موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة30 ديسمبر 2019 16:00
للمشاركة:

محمد جواد ظريف.. من مشروعِ حوزويّ إلى مهندس الدبلوماسية الإيرانية

شخصيات إيرانية.. 360 ْ كما لم تعرفها من قبل

كثيرة هي الأحداث والتفاصيل التي شهدتها إيران خلال عام 2019. موقع “جاده إيران” أجرى استفتاءً عبر منصاته الالكترونية حول الشخصية الإيرانية الأكثر تأثيراً في عام 2019. تصدّر وزير الخارجية محمد جواد ظريف الاستطلاع، وقد شمل الاستطلاع أيضًا: رئيس البرلمان علي لاريجاني، والنائبة عن مدينة طهران بروانة سلحشوري، ووزير النفط بيجين زنغنه.

خلال العام المنصرم، كان ظريف محور ثلاثة أحداث مهمة: الأول: تقديم استقالته في شباط/ فبراير قبل أن يتراجع عنها، ثانيها: اعتراضه على الصورة التي ظهرت له خلال مسلسل “غاندو” في حزيران/ يونيو، إلى درجة وصلت حد تهديده بالاستقالة مرة أخرى. أما الحدث الثالث فكان العقوبات الأميركية التي استهدفته في آب/ أغسطس. وفي الحالات الثلاث كان ظريف يعود محملاً برسائل دعم شعبي ورسمي، تعزز بقاءه في موقعه الرفيع داخل البنية الدبلوماسية الإيرانية. من هو محمد جواد ظريف؟

النشأة والتعليم

في عائلةٍ ميسورة ومتديّنة، ولد وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، في 8 كانون الأول/ يناير 1960 لأبوين يُحسبان على فئة التجار. الوزير الذي صار في عقده السادس من نجوم الدبلوماسية في العالم، لم تكن عائلته تقتني التلفاز حفاظاً على العقائد التي تؤمن بها، كما يشير ظريف نفسه في كتاب “سعادة السفير”، الذي تحدث فيه عن حياته قبل أن يصبح وزيراً للخارجية.

أجواء التدين أثرت على مساره التعليمي في المرحلة الإعدادية، حيث اقترح بعض المقربين من العائلة إرساله إلى الحوزة العلمية في قم، إيمانًا منهم بقدرته على التصدي للمرجعية الدينية. والده رحبّ بالفكرة، لرغبته الشديدة في تلقي ابنه العلوم الدينية، بينّما رفضت والدته هذا الأمر، ما قاد للاتفاق على متابعته الدروس الحوزوية صباحًا قبل الذهاب إلى المدرسة.

استمر ظريف في دراسته داخل إيران، لكنه لم يكمل المرحلة الثانوية هناك، حيث انتقل للعيش في أميركا بدفع من والديه الذين فضلا خروجه نتيجة تدهور الأوضاع السياسية في البلاد. وقد أكد ظريف أن “الخوف من الاعتقال في إيران كان هو السبب الأول للهجرة إلى أميركا”.  وبعد الانتهاء من المرحلة الثانوية في “مدرسة درو” التحضيرية في “سان فرنسيسكو” التحق ظريف بجامعة المدينة نفسها ليحصل عام 1981 على ليسانس في العلاقات الدولية. وفي هذا السياق يشير ظريف إلى أن قراره آنذاك بالالتحاق بالمجال السياسي رغم تفوقه في العلوم والرياضيات جاء بسبب قناعته بأن الجميع يستطيع أن يتخصص في علوم الحاسوب لكنهم لا يستطيعون أن يكونوا سياسيين جيّدين للجمهورية الإسلامية. قناعة ظريف التي تشكلت في ظلّ أجواء الثورة الإيرانية عام 1979 أثرت على مساره التعليمي، ولم تبق على حالها، فقد أبدى الوزير ندمه في كتاب “سعادة السفير” على عدم التخصص في علوم الهندسة والبناء، مبرراً ذلك بأن “هذه المجالات ذنبها ومصائبها أقل من السياسة”.

محمد جواد ظريف.. من مشروعِ حوزويّ إلى مهندس الدبلوماسية الإيرانية 1

ظريف من الأمم المتحدة إلى الاتفاق النووي

ليس سهلًا أن تنال ثقة حسن روحاني وإعجاب هنري كسنجر. محمّد جواد ظريف فعلها. صاحب التجربة الدبلوماسيّة الطويلة، مهندس الاتفاق النوويّ، الجدليّ في إيران والنشيط خارجها.

كثيرة هي المحطّات اللافتة في حياة محمّد جواد ظريف. من أميركا بدأ تجربته في السلك الدبلوماسيّ، قائمًا بأعمال السفارة الإيرانيّة في ظروف شديدة الصعوبة أعقبت انتصار الثورة. كان ظريف من أوائل الملتحقين بالسلك الدبلوماسي لبلاده بعد سقوط نظام الشاه، حيث افتقدت الدبلوماسيّة الإيرانيّة آنذاك الكوادر متخصّصة.

في كتابه “سعادة السفير” يروي ظريف قصّة عن تلك المرحلة التي شهدت معاناة كبيرة، لدرجة أنّه كان يمثل بلاده في اجتماعاتٍ دبلوماسيّة عديدة، في حين أن حكومة بلاده لم تكن قد ثبّتته رسمياً كموظّف في سلكها الدبلوماسيّ بعد. خلال إحدى الاجتماعات في الأمم المتحدّة أوقفه حارس القاعة، ولم يكن في جعبة ظريف سوى بطاقة “سائق” رغم أنّه كان يحمل حزمةً كبيرة من الملفات. كان الحارس متساهلًا فسمح له بالدخول “لتسلّم الأغراض لرئيسك بشرط أن تخرج بسرعة”.

ارتقى ظريف بعد ذلك بسرعة في سلّم المراتب الدبلوماسيّة، حتى بات سفيراً لبلاده في الأمم المتحدة. فُتح الباب واسعًا أمامه، فشهدت مختلف البعثات الدبلوماسيّة نشاطه غير العادي، إلى درجةٍ أثر معها إعجاب وزير الخارجية الأميركيّ الشهير هنري كسنجر، الذي كتب لظريف في إهداء أحد كتبه: ” إلى عدويّ الذي يستحقّ الاحترام، محمّد جواد ظريف”.

مختلفًا عن صورة إيران الإيديولوجيّة في العالم، لعب ظريف على أوتار دبلوماسيّته. فكان له دور مشهود في المباحثات الإيرانيّة – الأميركيّة في بون الألمانيّة، ما أسهم في إنتاج نظامٍ سياسيٍّ جديد في أفغانستان بعد سقوط نظام طالبان. ومع وصول حسن روحاني إلى الرئاسة عام 2013، بدأ ظريف عمله الجديد وزيرًا للخارجيّة، فأسّس لسياسة الانفتاح على الغرب انطلاقًا من عنوانٍ أعلنه روحاني خلال حملته الانتخابية، بهدف استثمار هذا الانفتاح في تحسين الوضع الاقتصاديّ الإيرانيّ. نقل ظريف ملف التفاوض في الملف النوويّ الإيرانيّ من مؤسسّات عدّة إلى وزارة الخارجيّة. ترأس وفود بلاده في المدن الأوروبيّة، ونسج بقدراته التواصليّة علاقةً جيّدةً مع مسؤولين غربيين، كان أبرزهم وزير الخارجيّة الأميركي الأسبق جون كيري، ولم يكن مستغربًا أن ينادي الوزيران بعضهما بالأسماء الأولى من دون تكلّف: جون وجواد.

تعدّ صورة جواد ظريف ضاحكًا عام 2015 من أبرز الصور المرتبطة بالمفاوضات النوويّة. في تلك الأيام أثمرت جهود ظريف وفريقه في توقيع الاتفاق النووي بين إيران ودول مجموعة الخمسة زائدًا واحدًا، بما يضمن الاعتراف الدوليّ بحقّ إيران في الطاقة النوويّة السلميّة، مقابل تعهّدها بعدم تطوير أسلحةٍ نوويّة. شكّل الاتفاق فرصةً كبيرةً لإعادة تفعيل التواصل الأميركيّ الإيرانيّ، فكان أن رفعت إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما عقوبات اقتصاديّة فرضت على إيران لعقود سابقة، كما استعادت إيران بموجب هذا الاتفاق، قسمًا من ملياراتها المجمّدة في البنوك الأميركيّة وقسمًا من احتياطها من الذهب

محمد جواد ظريف.. من مشروعِ حوزويّ إلى مهندس الدبلوماسية الإيرانية 2

ظريف بين البطولة في الخارج والجدل في الداخل

مهندس الاتفاق النوويّ سطع نجمه دوليًا، لكنّه بقي في الداخل، ولاعتبارات السياسة الداخليّة، شخصيّة جدليّة لها مؤيّدوها الذين يبدون إعجابهم دائماً بديبلوماسيته، ولها معارضوها الذين ما انفكّوا يصوّبون على دبلوماسيّته ويعتبرونها إضعافًا لصورة إيران في المحافل الدوليّة، انطلاقًا من قناعتهم بضرورة التشدّد مع أميركا وأوروبا وعدم الوثوق بهم.

ارتفعت حدّة هذا الخلاف مع بدء عام ٢٠١٩، بسبب الجدل حول انضمام إيران لمجموعة محاربة غسيل الأموال ومحاربة الإرهاب  FATF.  ففي حين دافع ظريف عن دخول بلاده إلى هذه المجموعة رفض ساسة آخرون هذا الأمر. وفيما لا يزال هذا الجدل مستمرًا، وجوهره مصلحة إيران من الانضمام للمعاهدة من عدمها، برزت زيارة الرئيس السوري بشار الأسد إلى طهران، ولقاؤه بمرشد الثورة آية الله علي خامنئي والرئيس الإيرانيّ حسن روحاني، وعددٍ من المسؤولين الذين لم يكن ظريف منهم. في تلك الظروف، فاجأ محمّد جواد ظريف العالم بإعلان استقالته عبر حسابه على موقع انستغرام، الأمر الذي جعل منصب الخارجية الإيرانية شاغراً في لحظةٍ حساسة كانت تعيشها الجمهورية الإسلامية على الصعيدين الداخلي والخارجي. لكن قرار ظريف سرعان ما تغير ليعود إلى منصبه بعد أقل من 48 ساعة، دون أن يعرف الرأي العام الداخلي والخارجي الأسباب التي ساهمت في ثني ظريف عن قراره، إلا أن حجم الدعم الشعبي والرسمي الذي ناله ظريف اعتبر آنذاك دفعة إيجابية للوزير، ومنحته القوة كي يحافظ على مكانة وزارته في صناعة السياسة الخارجية للبلاد، كما كان يطمح من وراء قراره المفاجئ بالاستقالة.

جاده ايران واتساب
للمشاركة: