موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة8 يناير 2020 13:26
للمشاركة:

هكذا تحدث سليماني… عن الثورة والشيعة وسوريا والعراق وإيران.

في شباط من العام ٢٠١٤، جلس قاسم سليماني، قائد قوة القدس في الحرس الثوري الإيراني، مع مجموعة من رفاقه ممن قاتلوا في الحرب العراقية- الإيرانية في مدينة كرمان، وهناك تحدث إليهم عن نظرته للثورة، للعالم الإسلامي، لسوريا والعراق، ولإيران.

“جاده إيران” ترجمت ما جاء على لسان سليماني وتنشره أدناه.

بداية الكلام: نحن ندرك حقيقة الثورة الإسلامية من الجهود التي يبذلها الأعداء، أكثر من ثلاثين عام من المحاولات والمؤامرات والعقوبات والاستثمار ضد الثورة الإسلامية هذا الكم الهائل من العداء يشعرنا بعظمة الثورة. الثورة شيء عظيم وذو قيمة كبيرة لذلك يسعى العدو ليفقدها شيئا من خصوصياتها.
سنبحث موضوع الثورة من ثلاثة زوايا، الأولى الثورة في المباني الإسلامية، ثانيا الثورة من الأسس الشيعية والتشيع، واخيرا الثورة بناء على الانتماء القومي والإيراني.
من الأبعاد الثلاثة، أهم حادثة في التاريخ الإسلامي كانت سقوط الأندلس عام 1492 بعد أن كان الإسلام في القمة، وتزامن ذلك مع اكتشاف القارة الأميركية، ومنذ ذلك الوقت بدأ العالم الإسلامي بالانحدار والتقهقر، ثم جاء لاحقا سقوط الإمبراطورية العثمانية كدولة حكمت العالم الإسلامي،
وتقسيم العالم الإسلامي الى مستعمرات مختلفة، قسم منها ارض الشام التي تحولت الى مستعمرة فرنسية في حين حكم الإنكليز شرق أسيا وقسم من الشرق الاوسط واحتلت اليونان وبلجيكا و بعض الدول الأوروبية أقساما أخرى من العالم الإسلامي.
هذه الدول الاستعمارية قسمت العالم الإسلامي الذي كان تحت حكم الإمبراطورية العثمانية لفترة 400 عام. مرحلة السقوط للعالم الإسلامي كانت قد بدأت مع سقوط الأندلس ووصلت إلى نقطة الصفر بسقوط القدس عام 1967، عندما تمكن الصهاينة من فتح القدس والسيطرة على منابع القوة الإسلامية والسيطرة على الثروات ومصائر الشعوب في العالم الإسلامي.
طبعا لو كانت القدس في منطقة جغرافية اخرى كالأندلس في قلب أوروبا لكان الوضع مختلفاً، لكن القدس في قلب العالم الإسلامي لذلك من الطبيعي ان كل حدث يقع بعد سقوط القدس يعتبر تقهقرا إلى ما دون الصفر، اتفاقية كامب دافيد بين إسرائيل ومصر أبرز مثال على ذلك.
جاء سفر الرئيس المصري أنور السادات الى القدس وتبعه مقترح ملك السعودية فهد بن عبد العزيز في مؤتمر فاس عام 1982 الذي اقترح التسوية مع إسرائيل، لم يكن هذا المقترح هو الخيانة الأولى التي يرتكبها فهد بحق العالم الإسلامي، مع المقترح السعودي بكى رئيس منظمة فتح ياسر عرفات وقال لرفاقه: العرب باعونا.
مع وصول السادات الى مطار بن غوريون رفع يده وحركها لتحية الحاضرين، بعد ذلك بأشهر معدودة، وصل الإمام الخميني الى مطار مهر اباد ونزل على سلم الطائرة ليحيي بدوره الحاضرين، ولكنه في تلك اللحظة، مع انتصار الثورة الإسلامية، حمل العالم الإسلامي ليصعد معه على أول درجة على سلم الصعود، إذ وضعت الثورة حدا لمسار التقهقر وعصر الانحدار في العالم الإسلامي.
الإمام الراحل بشجاعته وتدبيره وأعماله الفريدة من نوعها تمكن من إنقاذ العالم الإسلامي من التقهقر، وتحويل المسار الى تصاعدي، واليوم أنتم في مسار الصعود نحو القمة، كل ما حدث من أحداث كان في مسار الصعود والنهوض، من حرب تموز في لبنان التي استمرت ل ٣٣ يوما، الى حرب غزة التي استمرت ل ٢٢ يوما، وأحداث اخرى مختلفة.
في حرب حزيران يونيو ١٩٦٧، كان جمال عبد الناصر، أشهر قائد عربي وأكثر القادة العرب شعبية، يقود المعركة في ذروة الحرب بين العرب والكيان الصهيوني. “التيار الناصري” في العالم العربي سمي على اسمه، جمال عبد الناصر كان يمتلك في الحرب صاروخا يسمى بظافر، كان بإمكانه أن يقصف تل أبيب، لكنه ورغم كونه أشجع القادة العرب إلا أنه لم يجرؤ على قصف تل ابيب حتى وهو في حالة حرب وصحراء سيناء محتلة.

السعودية والسلاح الغربي

في الوقت الذي يقاتل ويقاوم فيه الفلسطينيون الاحتلال بالحجارة، نلاحظ ان متوسط دخل الدول العربية يقارب ألف مليار دولار “واحد تريليون دولار”، ومخازن الأسلحة ممتلئة بأنواع مختلفة اشتروها من الدول الغربية، إنظروا إلى السعودية، حجم الأسلحة التي تشتريها كل سنة من أميركا ودول أخرى تفوق عدد الشعب السعودي.
الإمام الخميني جاء وبدّل الحجر الفلسطيني بصاروخ، جاء الإمام الخميني وحفّز الشجاعة والجرأة لتضرب تل أبيب لأول مرة بالصواريخ، على عكس كافة الحروب بين العرب و كيان الاحتلال الصهيوني. الصاروخ لم يكن عربيا، ولم يكن مصريا، ولم يكن تركيا يحلم بالعودة الى العهد العثماني. من ارتقى بهذا الموضوع كان الإمام الخميني، العالم الإسلامي يدين بدين كبير للإمام.
الله العالم، لولا الإمام ولولا الثورة الإسلامية وهذا النظام الذي أسسته الثورة أين كانت حالة العالم الإسلامي اليوم.
أتطرق ثانيا الى المذهب، نحن شيعة ونفتخر بذلك، هذا البلد 92% من سكانه شيعة. في العقد الرابع الهجري استشهد الإمام علي عليه السلام حكم بنو أمية 80 سنة، وحكم بنو العباس 600 سنة، والعثمانيون حكموا 400 سنة، في هذه الحكومات لم يكن يتجرأ الشيعة على إعلان مذهبهم. كان لدى العثمانيين مجلس يطلق عليه مجلس المبعوثين، فيه ممثلين عن كافة الأديان والمذاهب إلا الشيعة، كانوا يمنعون من الحضور.
عندما غزت بريطانيا العراق، كان العراق جزأ من الإمبراطورية العثمانية، لكن الفئة الوحيدة التي وقفت وقاومت الغزو البريطاني كان الشيعة وعلماؤهم.
بعد ذلك وضعت أساسات العراق الجديد، وتسلم الملك فيصل الحكم، وعلى الرغم من أن 60% من الشعب من المذهب الشيعي، إلا أنهم لم يكونوا في الحكومة، واكتفى فيصل بتسليمهم وزاريتين بدون حقائب. وعندما أراد عبد السلام عارف أن يؤسس الجيش العراقي تم قبول 300 شخص في الكلية العسكرية 3 منهم شيعة والبقية من اخوتنا السنة. في هذه الفترة لم يكن للشيعة مرجعية سياسية لكن مع مجيء الإمام تم تأسيس المرجعية السياسية وتأسست الجمهورية الإسلامية بمرجعية سياسية شيعية.
المرجعية السياسية التي أسسها الإمام هي مرجعية كاملة وجامعة، البناء الذي أسسه الإمام أخذ معناه في الدستور الإيراني وهذا الأساس يقوم على الحكم والمراقبة، يقوم على تلازم الجمهورية والإسلامية ولو كان هذا الطرح يشكو من نقص ما، لما تمكن شخص من أن ينجز هذا العمل العظيم.
هذا البنيان العظيم يمكن تعريفه في هيكلية معينة، هذا الوعاء يتسع لكافة القيم الدينية والإنسانية والأخلاقية، الإمام اوجد امكانية أن تكون إيران المرجعية السياسية للشيعة. لنفرض أن إيران الاسلامية لم تكن، و كان في مكانها إيران الشاه، سأوضح هذه النقطة لأن البعض يخلط الامور و يعتقد أن أسس رجال الدين هو بناء احادي الجانب، و بناء مذهبي فقط و ديني.
هذه المرجعية هي التي استطاعت أن تسحب العراق من حلق الأميركان وأعطته نظام حكم. إن لم تكن المرجعية من كان يستطيع أن يفعل ذلك؟، وهل كان لشيعة العراق أن يتكئوا على إيران، هذا البنيان وهذا الهيكل هو من سمح أن يعطي لهذا الموضوع شكلا خاصا.
إحياء دور المرجعية أعطى إيران مكانة القطب وقوة وبعداً سياسياً و امنياً و اقتصادياً، و هناك من يقول إن العمل جار على إنشاء الهلال الشيعي، لكن الواقع أن هذا الهلال ليس هلالاً سياسيا، بل هو هلال اقتصادي، و أهم قضية اقتصادية في العالم هي النفط، و جميعنا يعلم ان إيران و العراق و السعودية يمتلكون أكبر احتياطي نفطي في العالم، 70% من نفط العالم موجود في هذه الدول، وبالتحديد في المناطق التي يسكنها الشيعة، النفط العراقي في البصرة و بغداد والكويت، و 80% من نفط السعودية في الدمام والقطيف، المناطق الشيعية، أما في ايران فلا حاجة للتوضيح، الصورة جلية.
دور إيران كمرجعية سياسية أعطاها قوة مضاعفة عن القوة التي يمنحها إياها البعد القومي، وساعد الشيعة على إعادة هيكلة القومية الشيعية. لو لم تكن إيران لما حدث ما يحدث.
في إحدى المرات، جاء أحد القادة العراقيين إليّ وقال: في إحدى الزيارات إلى السعودية مع طارق الهاشمي كان الملك عبد الله منزعجا، وقال للهاشمي منحتكم ملياري دولار ليحكم الشيعة في العراق؟! أدرك طارق الهاشمي أن الملك عبد الله لم يكن يعرف أنني شيعي.
التوجه السياسي العام لإيران هو الذي حقق ذلك.
اين مصلحة العراق؟ الم يكن العراق إحدى قلاع المواجهة مع إيران في الجبهة التي كان فيها العرب مجتمعين ضد إيران؟ الأموال التي منحوها لصدام، هذه المواجهة ضاربة في التاريخ وكانت في زمن الشاه أيضا. في زمن الشاه حصلت مواجهات عديدة مع العراق خاصة في هضبة مهران 343.
المرجعية السياسية ما بعد الثورة تمكنت من فعل ما عجز الأخرين على فعله في العراق، وأعطت لإيران عمقا سياسيا وأمنيا وغير ذلك.
لا تظنوا أننا ننفق الاموال في العراق، لا هذا غير صحيح، تجمعنا اليوم مع العراق علاقة تبادل تجاري تفوق 12 مليار دولار، وهذا الرقم يمكن ان يصل الى 30 مليار، في السنة الماضية دخل إيران مليون و200 ألف زائر عراقي يصرف كل زائر منهم من 3 الى خمسة ألاف دولار.
ما نشهده في كربلاء سنويا من مسيرات يشارك فيها بين 20 الى 25 مليون شخص غير بعيد عن الحدود مع السعودية. هذا أمر لا يوصف!
أحد العامة أجاب على سؤال حول نظرته إلى المسيرات العاشورائية، قال “أي ملك في العالم يمكنه أن يجذب 25 مليون زائر نحوه ومصروفهم من جيبهم ويتجهون نحوه سيرا على الأقدام من دون أن يشعروا بالنقص والإجبار؟ لا يوجد ملك أو سلطان أو رئيس يمتلك هذه القدرة.”
وتابع الرجل الذي يجيب على السؤال وقال “نعم هناك سلطان واحد يمكنه فعل ذلك هو الامام الحسين عليه السلام. هذا الاستعراض العظيم للقوة أهم من الاستعراضات العسكرية وأهم من الصواريخ والدبابات والمدافع.”
على مر التاريخ شهدت إيران حكومات مختلفة وحروب مختلفة، في 700 سنة من تاريخ إيران الحديث، حكمها الساسانيون والخوارزمشاهيون، وقوميات مختلفة، السلاجقة جاؤوا من أماكن مختلفة، و من ثم الأفغان و المغول جميعهم حكموا إيران. المرة الأولى التي تقف إيران لوحدها لتواجه العالم مجتمعا كان خلال حرب الثماني سنوات مع العراق، ولم تخسر إيران مترا واحدا من أراضيها. صمدت وانتصرت وخرجت مرفوعة الرأس من الحرب.
هذا النصر، لأن الإمام وضع المذهب كدرع يضمن الوحدة الشعبية والقومية. من كان محرك ذلك المشهد الذي رسمه الشهيد أميني والغواصين في عمليات كربلاء 4 و5؟
ذلك المشهد الرهيب والمحير في قلب الليل من صنعه؟ هل يمكن لأحد ان يصنعه لولا المذهب؟ الإمام بدمجه للدين والجمهورية أوجد أرضية مناسبة باسم الجمهورية الإسلامية التي ضمنت وصانت إيران.
هل تختلف القوى العالمية اليوم عن المغول والأفغان والطاجيك والساسانيين والخوارزمشاهيين؟ طبعا لا قياس بين القوى، الأن هي أعظم من قبل.

لماذا لا يتجرأ أحد اليوم على مواجهة إيران؟

القوة التي نشهدها في 22 بهمن ” ذكرى انتصار الثورة” هو فن خلقه الإمام بدمج المذهب بالشعب ورسمه بشكل لا غلبة فيه لأحد على الأخر. لا غلبة للمذهب على الديمقراطية ولا غلبة للديمقراطية على المذهب.
الكثير من علمائنا خدموا المذهب وقاوموا وكتبوا ولكن أين ما قدموه مما قدمه الإمام؟
اليوم يتحدث البعض عن القومية، شهدنا نماذج مختلفة منها. القومية إن كانت بمعنى حب الوطن فهذا أمر ليس بالسيء، أما الذي يتبنى القومية كذبا بهدف تضعيف الجناح الإسلامي فنقول لهم أين كنتم في الحرب؟
الحرب هي عدوان خارجي، وإن كانت إيران فعلا في قلب القوميين ويعتدى عليها من عدو إيران التاريخي فأين كانوا؟ لم نرهم في ثورة الحرية، ولم نرهم في جبهة الاستقلال، من يشعر بانتماء قومي عليه اليوم أن يقف بتقدير كبير أمام ما قام به الإمام.
الإمام صان القومية والأمة، إيران اليوم تمتلك قوة حقيقية مختلفة عن الأساطير الإيرانية. الجميع يتحدث عن إيران مقتدرة في شرق المتوسط، هذا هو المنطق الإيراني، إيران لم تعمل كما عمل أعداؤها في مناطق المواجهة معهم، إيران لم تستخدم القوة ولم تستخدم المال لتوسع نفوذها.
هذه سورية التي تعتبر اليوم نقطة جدل رئيسي يقف العالم مجتمع في إحدى جبهاتها و على الجبهة المقابلة تقف إيران. بعض من يدعون الانفتاح والتطور يقولون ألا يوجد في سورية غير هذا الرجل؟ ليذهب و يأتي شخص أخر محله، يقولون لنفرض أنه مات. يقولون ذلك لانهم لا يعرفون ماذا يحدث، ما هو السبب الذي يدفع السعودية و تركيا و وأميركا و كيان الاحتلال الصهيوني للإصرار على رحيل الأسد من سورية في السنوات الثلاثة الأخيرة؟، هنا أرى الخوارج مجددا.
أرى الخوارج في حرب صفين عندما كان الإمام علي يحتج بأنه على حق، ويستشهد بوجود عمار في جيشه، و يستشهد بالحديث الشريف بأن عمار مع جيش الحق في مواجهة جيش الباطل و تقتله الفئة الباغية.
اعترف جيش معاوية بذلك فيما بعد ولكنهم تنصلوا من دم عمار بقولهم نحن لم نقتله ومن قتله هم جماعة من جيش أمير المؤمنين عليه السلام. كان في جيش معاوية 4000 حافظ للقران وذهب الامام لحربهم، اليوم نرى جيش معاوية من جديد. في سورية، غير الكفار والمشركين والصهاينة، نرى من يرفعون شعار الله اكبر. أحدهم جاء إلي وقال “سيدي الزرقاوي يقرأ القران من المساء حتى الصباح ويبكي، ولكنه قطع رأس 120 شخص في مكان واحد.”
من أنجح الفكر الايراني في سورية هو المنطق الإيراني، لأنه منطق قوي لا تؤثر فيه الأكاذيب والتزوير التي تسعى لفرض نموذج جديد في المنطقة. المساعي السعودية هدفها تحقيق هدفين، الأول شراء الانفس بالمال والثاني، بالاعتماد على السلفية، تسعى لزرع النفاق في العالم الإسلامي، كل هذا بسبب الخوف من نموذج الجمهورية الإسلامية ومن إمكانية تأثيره في الداخل السعودي.

أميركا تغتال قاسم سليماني.. أين وكيف سترد إيران؟
جاده ايران واتساب
للمشاركة: