موقع متخصص في الشؤون الإيرانية

“مكان سلوج الخالي”… روايةٌ عن الفقر برائحة خراسان

للمشاركة:

اعتلت رواية “مكان سلوج الخالي” مكانتها المميزة ضمن مكتبة الرواية الإيرانية منذ إصدارها عام 1979؛ لملامستها هموم الإنسان الحقيقي، بطل كل روايات الروائي الإيراني الشهير محمود دولت آبادي (مواليد 1940).

تحاكي رواية “مكان سلوج الخالي” قصة عائلةٍ ابتليت بالفقر المدقع حتى ضاقت بهم الحياة ذرعًا، إذ يختفي الأب تاركًا خلفه الزوجة وحيدةً تسعى جاهدةً للحفاظ على العائلة؛ فترسل أطفالها للعمل وتزوج ابنتها القاصر. ولأن المصائب لا تأتي فرادى؛ يقوم بعض إقطاعيّ القرية بالاحتيال على العائلة وسرقة محصولها. وبعد إصابة أحد الأبناء بالجنون وإغلاق قناة الرّي في القرية، تضطر العائلة لاتخاذ قرار الرحيل والهجرة عن القرية.

يصور دولت آبادي سطور روايته بقلمٍ واقعي لم يخلو من الخيال والرمزية، في نصٍ مطبوعٍ برائحة خراسان بيئة الكاتب الأصلية وبيئة روايته، لذا صنفها النقاد ضمن الأدب الإقليمي المنسوب لجغرافية خراسان شرق إيران.

الواقعية والرمزية في “مكان سلوج الخالي”

تحاكي الرواية أبعاد الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في ايران خلال تلك الفترة، إذ يطرح آبادي عدّة مشاكلٍ اجتماعية كانت سائدة في أغلب القرى الإيرانية مطلع ستينات القرن الماضي بعد قانون الإصلاح الزراعي الذي تزامن مع الثورة البيضاء التي أطلقها شاه إيران الراحل محمد رضا بهلوي عام 1963 وألحقت ضررًا ببعض الفئات الاجتماعية، لاسيما الريفية منها. يرصد دولت آبادي في روايته مشهد الفقر وتسلّط الإقطاعيين على المزارعين وزواج القاصرات وأزمة الهجرة وما يقف خلفها من أسباب، دون أن يغفل التطرق إلى المجتمع الذكوري وسيطرته على تفاصيل حياة المجتمع الأنثوي في إيران آنذاك.

تُحاك أحداث الرواية في العقدين الخامس والسادس من القرن الماضي، لذلك لا يمكن الغور في تحليل شخصيات الرواية وأبرز أحداثها إلا بعد التمعن جيدًا في أحداث الثورة البيضاء والتي يعتبر قانون الإصلاح الزراعي أبرز سماتها، القانون الذي ألقى بتأثيره على الاقتصاد الايراني ومن ثم على المجتمع آنذاك، فساهم في زيادة الهجرة من الريف إلى المدينة بالدرجة الاولى، ومن ثم إلى خارج إيران.

قدّم الروائي دولت آبادي في “مكان سلوج الخالي” صورًا اجتماعية واقتصادية لمعاناة عائلةٍ إيرانية طرقت كل الأبواب بحثًا عن رزقها، تحاكي هذه الصور حركة الاقتصاد في أغلب دول العالم ومنها إيران خلال القرن الماضي، كذلك انتقال الشعوب من مصادر الرزق التقليدية كالزراعة والصناعات التقليدية إلى مصادر أكثر حداثة من قبيل السياحة وتصدير النفط وغيرها، ما ادى إلى نتائج حملت في طياتها جوانب ايجابية وسلبية.

شخوص الرواية

ترسم الشخصيات الشابة في النص، وهي “عباس” و “ابراو” أولاد مرجان بطلة الرواية، نموذجًا لتأثير الحركة الاقتصادية، حيث يبدأ الأول بالعمل في رعاية الجمال، كرمزٍ لمصادر الرزق التقليدية، والآخر(ابراو) كسائقٍ لجرارٍ زراعي في القرية، ما يمثل رمزًا لمصادر الرزق المعاصرة والأكثر حداثة، إلا أنّنا نجد أنّ كليهما قد توقفا عن العمل رغم سعيهما الدؤوب لتحصيل الرزق، بسبب ظروفٍ منعتهما من الاستمرار؛ ما يدفع بالعائلة التي هي بطبعية الحال رمزٌ للمجتمع الإيراني إلى لهجرة.

أبدع دولت آبادي في رسم شخصياتٍ متنوعة في رائعته “مكان سلوج الخالي” التي ضمت 80 شخصية رئيسة وفرعية وهامشية، 17 منها فقط حافظت على وجودها طيلة أحداث الرواية، بينما لعبت كلٌ من مرجان وابناها عباس و”ابراو” وابنتها هاجر، و”سلوج” أيضًا أدوارًا رئيسية في القصة.

تميزت لغة الكاتب بالمحليّة، حيث يغلب على النص المفردات المحلية والقروية المنسجمة مع بيئة الرواية، فجاءت الشخصيات ابنةً للمكان لغةً وحوارًا ووصفًا، الأمر الذي ميّز الرواية بجدارة ومنحها قوتها وانسجامها ورونقها الخاص، المشجع على تحويلها لفيلمٍ سينمائي. ومن أكثر النقاط الواجب ذكرها هي لمسة الكاتب في تغييب أحد الشخصيات الرئيسية في الرواية “سلوج”، فكان كل شيء متعلقٌ بها، رغم غيابها عن أحداث الرواية.

مكان سلوج الخالي في أسطر

جاءت الرواية في 405 صفحة، وضمّت أربعة فصول، تمحور الفصل الأول منها حول عدّة أحداث كان أبرزها اختفاء سلوج عن العائلة، وبحث مرجان عنها، كذلك إرسال مرجان اولادها لجمع الأحطاب من أطراف القرية، مشاجرة الابن عباس مع أحد أبناء ملاك الاراضي في القرية، ومطالبة عباس أمّه بحصته من الارض. ويمثل هذ الفصل، فضل الخريف من أحداث الرواية.

استهلّ دولت آبادي الفصل الثاني من روايته، في وصف هطول الثلج الذي غطى كامل القرية، مشيرًا بشكلٍ ضمني إلى قساوة العيش في القرى. فيما احتوى الفصل على إدمان عباس للقمار، وفاة زوجة الجار علي جناو، وتقدمه لخطبة ابنة مرجان أثناء دفن زوجته. ويمثل هذا الفصل، فضل الشتاء من أحداث الرواية.

فيما قصّ لنا دولت آبادي في الفصل الثالث تزويج مرجان ابنتها هاجر لعلي جناو، في مقابل تأمين العمل لولداها عباس و”ابراو”، كذلك عرض الإقطاعيين شراء الاراضي وقبول مرجان بذلك في نهاية المطاف. واستمر الكاتب في سرد ووصف نزول المصائب والملمّات على رأس العائلة. ويعتبر هذا الفصل أضخم فصول الرواية، فيما يمثل فصل الربيع من أحداثها.

أمّا في الفصل الرابع، وعند حلول فصل الصيف تصل الأمور إلى أوجّها من قحطٍ وشحٍ في المياه؛ بسبب انسداد قناة الري المغذية للقرية. فيما كان الحدث الأبرز في هذا الفصل، هو عودة “سلوج” إلى القرية.

جاده ايران واتساب
للمشاركة: