة قسم أساسي من الأراضي الخارجة عن سيطرة الدولة، وربط حلب بدمشق عبر الطرقات الدولية التي تمر في محافظة إدلب.
  • تركيا وحسابات التفاوض على التسوية، ومنع تدفق موجة جديدة من اللاجئين السوريين إلى أراضيها، وتأمين المنطقة العازلة بعمق 30 كيلومترًا الذي لا يمكن لأسلحة المنظمات الكردية تجاوز مداه.
  • روسيا وحسابات المسار السياسي عبر تطبيق مسار سوتشي، واستكمال عمليات التخلص من المقاتلين الأوزبك والشيشان والتركستانيين.
  • إيران وتعزيز سلطة الحكومة السورية، والمضي في مسار التسوية السياسية بناء على معطيات ميدانية مريحة لحليفها الاستراتيجي السوري.

لا تقاطع مصالح بين دمشق وأنقرة في خريطة الأهداف المذكورة. فالمشهد في إدلب لا يشبه استفادة دمشق وطهران من الهجوم التركي على الكرد، ولا يشبه أيضًا، عدم تضرّر أنقرة من تقدّم الجيش السوري شرق البلاد وصولًا إلى حدود العراق. يضيق مشهد إدلب على تحقيق الجميع أهدافهم، لدرجة يصبح معها تحقيق هدف أي طرفٍ سببًا لمنع الآخر عن تحقيق أهدافه. هكذا بدأ المشهد يتبلور منذ سيطرة الجيش السوري على ريفي حلب الغربي والجنوبي، وتوسع السيطرة نحو ريف إدلب وصولًا إلى مدينة سراقب. حصل ذلك وسط مشهدٍ من حصار نقاط المراقبة التركية المتناثرة حيث ينصّ اتفاق سوتشي.

اصطدام الاعتبار السيادي السوري بالاعتبار الأمني القومي التركي دفع إلى اشتباك إقليمي من العيار الثقيل. وبالرغم من استعراض الطرفين السوري والتركي انجازاتهما في هذا الاشتباك، إلا أنّ خطورته تكمن في تهديده الجديّ للتوازن الإقليمي الذي ضبط إيقاع الحرب السورية لسنوات. ولعلّ ذلك ما دفع الدبلوماسية الإيرانية إلى المسارعة للتوسط لوقف الاشتباك، رغم أنّ حلفاء إيران في حزب الله أصيبوا بالنيران التركية وتكبدوا خسائر بشرية.

ضراوة الاشتباك والقلق من امتداد خسائره على مختلف الأطراف، سرّعت في تنسيق اللقاء المرتقب بين الرئيسين التركي والروسي في موسكو. ستحضر الحسابات الميدانية للاشتباك الأخير على طاولة مباحثات إردوغان بوتين. لكنّ هذا الاجتماع لن يؤدي بالضرورة إلى إعادة الأمور لفترة ما قبل معركة سراقب. هي نقطة ضعف تركية ولا سيما بعد انتشار قوات الشرطة العسكرية الروسية فيها، وإخراجها من معادلة السعي التركي لاستعادة الجغرافيا التي خسرتها الفصائل المسلحة المدعومة منه في إدلب. لقاء بوتين – إردوغان يعطي انطباعًا بأن مختلف الأطراف يستشعر خطر إطالة أمد الاشتباك المباشر، لكن من دون أن يعني ذلك القدرة على وقف إطلاق النار من دون ترتيبات جديدة.

وإلى حين بروز نتائج اللقاء الروسي التركي، حقّقت الجيوش السوري والتركي والروسي مكتسباتٍ يمكن التعويل عليها في إعداد الترتيبات المقبلة:

  • تمكّن الجيش السوري وحلفاؤه (خصوصًا حزب الله) من السيطرة على سراقب، وأمّنها بالاتفاق مع حليفه الروسي، كما أنّه لم يتراجع إلى نقاط اتفاق سوتشي بناء للتهديد التركي.
  • تمكّن الجيش التركي من إثبات نفسه قوة لا يمكن تجاوزها في حسم وضع إدلب، وألحق خسائر ملحوظة بالجيش السوري عديدًا وعتادًا.
  • جدّد الطرف الروسي تثبيت نفسه صاحب اليد الأعلى في هذا الاشتباك، عبر وجوده كخطٍ أحمر يمنع الاشتباك حيث يقرّر الانتشار، ويشعله حيث يتعمد الغياب وإسكات أسلحته.

لن تستقبل موسكو إردوغان بابتسامة. استبقت وزارة الدفاع الروسية ذلك ببيان يتهم أنقرة بالفشل في الوفاء بالتزاماتها، وبتأكيد اندماج “تحصينات إرهابية بنقاط مراقبة الجيش التركي”. تبدو مباحثاتٍ شاقّة وبلا نتائج نهائية، بل مقدّمة لترتيبات جديدة، تُطرح على أساسها الهواجس التالية:

  • عدم قدرة تركيا على التراجع واستيعاب موجة جديدة من اللاجئين إلى أراضيها، فضلا عن انعكاس أي هزيمة على الوضع الداخلي للرئيس التركي، ومعارضوه في انتظار انتكاسة من هذا العيار.
  • عدم قدرة سوريا على القبول بالعودة إلى نقاط سوتشي، مع إمكانية القبول بحدود نتائج الاشتباك الأخيرة، بما يعني تأمين سراقب وطريق حلب دمشق الدولي، وتأمين محافظة حلب بالكامل.
  • تضرّر إيران وتركيا من أي اشتباك مباشر بينهما، وانعكاس ذلك على مصالحهما المشتركة الكبيرة، مع ما يعنيه ذلك من توتر إقليمي يطال مجتمعاتٍ مؤيدة لطهران وأنقرة في العراق ولبنان على وجه الخصوص. لهجة البيان الذي نشره المركز الاستشاري الإيراني قبل أيام تتماهى بوضوح مع توجه ضبط الاشتباك العسكري مع تركيا.

في حال استمرارها أو تجميدها بعد قمة موسكو، شكّلت معركة إدلب نقطة تحوّل نحو ترتيبات جديدة تقبل على معادلة النفوذ والسيطرة في الشمال السوري. المعركة بين أطراف يدركون ألا مصلحة لهم في إطالة أمدها لأنها كفيلة باستنزافهم جميعًا. هكذا، يبدو التوازن الجديد سريع التحقّق، بمقدار اقتناع الأطراف الوازنة في معركة إدلب، بأنها لا يمكن أن تكون حرب إلغاء، وشواهد الحرب السورية على ذلك كثيرة.

جاده ايران واتساب
للمشاركة: