الجادّة: طريقٌ في اتجاهين
قراءة طويلة21 أكتوبر 2019 07:02
للمشاركة:

من فرنسا إلى العراق إلى سجون الحرس الثوري، قصة فخ لمعارض إيراني

أعلن جهاز الاستخبارات التابع للحرس الثوري الإيراني في بيان له، يوم الاثنين 14 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، إلقاء القبض على المعارض الإيراني المقيم في فرنسا روح الله زم، خلال عمليةٍ أمنيةٍ معقدة قام بها في العراق، إثر اتهامه بالعمالة للمخابرات الفرنسية والتواطؤ مع أجهزة مخابراتٍ أجنبيةٍ أخرى.
وكان زم يدير قناة “آمد نيوز” المعارضة الشهيرة، والتي تعتبر السلطات الأمنية في إيران أنها تمارس التحريض وتعادي النظام، ولم يوضح البيان تفاصيل دقيقة حول ظروف عملية اعتقال رجل يراه البعض صحفيا وناشطا معارضا، وآخرون يصفون الإمساك به بالنصر الكبير على مؤامرات الخارج.

المولد والنشأة

ولد روح الله زم في طهران عام 1978 لعائلة متدينة، ولم يستكمل مشواره التعليمي بعد المرحلة الثانوية، لانخراطه في عالم السينما، فوالده محمد علي زم، رجل دين وصاحب مؤسسة سينمائية أيضا وكان رئيسا لمنظمة الثقافة والفنون في بلدية طهران، ففتح هذا الباب أمام زم الابن، للعمل في مجال تصوير التقارير الإخبارية والأفلام الوثائقية منذ العام 2002، وسهّل له طريق العلاقات مع المسؤولين.

من فرنسا إلى العراق إلى سجون الحرس الثوري، قصة فخ لمعارض إيراني 1

المشوار السياسي

فصل زم مشواره المهني عن والده عام 2005، وانخرط في عالم السياسة كناشط سياسي وإعلامي حين شارك في الحملة الانتخابية للرئيس الإيراني الراحل أكبر هاشمي رفسنجاني.
اعتقل عام 2009؛ لمشاركته في احتجاجات الحركة الخضراء التي أعقبت الانتخابات الرئاسية ذلك العام، ونُقل إلى سجن إيفين، وخرج منه بكفالة مالية وظل على ذمة التحقيق.
فهرب بعدها إلى ماليزيا ومنها إلى فرنسا التي حصل فيها على إقامة، واستقر في عاصمتها باريس ليبدأ نشاطه المناهض للنظام الحاكم في إيران من خلال استخدام مواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي.

من فرنسا إلى العراق إلى سجون الحرس الثوري، قصة فخ لمعارض إيراني 2

رسالة زم إلى خامنئي

بعث زم رسالةً طويلةً إلى المرشد الإيراني علي خامنئي، ينتقد فيها أسلوب وزير الأمن السابق حيدر مصلحي، خلال التحقيق مع المعتقلين فضلا عن انتقاده أساليب التعذيب المتبعة في السجن، فقارن زم في رسالته تلك بين المرشد الأعلى وشاه إيران الراحل محمد رضا بهلوي والذي خلعته الثورة الإسلامية، قائلاً “أنا متأكدٌ من أنّك ستسمع صوت الشعب بعد فوات الأوان مثل شاه إيران السابق، إلا أن هناك فرق جوهري بين الشاه الراحل والشاه الحالي؛ فالأول غادر إيران لتهدئة غضب الشارع وحقن دمائهم وسلّم  مصيره السياسي  للشعب الإيراني، لكنك لا تنوي تسليم مصير الحكومة لأبناء الشعب”.
كما شرح زم بعض أساليب التعذيب التي تعرض لها هو وغيره من السجناء بالقول إن “بينما كانت يداي مقيدتين بقضبانٍ معدنية، بقيت في وضعية الانحناء لساعات ليتمكن المحققون من استجوابي وأخذ اعترافات مني لإدانة والدي وهاشمي رفسنجاني وغلام حسين كرباستشي ومحمد خاتمي ومهدي كروبي”.

من فرنسا إلى العراق إلى سجون الحرس الثوري، قصة فخ لمعارض إيراني 3

“آمد نيوز” ..مرحلة حرجة ومفصلية

أسس زم عام 2017 موقعًا إخباريًا ومن ثم قناةً على تطبيق تلغرام الشائع استخدامه في إيران، متعاونًا مع مجيد نيكام وبابك جلالي، وأصبحت هذه القناة لاحقًا الأشهر في البلاد، وتميزت بمعارضتها للسلطة الحاكمة في إيران.
نشطت القناة كثيرا خلال الاحتجاجات التي خرجت في عدة مناطق إيرانية والتي حملت مطالب اقتصادية وردد فيها المتظاهرون شعارات سياسية.
أُغلقت القناة في العام ذاته من قبل إدارة التلغرام؛ لنشرها  طريقة تعليم صنع “قنابل المولوتوف” وتحريضها على العنف.
ثم عادت لفعالياتها بعد تغيير سياستها وتعديل اسمها إلى “صداي مردم” أي صوت الشعب، واعتمد زم بعدها على نشر الأخبار المثيرة للجدل حول قضايا مختلفة وأهمها الفساد بين المسؤولين، طارحا أمثلة من بينهم بالاسم، ومعتمدًا على مصادر موثوقة من داخل السلطات نفسها، كما قال سابقا.
وصل عدد متابعي القناة إلى مليون تقريبا في وقت سابق وانخفض إلى النصف عقب اعتقال زم وسيطرة الحرس الثوري على القناة.

من فرنسا إلى العراق إلى سجون الحرس الثوري، قصة فخ لمعارض إيراني 4

روايات متعددة

تضاربت الروايات حول كيفية اعتقال روح الله زم منذ إعلان الحرس الثوري الإيراني في بيانٍ له عن ذلك، منتصف تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، وقد اعتبر القائد العام للحرس الثوري الإيراني اللواء حسين سلامي، بأن اعتقال زم خطوةٌ استخباراتيةٌ حازمة، باغتت خطط استخبارات القوى الاستكبارية، وأكد سلامي خلال البرقية التي أصدرها يوم الأحد 20 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، بأنّ هذه الخطوة أدت لكسر شوكة الحرب النفسية التي يشنها الأعداء بهدف زعزعة الاستقرار ونشر الاضطرابات وخلق الهوة مع شرائح النخب والمسؤولين والترويج للأكاذيب والشائعات، حسب تعبيره.
لكن على الطرف المقابل، يتضارب الحديث حول وقوف فرنسا وراء تسليم زم لإيران مقابل الإفراج عن الصحفية الفرنسية ذات الأصول الإيرانية  فريبا عادلخواه، والمعتقلة في إيران. 
الخارجية الفرنسية طالبت إيران بالإفراج عن عادلخواه مرارًا، بينما كانت إيران تطالب فرنسا بتسليمها المعارض زم.
من جهتها قالت المتحدثة باسم الخارجية الفرنسية آنييس فون دير مول، أن مدير موقع “امد نيوز” روح الله زم كان يتمتع بوضع لاجئ في فرنسا، وقد حصل على الإقامة وكانت له الحرية بالدخول والخروج من فرنسا، مؤكدة أن بلادها لا تمتلك أي معلومات دقيقة حول ملابسات اعتقاله خارج الأراضي الفرنسية، ونوّهت إلى متابعة الحكومة الفرنسية للأمر.
كما كشف تحقيقٌ لصحيفة «لوموند» الفرنسية، نشر في عددها الصادر يوم الجمعة  18 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، أن السلطات الفرنسية وبعكس ما أفادت به وزارة خارجيتها، فقد كانت على علم بذهاب زم إلى العراق يوم الجمعة 11 من الشهر الجاري، وبأن الأجهزة الأمنية حثّته على العدول عن الزيارة، وأكدت بأن هناك فخ نصب له، إلا أنه أصرّ على الذهاب بحجة التمتع بالحماية هناك.
وكشف تحقيق صحيفة «لوموند» آنف الذكر، عن زاوية ثانية، فجاء فيه أن جهاز الموساد الإسرائيلي أبلغ الجانب الفرنسي عن وجود خطةٍ لتصفية روح الله زم الذي تتهمه طهران بلعب دور في  الاحتجاجات الشعبية والتي خرجت في مدن إيرانية عدة، في كانون الأول/ ديسمبر 2017.
ويتداول البعض أن العراق هو من أقدم على اعتقال زم وتسليمه إلى إيران، كونه اعتقل على أراضيه، وقد نفت وزارة داخلية إقليم كردستان العراق -حيث أمسك به بحسب البعض- في بيان لها ذلك جملة وتفصيلا.
فيما ذكر مصدرٌ عراقي ٌمطلع، لمحطة “بي بي سي” وصحيفة “اندبندنت”، أن العراق اعتقل زم في مطار بغداد، وفقاً لاتفاقية تسليم المطلوبين بين إيران والعراق.
ووفقا لأقوال مرتبطة بأطراف مقربة، يقال إن مسؤولةً في قناة “أمد نيوز”، تدعى شيرين نجفي كانت قد نسقت لقاءًا  بين زم والمرجع الديني آية الله علي السيستاني في العراق، الأمر الذي نفاه مسؤولٌ في مكتب المرجع الديني الأعلى، قائلًا إن “مزاعم بعض وسائل الإعلام بزيارة روح الله زم لمكتب سماحته مجرد أكاذيب ولا أساس لها من الصحة”.
والجدير بالذكر أن نجفي ذاتها نفت الأمر.
من ناحية أخرى، يروي البعض أن استدراج زم إلى العراق، كان قد تم عبر والده، في إشارة لتعاون الأب مع الحرس الثوري.
هذا التكهن، جاء عقب اعتراف زم، الذي قال إنه كان قادمًا إلى العراق لرؤية عائلته، كما قالت زوجته مهسا رازاني إنه ألقي القبض على زوجها في بغداد، وأضافت بأنها كانت على تواصلٍ معه لحظةً بلحظة منذ خروجه من فرنسا إلى عمّان ثم العراق لكن “صوته لم يكن على ما يرام في آخر مكالمة”.
وكل ذلك، لم يحسم حتى اللحظة مصير زم المتهم بحسب الأمن الإيراني بالتعامل مع أجهزة استخبارات أجنبية وبالتحريض وإثارة البلبلة في الداخل.

من فرنسا إلى العراق إلى سجون الحرس الثوري، قصة فخ لمعارض إيراني 5
جاده ايران تلغرام
للمشاركة: