موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة14 سبتمبر 2019 14:12
للمشاركة:

محمود أحمدي نِجاد .. المٌشاكِسُ حتى النهاية

شخصيات إيرانية.. 360 ْ كما لم تعرفها من قبل

يبرز الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد دائماً كأحد الشخصيات السياسية الجدلية في إيران، فالشاب الذي تضاربت الروايات حول مساهمته في التخطيط لعملية اقتحام السفارة الأميركية عقب انتصار الثورة الإسلامية، وصل بعدها بستةٍ وعشرين عاماً إلى قصر الرئاسة كسادس رئيس للجمهورية الإسلامية، وظل في منصبه لدورتين متتاليتين، متغلباً على منافسين أقوياء وبشكل فاجأ كثيرين.
هو ذاته الذي تمسّك بحق بلاده في امتلاك الطاقة النووية، وعُرِف بمواقفه المتشددة تجاه الغرب وإسرائيل وأنكر الهولوكوست … فمن هو هذا الرجل؟

النشأة والدراسة

ولد محمود أحمدي نجاد عام 1956 في قرية آرادان، لأسرة متواضعة ومتدينة.
تلقى تعليمه في طهران تزامنا وامتهانه الحدادة تحت إشراف والده.
استكمل دراسته الثانوية في العاصمة الإيرانية، وفي عام 1976 اجتاز الشاب امتحانات القبول في الجامعات الإيرانية الوطنية، حاصلاً على ترتيبِ متقدم مكّنه من الالتحاق بكلية الهندسة المدنية بجامعة “علم وصنعت” التقنية.
تزوج أحمدي نجاد لاحقاً من زميلته في الجامعة أعظم السادات فراحي، فأنجبت له ثلاثة أطفال، هم علي رضا ومهدي وفاطمة، وعاد عام 1986 إلى مقاعد الدراسة كطالبِ دراساتٍ عليا في جامعته الأولى، وانضم عام 1989 إلى هيئة التدريس هناك، واختتم مسيرته التعليمية بشهادة الدكتوراة في تخصص تخطيط هندسة الشحن والنقل عام 1997.

انطلاقة الدور السياسي

أثناء مسيرته التعليمية ومع انطلاق الثورة الإسلامية، دعم أحمدي نجاد صفوف الثوار في الحقلين السياسي والعلمي، وأسس الرابطة الإسلامية لطلاب جامعته.
خلال الحرب العراقية الإيرانية تطوع أحمدي نجاد كما عدد كبير من الشباب للانضمام للجبهة، وتولى مسؤوليات مختلفة وخاصة في الوحدات الهندسية التابعة للحرس الثوري.
بدأ نشاطه الواضح في الشأن السياسي بعدها، فعمل مستشاراً لمحافظ كردستان، ومستشاراً لوزير الثقافة والتعليم العالي، وأصبح والياً لمنطقتي خوي وماكو في زمن رئاسة أكبر هاشمي رفسنجاني، وتولّى منصب مُحافظ أردبيل ما بين 1993-1997.

مرحلة مفصلية

عام 2003 انتُخب رئيساً لبلدية طهران وبقي يشغل هذا المنصب حتى العام 2005، إذ شهد مساره السياسي منعطفاً حاسماً في ذلك العام، بعد ترشحه لمنصب رئيس الجمهورية، مستفيداً من قاعدة جماهيرية وانتخابية مُكوّنةٍ من الطبقات الفقيرة المتديّنة، تمكّن من بنائها خلال رئاسته لبلدية طهران.
استفاد أحمدي نجاد من هذه الفئات في حملته الرئاسية، ما أدى لفوزه بانتخابات الرئاسة عام 2005 أمام منافسين أقوياء، أبرزهم الرئيس الراحل أكبر هاشمي رفسنجاني، كل ذلك حصل رغم أنه لم يكن معروفاً على نطاق واسع وقتها، إلا أن الدعم السياسي الرئيسي له كان من تحالف بناة إيران الإسلامية المحافظ، والذي ساعده في تحقيق الفوز غير المتوقع.
أعاد الكرّة وترشح لفترة رئاسية ثانية سنة 2009 مدعوماً من المرشد الأعلى علي خامنئي، ففاز على منافسه الإصلاحي مير حسين موسوي.
نتائج هذه الدورة الانتخابية أثارت إضرابات واحتجاجات واسعة في البلاد، بسبب التشكيك بنزاهتها، وتركت تلك المرحلة تصدعات سياسية، بين التيارين المحافظ والإصلاحي من جهة، وبين أبناء كل تيار على حدى من جهة أخرى، بسبب تباين المواقف.
واستمرّ الجدل بهذا الشأن حتى حسم المرشد الإيراني علي خامنئي الأمر رسمياً وصادق على النتائج النهائية ليؤدي أحمدي نجاد اليمين الدستورية لولاية ثانية انتهت في 15 حزيران/ يونيو 2013.
بعد ذلك، تم تعيينه عضواً في مجمع تشخيص مصلحة النظام الذي يُعدُّ بمثابة هيئة للتحكيم السياسي في إيران، وقد جاء تكليفه بكتاب من المرشد علي خامنئي برر فيه هذا التعيين بـ”النشاطات الدؤوبة والقيمة خلال فترة رئاسته والتجارب القيمة التي اكتسبها خلال تلك الفترة”.

مواقف حاسمة، متشددة وجدلية

اتسمت فترتا رئاسة أحمدي نجاد بتوتر العلاقات الإيرانية مع الدول الغربية، على خلفية البرنامج النووي الإيراني، ومواقفه المتشددة والمتناقضة مع السياسات الغربية.
ولم تشهد العلاقات الإيرانية الأميركية المجمدة منذ 1979 أي تطور في عهده.
في المقابل، سعى الرئيس إلى توطيد العلاقات مع دول إقليمية ومع روسيا، في محاولة لمواجهة السعي الغربي المحموم لعرقلة الجهود النووية الإيرانية، كما تميّزت مواقفه بالتشدد تجاه إسرائيل.
يُعد أحمدي نجاد من أبرز مؤيدي البرنامج النووي السلمي الإيراني، وقد أكد مراراً على أنّ صنع قنبلة نووية بمثابة “سياسة غير قانونية” ومخالفة للدين الإسلامي، مشدداً على أن حكومته لا تسعى إلى هذا الأمر.
وكان أحمدي نجاد قد أعلن عام 2006، أن بلاده وصلت في تخصيب اليورانيوم إلى مرحلة مناسبة لإنتاج الوقود النووي، وقال في خطاب تلفزيوني من مدينة مشهد “إن ظروف إيران قد تغيرت تماماً، لأنها أصبحت دولة نووية، ويمكن لها أن تتحدث مع الدول الأخرى من هذا المنطلق”.
ودخلت البلاد في عهده بمفاوضات مع الغرب لم تسفر إلا عن المزيد من التشدد الإيراني والغربي وفرض المزيد من العقوبات على طهران.
وعقب انسحاب أميركا من الاتفاق النووي الإيراني الذي توصل إليه خلفه حسن روحاني بعد سنوات من التفاوض، اعتبر أحمدي نجاد أنّ “الاتفاق النووي لم يكن إنجازاً رائعاً لأي طرف، ومبادئ التفاوض عليه لم تكن صحيحة”، مضيفاً “لو كان الأمر بيدي ما كنت وقّعت مثل هذا الاتفاق مطلقاً”. لكنه أشار إلى أنه لا يرى عيباً في التفاوض مع أي طرف، بما في ذلك أميركا، إلا أنه لا توجد هناك فائدة لمفاوضات غير واضحة المعالم، بحسب تعبيره.
في شأن آخر، تسببت تصريحات جدلية ثانية أنكر فيها أحمدي نجاد الهولوكست علانية بانتقادات واسعة صدرت عن اسرائيل وعن العالم الغربي، إلى جانب قوله إن “الاحتلال الإسرائيلي يفرض حكما قاسياً وقمعياً وعنصرياً” مشيرا إلى استغلال إسرائيل لحادثة المحرقة، فانسحبت عدة وفود غربية من مؤتمر “ديربان الثاني” أو “المؤتمر العالمي لمناهضة العنصرية”، المنعقد في جنيف في 20 نيسان/ أبريل 2009 فبررت موقفها باعتبار تصريحات الرئيس الإيراني “خطاباً للكراهية”.

نجاد والمواجهات الداخلية.. اللعب بالنار

تلاحق نجاد التُهم بشق التيار المحافظ الذي ينتمي إليه فكرياً، منذ الانتخابات الرئاسية الثانية عام 2009، والتي تبعتها احتجاجات الحركة الخضراء. وبات البعض يُصنّفون أحمدي نجاد والمقربين منه ضمن ما أصبح يعرف ب”تيار الانحراف” في إيران، فما حدث ذاك العام إلى جانب أسباب أخرى، كان كفيلا بزيادة الخلاف السياسي بين أسماء بارزة في الداخل، إلى جانب عدم وضعه حداً لتصرفات مقربين منه انتقدها المحافظون التقليديون أنفسهم، فوضعت أسماء أفراد دائرته لاحقا في ملفات شكاوى تسلمتها السلطة القضائية بتهم الفساد المالي والاختلاس، وزادت الاعتقالات منذ انتهاء فترته الرئاسية الثانية عام 2013، كان أبرزها تلك التي طالت صهره ومدير مكتبه السابق اسفنديار رحيم مشائي بعد أن أحرق الأخير أمام مبنى السفارة البريطانية في طهران قرار المحكمة الذي يحمل إدانة وحكما بالسجن لمدة خمسة عشر عاما، بحق صديقه ومستشار أحمدي نجاد أيضا حميد بقائي والمتهم بالاختلاس.
قام أحمدي نجاد بخطوات جريئة مجددا، واستمر بانتقاد القضاء، ووجّه رسالةً إلى قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، الجنرال قاسم سليماني، لمطالبته “بألا يكون شريكاً في الظلم”، معتبراً أنه على القضاء في البلاد أن يمثّل العدالة.
كما كتب رسالةً إلى المرشد الإيراني، طالبه خلالها بإقالة رئيس السلطة القضائية السابق صادق آملي لاريجاني، والإفراج عن المقربين منه وإجراء انتخابات مبكرة، للخروج من الأزمة السياسية في البلاد، وهو ما قوبل بنقدٍ واسعٍ من المحافظين أنفسهم.

والجدير بالذكر، أن خلافات أحمدي نجاد مع الأطراف الحاكمة في إيران وصلت إلى رأس هرم السلطة المتمثل في المرشد علي خامنئي، وهذا ما زاد الانتقادات للرئيس السابق، الذي اتخذ موقفا في 2011، عندما أعاد المرشد وزير الاستخبارات حيدر مصلحي إلى منصبه، بعدما عزله أحمدي نجاد فقرر هذا الأخير ترك مكتبه وعدم المشاركة في اجتماعات الحكومة لأحد عشر يوما.
وفي 2016، نصح المرشد أحمدي نجاد بعدم خوض غمار السباق الرئاسي في 2017، لتجنيب البلاد المزيد من الانقسامات، وخالف هذا الأخير النصيحة متقدماً بطلبٍ رسميٍ للترشح، فرفضته لجنة صيانة الدستور.
ورغم كل ذلك، يحاول أحمدي نجاد اليوم أن يبرز مجددا في المشهد السياسي من خلال تغريدات وخطابات محلية في مناطق بعيدة، محاولا العودة لما يعتبرها “قاعدته الشعبية” التي دعمته فأوصلته للرئاسة، لذلك يحاول التركيز على انتقاد الوضع المعيشي، وسياسات المسؤولين في الوقت الراهن.

جاده ايران واتساب
للمشاركة: