موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة16 نوفمبر 2019 03:55
للمشاركة:

أعظم طالقاني.. حكاية معركة خاضتها صاحبة لقب “الرجل السياسي”

شخصيات إيرانية.. 360 ْ كما لم تعرفها من قبل

يعرفها الكل في إيران بصورها التي كانت تنتشر خلال كل سباق انتخابي رئاسي، فهي التي كانت تدخل مركز تسجيل أسماء المرشحين مستندة على عصاها، في خطوة اعتراضية على عدم قبول ترشيح النساء لمنصب الرئيس في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وللمطالبة بتفسير القانون الذي يذكر نصه صراحة، عبارة “رجل سياسي” كأحد شروط الترشح للرئاسة.
أعظم طالقاني ابنة رجل الدين الشيعي المعروف آية الله محمود طالقاني، والتي رحلت نهاية أكتوبر/تشرين الأول الفائت، هي المرأة التي كان لها تاريخ طويل من النضال والتي رفعت صوتها دفاعا عن حقوق الإيرانيات، كما كانت من طليعة المنتخبين لأول دورة من مجلس الشورى الإسلامي بعد انتصار الثورة الإسلامية أواخر سبعينيات القرن الماضي، منتقلةً بعدها خارج قلعة المحافظين المتشددين للاعتراض على القوانين التي لا تلبي حقوق المرأة، لتستكمل ما بدأت به في عهد الشاه محمد رضا بهلوي.

نشأتها وتعليمها

ولدت أعظم علايي طالقاني في العاصمة الإيرانية طهران عام 1943، وترعرعت في كنف أسرة كانت تناهض نظام الشاه المخلوع محمد رضا بهلوي، فكان لوالدها آية الله محمود طالقاني وجدّها كذلك، الدور الأكبر في تعليمها دهاليز السياسة، وتحويلها في ريعان شبابها لرمز من رموز الثورة الإيرانية.
لم يقف زواجها المبكر من مرتضى اقتصاد بوجه إكمال مسيرتها التعليمية، وهي التي انغمست في قراءة الأدب العالمي منذ نعومة أظافرها، ومع أنها أنجبت طفلين لاحقا، أتمت طالقاني دورة في تعلم الإدارة بحلول عامها السابع عشر، لتدير بعدها مدرسة خاصة بتعليم البنين باسم “بنياد علايي”، افتتحتها بدعم من أختها، وذلك لأنها لم تكن راضية عن النظام التعليمي للبنات في عهد الشاه، وحصلت طالقاني على شهادة البكالوريوس في الأدب الفارسي من جامعة “تربيت دبير” المسماة حاليا “تربيت معلم”.

نضال مبكر

لم تكن أعظم طالقاني كباقي فتيات عصرها، فبدأت حياتها السياسية مبكرا بمقارعة النظام البهلوي، متأثرةً بأفكار والدها الثورية، إلى جانب أفكار قائد الثورة الإيرانية روح الله الخميني، فعاصرت الحراك الشعبي وشاركت بتوزيع المناشير، التي نقلت رؤية الخميني خلال الثورة وساهمت بالتواصل مع أُسر المعتقلين من خلال نقل المعلومات لذويهم، الأمر الذي تسبب باعتقالها عدة مرات من قبل جهاز الاستخبارات العامة في زمن الشاه “السافاك”، بل وأصبحت أول إيرانية يحكم عليها بالسجن مدى الحياة عام 1975، لكن أفرج عنها بعد عامين.
عاد “السافاك” لملاحقتها مجددا، واعتقلت بصحبة والدها لاحقا، لتشكّل ورقة ضغط عليه للتراجع عن أنشطته الثورية أيضا، فتم زجها بالحبس الانفرادي وتعرضت لأشد أنواع التعذيب..

اعظم طالقاني بعد خروجها من سجون الشاه

مرحلة ما بعد الثورة

بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، كانت طالقاني من طليعة المنتخبين لعضوية مجلس الشورى الإسلامي بدورته الأولى عام 1980، ممثلة مدينة طهران، وكان ذلك أول مجلس ينتخب في عهد النظام الإسلامي في البلاد، لكنها بعد ذلك ابتعدت عن جميع المناصب الحكومية الرسمية، فانتقلت إلى ساحة الدفاع عن حقوق المرأة.
وكانت طالقاني قد شكلت مع عدد من الناشطات في مجال حقوق المرأة جمعية “نساء الثورة الإسلامية” عام 1978 وقد أعلن عن تأسيسها رسميا من قبل وزارة الداخلية عام 1992، وهي التي تعمل على المطالبة بحقوق المرأة داخل وخارج إيران، وتوضيح موقع المرأة الإيرانية في الخارطة السياسية، كما دافعت عن السجينات السياسيات وطالبت بوضوح بمنح حق المرأة في الترشح لكافة المناصب الحكومية.
أسست طالقاني مجلة “بيام هاجر” عام 1997 لتستهدف شريحة النساء وتشجعهن على الثقافة والانخراط بمختلف جوانب الحياة، وتم إيقاف إصدارها بعد 23 عاما من نشرها بشكل دوري، فعادت طالقاني لتؤسس مجلة أخرى بعنوان “بيام ابراهيم” لتنشر من خلالها أفكار ونهج والدها الراحل.

الرئاسة.. أعمق من هدف شخصي

كانت أعظم طالقاني أول امرأة تخطو نحو تسجيل اسمها في وزارة الداخلية للترشح لمنصب رئاسة الجمهورية في انتخابات 1997، لتقوم بذات الخطوة نساء أخريات في سنوات لاحقة.
في ذاك العام، لم تحصل على موافقة لجنة صيانة الدستور التي تمثل الجهة الرقابية على الانتخابات دون توضيح سبب رفضها، وهو ما دفعها لرفع شعار المطالبة بتوضيح وتفسير القانون الذي لا يمنع ترشّح المرأة الإيرانية لرئاسة الجمهورية بشكل صريح، واعتمدت على حجج قانونية ومبررات دينية نقلتها عن المراجع وعن شخصيات فكرية، كأبيها ومحمد مهدي جعفري وعلي شريعتي، فحاولت مواجهة علماء الدين وأصحاب مناصب السياسة، ودعت لتفسير مصطلح “الرجل السياسي” المكتوب بشكل واضح في البند 115 من الدستور الإيراني، والمذكور كواحد من الشروط التي يتوجب على المرشح للمنصب الرئاسي أن يتمتع به، بل وشددت على أن المصطلح لا يتعلق بالذكر دون الأنثى.
ظلت طالقاني تخوض معركة “الرجل السياسي” حتى نهاية حياتها، ولم تستسلم رغم رفض ترشحها تسع مرات، ورغم مرضها وتقدمها في السن.
تصف الناشطة في حقوق المرأة فاطمة راكعي، طالقاني في صحيفة “آفتاب يزد” الإصلاحية، بالمرأة التي كانت تمتلك خصالا لا مثيل لها، كالصبر والقوة والخير والمحبة، فقدمت للمرأة الإيرانية ما لم تقدمه غيرها بشتى المجالات.
أما الناشط السياسي نجفقلي حبيبي فرأى خلال مقابلته مع صحيفة “شهروند” أنها تشبه أباها في إصرارها على تحقيق أهدافها، فلم تكن تعرف معنى الهزيمة، لكنها في الوقت ذاته كانت مستقلة عنه في بعض الأمور، وكانت صاحبة فكر ثابت، كما حملت روح الثورة، وظلت تدافع عن عدم الخروج عن مسار الأهداف التي رسمتها الثورة الإسلامية.
نادت أعظم طالقاني بمكافحة الفساد الاقتصادي في البلاد، وكانت من أشد معارضي الرئيس المحافظ السابق محمود أحمدي نجاد، خاصة بعد الأحداث التي أعقبت الانتخابات الرئاسية عام 2009، حين خرجت احتجاجات ضخمة تشكيكا بنزاهة الانتخابات وتأييدا للمرشح الإصلاحي مير حسين موسوي، والذي مدحته طالقاني سابقا، كما طالبت لاحقا بتلبية ما يريده الشباب في المجتمع الإيراني.
رحلت طالقاني ليلة الأربعاء 30 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، في أحد مستشفيات طهران إثر جلطة دماغية عن عمر يناهز 76 عاماً، تاركة وراءها إرثا عظيما يميزه نضالها في المطالبة بحقوق المرأة، فوضعت هذه المهمة أمام غيرها لمتابعة المطالب التي لم تتحقق بعد.

جاده ايران واتساب
للمشاركة: